الحكومة الصومالية تحاصر حركة الشباب اقتصاديّا

الحكومة الصومالية تحاصر حركة الشباب اقتصاديّا

مقديشو – يتوقّع محللون أمنيون واقتصاديون أن تشكّل الحرب الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة الصومالية على حركة الشباب ضربة قاضية لإيراداتها المالية، وأن تضعف قدرة التنظيم على تمويل عملياته الإرهابية.

وكانت الحكومة قد فرضت في مطلع أكتوبر الماضي عقوبات صارمة ضد التجار والشركات وكل من يتعامل مع حركة الشباب، سواء ماليا أو عبر تنفيذ أوامرها، وذلك في محاولة لاستهداف وتجفيف مصادر دخلها المتنوعة.

كما فرضت الخزانة الأميركية قبل أسابيع عقوبات على 14 شخصا في الحركة، من بينهم قياديون، إلى جانب شبكة مكونة من 9 أشخاص يتعاونون معها على شراء الأسلحة وجمع الأموال، في خطوة تهدف إلى شل أنشطة الحركة ومصادر تمويلها.

ووفقا للخزانة الأميركية فإن مداخيل الحركة تبلغ نحو 100 مليون دولار سنويا، تجمعها من مصادر متعددة بما فيها الضرائب وابتزاز الشركات والتجار، مما يساهم في دعم مختلف أنشطتها الإرهابية.

حركة الشباب خسرت 30 في المئة من مداخيلها في الشهرين الماضيين، نتيجة العمليات العسكرية الجارية والإجراءات الحكومية

ونجاح مكافحة تجفيف المنابع المالية للإرهاب، وفقاً للمراقبين، مرهون بمدى مواصلة الحكومة الضغط العسكري على هذه الحركة، وهو ما سينعكس سلبا على قنوات نظامها المالي.

ومنذ إعلان الرئيس حسن شيخ محمود حربا ضد مسلحي “الشباب”، اتخذت الحكومة إلى جانب العمليات العسكرية إجراءات مالية صارمة لتجفيف منابع دخل الحركة ولتقويض نفوذها المالي الذي تنامى في السنوات العشر الماضية.

يقول المحلل السياسي عبدالنور ياسر لوكالة الأناضول “إن نجاح إستراتيجية الحرب الحكومية ضد ‘الشباب’ مرهون بمدى تفاعل محاورها الثلاثة العسكرية والفكرية والمالية”.

ويرى ياسر أنه لا يمكن تقويض نفوذ الحركة عسكريا وماليا على أرض الواقع ما لم تحرص الحكومة على حركية هذه المحاور الثلاثة، على الأقل في المرحلة الراهنة.

وكانت حركة الشباب قد أنشأت قنوات مالية متعددة الأطراف توفر لها دخلا كبيرا، وهو ما يحتم على الحكومة تتبع هذه القنوات وتجفيفها بدءا من جذورها. وهناك نوعان من المصادر التي تعتمدها الحركة لجمع الأموال؛ هما المصادر الظاهرة ونظيرتها الخفية.

تتمثل المصادر الظاهرة في فرض الضرائب وابتزاز التجار والشركات، وهذه المصادر يمكن للحكومة تجفيفها في أسرع وقت بتطبيق إجراءات متشددة ضد المتعاونين مع الحركة، مع مواصلة العمليات العسكرية، إلى جانب ضمان أمن المواطنين والحد من التهديدات الإرهابية التي تطال تجارتهم.

أما المصادر الخفية فهي عبارة عن استثمارات قام بها عناصر “الشباب” في شتى المجالات التجارية، وفقا للعديد من التقارير المحلية.

وهذا النوع الثاني من المصادر، بحسب المحلل الصومالي، لا يتأثر بالتدابير المالية الحالية التي اتخذتها الحكومة نظرا إلى غياب الأنظمة الحكومية لمراقبة التجارة والشركات المختلفة الصاعدة، ما يشكل مصدرا ماليا مستمرا للحركة رغم محدوديته.

وحذرت كل من وزارة المالية ووزارة الموانئ والنقل البري ووزارة التجارة والصناعة، التجار والشركات والمواطنين من التعاون مع مسلحي “الشباب”.

وفي الوقت نفسه هددت الوزارات الثلاث بسحب التراخيص من كل شركة يثبت تعاملها مع الإرهابيين. كما أعلنت الحكومة عن مراقبة جميع المعاملات المالية للمواطنين، بمن فيهم أولئك الذين يتوجهون إلى مناطق تواجد مسلحي “الشباب” لدفع الأموال.

هذه الخطوة، في حال تطبيقها، من شأنها أن تكبّد خزينة الحركة خسائر جسيمة قد تفقدها توازنها في المرحلة المقبلة.

وإلى جانب الحرب التي شُنّت على مصادر تمويل الحركة تواصل الحكومة عملياتها العسكرية ضد عناصر التنظيم للشهر الرابع، وذلك بالتعاون مع السكان، ما أجبر مقاتلي الحركة على الانسحاب من بلدات وقرى ذات أهمية إستراتيجية جنوب البلاد ووسطها.

وتقول ملكة عبدي، محللة أمنية في هيئة إدارة التنمية الصومالية “ميند” المستقلة والمعنية بالتنمية والمعلومات الأمنية، إن “العمليات العسكرية تشكل عاملا أساسيا في دحر الإرهاب عسكريا واقتصاديا، لأنه كلما تعرضت الحركة لضغط عسكري انعكس ذلك فورا على إيراداتها المالية”.

وتضيف عبدي أن المناطق التي خسرتها الحركة أمام العمليات العسكرية الحكومية كانت تشكل مصدر دخل لها، ما يؤثر سلبا على قدراتها المالية.

ويشار إلى أن الحركة تخصّص ربع ميزانيتها للعمليات العسكرية، وأن خسائرها المدوية أمام القوات الحكومية بالتعاون مع ميليشيات عشائرية مسلحة جعلتها تخسر مناطق إستراتيجية، وأبقتها في وضعية الدفاع، بينما كانت في السابق مُبادرة للهجوم على المراكز العسكرية للقوات المشتركة في البلاد.

حركة الشباب أنشأت قنوات مالية متعددة الأطراف توفر لها دخلا كبيرا، وهو ما يحتم على الحكومة تتبع هذه القنوات وتجفيفها بدءا من جذورها

وخسرت حركة الشباب منذ بدء العملية العسكرية الحكومية العشرات من القرى والبلدات، آخرها بلدة “مسجد علي جدود” التي كانت تشكل منطقة إستراتيجية بالنسبة إلى الحركة ونقطة عبور لمسلحيها بين إقليمي شبيلي الوسطى وشبيلي السفلى.

وبحسب دراسة أعدها معهد هيرال للدراسات الأمنية (مستقل) فإن حركة الشباب تمول عملياتها العسكرية بنحو 24 مليون دولار سنويا، بمعدل مليونيْ دولار في الشهر، بينما تنفق 1.8 مليون دولار على جلب المواد المتفجرة.

ويتوقع مراقبون أن تشدد العقوبات الأميركية الأخيرة المفروضة على شخصيات متعاونة مع الحركة الخناق على عمليات شراء الأسلحة للحركة، وأن تخلط أوراق هذه الشخصيات.

وبحسب تقديرات محلية خسرت حركة الشباب 30 في المئة من مداخيلها في الشهرين الماضيين، نتيجة العمليات العسكرية الجارية والإجراءات المالية الحكومية ضدها.

ويقول محمد نور، أستاذ الاقتصاد في إحدى الجامعات المحلية، “رغم صعوبة الحصول على نسبة مئوية رسمية فإنه من الواضح أن حركة الشباب خسرت مصادر مالية كبيرة نتيجة طردها من قرى وبلدات كانت تخضع لسيطرتها منذ بدء العملية العسكرية الحكومية”.

وتعتمد الحركة في جزء من تمويلها على ما يسمى الضرائب المفروضة على التجار والتنقلات بين القرى والبلدات التي تسيطر عليها، لكن استعادة الحكومة قرى وبلدات من قبضة الحركة أفقدتها الأموال المتأتية من هذه الضرائب.

العرب