طائرات “الدرون” نجمة الحرب الروسية – الأوكرانية

طائرات “الدرون” نجمة الحرب الروسية – الأوكرانية

لم يكن الصمود الأوكراني أمام جحافل الجيش الروسي مفاجأة 2022 للعالم ودوائر الاستخبارات ومراكز الدراسات العسكرية فحسب، بل للأوكرانيين أنفسهم، الذين ما إن ضربت موسكو عاصمتهم في أواخر فبراير (شباط) الماضي، حتى دب فيهم اليأس والشكوك حول قدرة جيشهم على التصدي لروسيا، إلا أن تلك المخاوف تحولت إلى آمال كبيرة بنصر يعيد كييف وأخواتها إلى وضعها الطبيعي، ويضع حداً لحالة الاستنفار وموجات الهجرة.

عن هذه المشاعر المتباينة التي عاشها الشعب الأوكراني العام الماضي. يقول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في خطابه ليلة رأس السنة الجديدة “لقد ذرفنا كل الدموع، وهتفنا بكل الصلوات”، إلا أنه وبغضون فترة وجيزة، استطاعت أوكرانيا بحسب رئيسها أن تتجاوز الذعر، وتتغلب عبر وحدة شعبها على “الشكوك واليأس والخوف”.

المسيرات نجمة الحرب

لكن الصمود الأوكراني كان نتيجة لعوامل إضافية أهمها الدعم العسكري غير المحدود الذي تلقته كييف من حلفائها الغربيين وتحديداً الولايات المتحدة، التي دعمت أوكرانيا بالسلاح والذخيرة حتى شارفت مخازنها العسكرية على النفاد.

وعند التأمل في طبيعة هذا الدعم، تبرز الطائرات المسيرة كأحد أهم الأسلحة التي صنعت الفارق في الحرب الروسية – الأوكرانية، بخاصة أن الطرفين استخدماها بكثافة. على رغم أن المسيرات لم ترجح كفة روسيا، فإنها أسهمت في تماسك الجيش الأوكراني، ومنحته بعض الأمل في مواجهة ثاني أقوى جيش في العالم.

كما يقول زيلينسكي عن عام 2022 بأنه “ضرب قلوب الأوكرانيين”، فإن “العصافير القاتلة” التي زودت بها الولايات المتحدة وتركيا كييف ضربت صورة الجيش الروسي، الذي وجد مواقع تابعة له مكشوفة لأسطول أوكراني من المسيرات المتطورة والمتنوعة ما بين أميركية وتركية الصنع.

وتأتي طائرات “كاميكازي” في طليعة المسيرات التي ساعدت الأوكرانيين على الحفاظ على مكتسباتهم العسكرية التي لم يتوقعها أكثر المتفائلين. وتتميز هذه المسيرات بقدرتها على التحليق في منطقة الهدف المحدد مسبقاً، وتضرب عندما يتم التعرف إلى العدو، ولذلك تعرف باسم “الذخيرة المتسكعة”. ويمكن إطلاق هذا النوع من الطائرات من دون طيار بسهولة من مسافات بعيدة، ويصعب اكتشافها لصغر حجمها.

وبعد أقل من سبعة أشهر من اندلاع الحرب زودت الولايات المتحدة أوكرانيا بمساعدات عسكرية بقيمة 13 مليار دولار، منها 700 طائرة من طراز “كاميكازي”. ويشير مراقبون إلى أن هذه المسيرات استخدمت لاستهداف قواعد روسية في شبه جزيرة القرم، وفي الهجوم على ميناء سيفاستوبول في شبه الجزيرة، الذي صدته الدفاعات الروسية في أواخر أكتوبر (تشرين الأول).

ووصف حاكم سيفاستوبول الموالي لروسيا ميخائيل رازفوجايف الهجوم بأنه “أكبر هجوم بطائرات مسيرة ومركبات سطحية موجهة من بعد على مياه خليج سيفاستوبول في تاريخ” الصراع، بحسب وكالة “تاس” الروسية.

في المقابل، ترجح مارينا ميرون، الباحثة في الدراسات الدفاعية في “كينغز كوليدج” في لندن استخدام الأوكرانيين مسيرات محلية الصنع، في هجمات مختلفة بعد تفخيخها بطريقة بدائية، وتدلل الباحثة على رأيها بصغر حجم التفجيرات التي تسببت بها الهجمات الأوكرانية.

مسيرات “بيرقدار”

ويتكون أسطول أوكرانيا الرئيس من الطائرات المسيرة من طائرات “بيرقدار” تركية الصنع، التي تمتاز بحملها كاميرات استطلاعية وقنابل موجهة بالليزر. على رغم أنه أشيد على نطاق واسع بهذا النوع من المسيرات في الأسابيع القليلة الأولى من الحرب، فإن من عيوبها حجمها الكبير مقارنة بمسيرات “كاميكازي”، وبطء حركتها، وسهولة إسقاطها عبر أنظمة الدفاع الجوي الروسية.

ومع ذلك، ساعدت الطائرات باختلاف أنواعها وأحجامها أوكرانيا في تحديد مواقع العدو، لاستهدافها بسرعة وفاعلية أكبر. ففي أبريل (نيسان) الماضي، كشفت تقارير عن استخدام كييف طائرة أميركية من طراز بوينغ “P8 Poseidon” للتجسس على سفينة “موسكفا”، أهم سفن روسيا الحربية في البحر الأسود، قبل إغراقها بصواريخ “نبتون” الأوكرانية.

وساعدت المسيرات أوكرانيا في التقليل من أضرار التفوق الروسي من حيث حجم الجيش وقدراته، فبدلاً من إرسال وحدات قتالية خاصة في مهام استطلاعية قد ينجم عنها سقوط قتلى، استخدمت أوكرانيا “الدرون” لكشف مواقع الجيش الروسي.

المسيرات الإيرانية

روسيا هي الأخرى وظفت طائراتها من نوع “أورلان-10” في مهام الاستطلاع، فبحسب جاك واتليكنغ الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أقدم مركز أبحاث متخصص بالشؤون العسكرية والأمنية في العالم، فإن هذه المسيرات ساعدت القوات الروسية على استهداف الخصم في غضون ثلاث إلى خمس دقائق من تحديد موقعه، وهي مدة أقل بكثير من الفترة التي تتطلبها الطرق التقليدية قبل تنفيذ الهجوم، والتي تتراوح بين 20 و30 دقيقة.

وبحسب الجيش الأوكراني، فإن روسيا تستخدم طائرات مسيرة هجومية إيرانية الصنع. وقال مسؤولون أميركيون لشبكة “سي أن أن” في أغسطس (آب) الماضي، إن روسيا اشترت مجموعة من طائرات “شاهد”، ودربت قواتها على استخدامها. ووفقاً للرئيس الأوكراني طلبت روسيا من طهران 2400 طائرة من دون طيار من طراز “شاهد -136”.

وتؤكد أوكرانيا بأن قواتها تمكنت للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول) الماضي من إسقاط طائرات “شاهد” إيرانية الصنع في منطقة خاركيف، وتوالت إعلانات مماثلة منذ ذلك الحين، لكن طهران نفت تزويد موسكو بالأسلحة. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” عن المتحدث باسم وزير الخارجية الإيراني ناصر كنعاني قوله “أعلنت إيران مراراً أنها ليست طرفاً في الحرب بين روسيا وأوكرانيا ولم ترسل أي أسلحة إلى أي من الجانبين”.

وفي حين كشف مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان عن عزم روسيا شراء مئات من الطائرات القتالية الإيرانية من دون طيار لاستخدامها في أوكرانيا، قال المسؤولون الأميركيون إن هناك “أدلة” على أن الطائرات الإيرانية من دون طيار “واجهت عديداً من الإخفاقات” في ساحة المعركة.

وذكرت نائبة وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشؤون السياسية، ساشا بيكر في سبتمبر الماضي بأن “الدرون” الإيرانية لم ترق إلى مستوى توقعات الروس، لافتة إلى أنه “لا توجد بيانات تثبت أن (المسيرات الإيرانية) تمثل قفزة تكنولوجية إلى الأمام”.

عوائق متنوعة

على رغم الميزات المتنوعة للطائرات العسكرية من دون طيار، فإن كلفتها باهظة، فمسيرة واحدة من طراز “بيرقدار تي بي 2” تكلف نحو مليوني دولار، ولذلك يستخدم كلا الجانبين، خصوصاً أوكرانيا، نماذج تجارية صغيرة، مثل “DJI Mavic 3″، والتي تكلف نحو 1700 جنيه استرليني.

ومن الأغراض الأساسية لهذه الطائرات التجارية من دون طيار تحديد مواقع قوات العدو، إلا أنها يمكن استخدامها لأهداف هجومية في حال تزويدها بقنابل صغيرة.

لكن لهذه الطائرات التجارية سلبيات منها أن إمكاناتها أقل بكثير من الطائرات العسكرية. على سبيل المثال، تبلغ مسافة الطيران الإجمالية لـ”DJI Mavic30″ كم فقط، ويمكن أن تطير فقط لمدة 46 دقيقة كحد أقصى.

كما يسهل لبعض التقنيات إسقاط الطائرات التجارية أو الحد من قدراتها على التحليق بسهولة، ومنها بندقية “ستوبور” الروسية التي تستطيع عرقلة قدرة الطائرات التجارية من دون طيار على التنقل باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، عبر النبضات الكهرومغناطيسية التي تطلقها البندقية.

واستخدمت القوات الروسية أيضاً أنظمة على الإنترنت، مثل “Aeroscope”، لاكتشاف وتعطيل الاتصالات بين الطائرات التجارية من دون طيار ومشغليها. ويمكن أن تتسبب هذه الأنظمة في تحطم طائرة من دون طيار أو إعادتها إلى القاعدة، ويمكن أن تمنعها من إرسال المعلومات.

لكن على رغم الفائدة المحدودة للمسيرات ضد الأهداف العسكرية التي تتطلب الدقة، فإن هجماتها منخفضة الكلفة المالية والبشرية قد تعود على الطرفين بمكاسب سياسية سريعة وسهلة لتغطية أي فشل عسكري، كما يمكن أن يكون لهجمات الطائرات من دون طيار تأثير كبير في السكان المدنيين، ففي وقت سابق، اتهم زيلينسكي موسكو باستخدامها لنشر الرعب بين المدنيين.