بوتين يمسك بخيوط لعبة أنقرة في سورية

بوتين يمسك بخيوط لعبة أنقرة في سورية

صرح الرئيس أردوغان، الذي يستعد لتغيير جذري في سياسته تجاه سورية بعد 11 عامًا، أنه على عكس تصريحاته السابقة، ليس لديه أي مخاوف بشأن هزيمة الأسد أو الإطاحة به.
في جميع استطلاعات الرأي، كان رد الفعل الأكبر للحكومة بعد الاقتصاد هو السياسة السورية وملايين اللاجئين السوريين في البلاد. وبعد أن صرح الرئيس أردوغان، الذي التقى بالرئيس الروسي بوتين في سوتشي في 5 آب (أغسطس)، أن بوتين كان يقترح “لقاء النظام في سورية” في تصريحاته، خطت الجبهة الحاكمة خطوات ناعمة وإيجابية واحدة تلو الأخرى بشأن سورية.
تُظهر التصريحات التي تم الإدلاء بها أن الحكومة تهدف إلى اختزال الملف السوري بالكامل إلى مستوى التهديد الذي يمثله حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب وأهداف التنمية المستدامة في شمال سورية. وبينما يطالب أردوغان بدعم بوتين في هذه القضية من دون أن يذكر التنظيمات الجهادية الإرهابية، فإنه يشكو من أن إيران والولايات المتحدة لا تدعمانه. ومع ذلك، هناك الكثير من الجهات، بما فيها إدارة دمشق، وروسيا، والولايات المتحدة، وإيران، والاتحاد الأوروبي ودول الخليج ومصر، التي تعتبر “داعش” و”النصرة” و”القاعدة” و”هيئة تحرير الشام”، التي تأسست بإعادة هيكلة من تركيا، حيث الجيش السوري الحر -المدعوم من أنقرة- والائتلاف الوطني وغيره من التنظيمات الجهادية، منظمات إرهابية.
وتعتقد هذه الدول أن بقاء هذه التنظيمات من خلال التعشيش في إدلب وغيرها من المستوطنات الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة التركية مكفول برعاية تركيا. ويجادل وزير الخارجية جاويش أوغلو بأن إدارة الأسد لا ينبغي أن تعتبر الجيش السوري الحر والمنظمات الأخرى، التي يصفها بـ”المعارضة السورية الديمقراطية”، منظمات إرهابية.
وقد ظهرت صور للقاء جاويش أوغلو مع رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض سالم المسلط، ورئيس هيئة التفاوض بدر جاموس، ورئيس الحكومة السورية المؤقتة التي تأسست في غازي عنتاب تحت سيطرة الحكومة، عبد الرحمن مصطفى، في مكتبه في 24 آب (أغسطس)؛ حيث قال: “إننا نقدر وندعم مساهمة المعارضة في العملية السياسية في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254”.
حتى اليوم، كانت الحكومة التركية هي التي منعت روسيا والجيش السوري من تنفيذ عملية شاملة في إدلب وتطهير الجهاديين هناك. وفي هذه المرحلة، في حالة المصالحة المحتملة بين الأسد وتركيا، من المفهوم أن أخطر المشاكل بالنسبة لتركيا هي الجماعات الجهادية في إدلب، والجيش السوري الحر. ومن الممكن توقع أنه في حالة حصول اتفاق سوري-تركي، فإن هذه التنظيمات المسلحة ستوجه فوهات بنادقها نحو تركيا وتصبح تهديدًا لأمنها.
قبل فترة، قال بهجلي، زعيم الحركة القومية والشريك في التحالف الحاكم، إنه يجب أن تخطط الأمة التركية لدخول دمشق إذا لزم الأمر. وأضاف: “أحرقوا سورية، دمروا إدلب، أسقطوا الأسد”. لكنه غير موقفه بعد التصريحات الجديدة من أردوغان والمتحدثين باسم حزب العدالة والتنمية. وقال في بيان “إن الخطوات التي اتخذها وزير خارجيتنا لإحلال السلام بين المعارضة السورية ونظام الأسد هي خطوات قيمة ودقيقة”.
يظهر هذا التغيير الجذري في المواقف والخطاب، الذي جاء بعد 11 عامًا للجبهة الحاكمة، أن الحكومة تبحث عن مخرج طوارئ في مواجهة البعد الخطير للمشكلة. وقد بدأت وسائل الإعلام التابعة للحكومة في التأكيد أن وقت السلام مع الأسد قد حان بالفعل، وأن المشكلة لا يمكن حلها إلا بالتفاوض والاتفاق مع الزعيم السوري. وكتب كُتاب مقربون من الحكومة أن أحمد داود أوغلو ضلل تركيا في سورية، وأن “الوقت قد حان لخروج أردوغان من هذا المسار الخاطئ بتعليماته وقيادته”.
أُعلن مؤخراً أن وفداً سيضم رئيس حزب “وطن”، دوغو بيرينجيك، وإيثم سنجاق، الذي استقال من حزب العدالة والتنمية وانضم إلى حزب “وطن”، سيتوجه إلى دمشق “بعلم الحكومة وموسكو” للقاء الأسد ومحاولة الوساطة. ومن المفهوم أن ممثل أردوغان في الوفد سيكون إيثم سنجاق الذي كان قال: “أنا مغرم بأردوغان”.
وبينما قال وزير الخارجية جاويش أوغلو إنه “لا يوجد شرط” للحوار مع سورية، فإن الأخبار في وسائل الإعلام الحكومية تتضمن شروط الأسد ومطالبه، ومنها نقل “الطريق السريع إم4” إلى الجيش السوري، وتمكين الجيش السوري من العمل في إدلب وتطهير الجهاديين، ونقل الحدود التركية السورية إلى الجيش السوري، ونقل البوابات الحدودية إلى سيطرة الإدارة السورية. وكل هذه المطالب تستند إلى انسحاب القوات المسلحة التركية من المنطقة.
وأخيراً، أعلن وزير الخارجية السوري، فيصل مقداد، الذي التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو، أن الشرط المسبق للحوار مع تركيا هو إنهاء وجود القوات المسلحة التركية في سورية وسحب الجنود الأتراك من جميع المناطق على الأراضي السورية. والموضوع الأكثر أهمية الذي أعلن لافروف ومقداد أنهما “متفقان” حوله، كان إعلام أردوغان بأنهما ضد أي عملية عسكرية جديدة في سورية، وأن هذا لن يُسمح به.
كانت سياسة التطبيع التي بدأتها الحكومة مع إسرائيل والإمارات والسعودية ومصر، وتريد الآن أن تستمر مع سورية، والتحول الجذري الذي تظهره، وكذلك إفلاس الخارجية العثمانية -الإسلام السياسي- الإخوان، مطبقة منذ انتفاضات الربيع العربي في العام 2010.
تستمر هذه السياسة الخارجية، التي كلفت تركيا ثمناً باهظاً، في أن تكون المشكلة الأمنية الأكثر اشتعالاً لسنوات مقبلة، خاصة مع مشكلة الملايين من طالبي اللجوء والمهاجرين غير الشرعيين واللاجئين القادمين من سورية. ولا يمكن استبعاد احتمال أن يؤدي اتفاق محتمل بين دمشق وأنقرة إلى أعمال داخلية وخارجية وهجمات واشتباكات تنفذها الجماعات المسلحة التي تدعمها وتحميها الحكومة التركية في سورية حتى الآن.
يبدو أن الرئيس أردوغان، وهو يستعد للقاء الأسد خطوة بخطوة، يريد أن يلقي بالمسؤولية عن العملية التي نفذها حتى الآن على زعيم حزب المستقبل، أحمد داود أوغلو. وتظهر العناوين الرئيسة والأعمدة والتعليقات التي تشير إلى داود أوغلو باعتباره المسؤول الوحيد في وسائل الإعلام الحاكمة ذلك.
لكن الرئيس أردوغان هو الذي كان قد اختار داود أوغلو كمستشار رئيسي للسياسة الخارجية خلال فترة رئاسته للوزراء، والذي اعتنق خطاب العثمانية الجديدة وأطروحة العمق الاستراتيجي، وجعله أول وزير للخارجية، ثم رئيسًا للوزراء ورئيسًا لحزب العدالة والتنمية. وعلاوة على ذلك، أعلن أردوغان أثناء مخاطبته أعضاء حزب العدالة والتنمية قبل ثلاثة أسابيع، أنه هو الذي قام بتعيين داود أوغلو وعلي باباجان وتمكينهما. وقال: “لم يأتوا إلى تلك المناصب لأنهم يستحقون، لقد جلبتهم وصية إلى هناك”. والمعنى الآخر لهذه الكلمات هو: “مهما فعل داود أوغلو، فقد فعل ذلك بإمرتي وفي حدود معرفتي”.
لهذا السبب، فإن أردوغان، وهو صانع القرار الوحيد كرئيس للوزراء وكرئيس للجمهورية ورئيس لحزب العدالة والتنمية، هو المسؤول عن مشروع الدمار الهائل الذي وضعته السياسة السورية أمام تركيا، لذلك يصعب التخلص من هذه المسؤولية بالقول: “داود أوغلو جعلني أخطئ بشأن سورية”.
إضافة إلى ذلك، فإن أحد أهم العناصر في التحول التغييري الذي بدأ في السياسة السورية هو الدور الحاسم لبوتين، الذي يوجه أردوغان إلى “الاجتماع مع الأسد”. ويبدو أن بوتين، الذي يبدو أنه أقنع أردوغان بلقاء الأسد -بل وأجبره- على ذلك، في طريقه إلى تعزيز دوره الحاسم في السلطة، وليس في سورية فحسب، ولكن اقتصاديًا أيضاً من خلال خطوات الدعم الاقتصادي مثل الدفع مقابل الغاز الطبيعي بالروبل، وإرسال مليارات الدولارات لأكويو، ونقل رأس المال الروسي إلى تركيا حتى الانتخابات، وما إلى ذلك.‏
ومع ذلك، فإن أخطر معضلة تواجه أردوغان هي أن وزارة الخزانة الأميركية حذرت للمرة الثانية من العلاقات مع الشركات والبنوك الروسية والالتفاف على العقوبات من خلال تركيا، وأرسلت رسالة تحذير رسمية إلى منظمة رجال الأعمال الأتراك وغرفة التجارة الأميركية التركية، تهدد فيها الشركات والبنوك التركية التي تتعامل مع الروس.
ومن المحتمل أن تصبح تداعيات ثقل بوتين المتزايد في السلطة أكثر وضوحًا في الفترة المقبلة.

الغد