التحرك الإيراني في سوريا من الجنوب إلى الشرق يثير تكهنات حول أسبابه

التحرك الإيراني في سوريا من الجنوب إلى الشرق يثير تكهنات حول أسبابه

على رغم وجود جيوش أجنبية في الأرض السوريةقبل سنوات ماضية من عمر الصراع الأهلي الذي اندلع في عام 2011، يظل “فيلق القدس” الإيراني الأكثر إثارة للجدل بعدما حضر باكراً في ساحة الميدان بغية مناصرة النظام السوري.
ومنذ ذلك الوقت تحظى تحركات القوات الإيرانية والمجموعات المسلحة التابعة لها بحيز من الدراسة والبحث والمتابعة، بخلاف القوات الروسية التي تمركزت في قواعد بحرية وجوية معظمها غرباً بريفي طرطوس واللاذقية، إذ كان أكثر ما يهم موسكو هو الإطلالة على المياه الدافئة في البحر المتوسط. وذلك في حين تكتفي القوات الأميركية بالتموضع في شمال شرقي سوريا، قرب آبار النفط، إلى جانب قوات أوروبية ضمن إطار “التحالف الدولي”.
وشكل عام 2014 تحولاً في مسار الحرب السورية في أعقاب دخول الجماعات المتشددة على خط المواجهات، وعلى رأسها تنظيم “داعش”، الذي استولى على مساحات واسعة من البلاد، في حين كان النفوذ الإيراني يتنامى جنوباً وفي وسط سوريا، وأسهم بشكل كبير بالتعاون مع الروس في إعادة مدينة حلب إلى سيطرة النظام.

نفوذ ومصالح

منذ أكثر من عام، بدأت فصائل “الحرس الثوري” العاملة في سوريا تتجه شرقاً، فيما يجزم مراقبون بتأثير الغارات الجوية الإسرائيلية في المواقع الإيرانية المتناثرة بجنوب البلاد.
ويتضح ذلك مع تزايد وصول خبراء عسكريين إلى منطقة دير الزور بشكل متزايد، مع توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان يوم الجمعة 27 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحركات لافتة للعشرات من عناصر “حزب الله” والقوات الإيرانية من دمشق إلى شمال شرقي سوريا.
وأفاد المرصد بأنه تم نقل مجموعة من 125 شخصاً من المدربين الإيرانيين ومن “حزب الله” بطائرة “يوشين”، تزامناً مع وصول مجموعة من العناصر المحلية التابعة للميليشيات الإيرانية إلى مدينة البوكمال، في ريف دير الزور الشرقي قادمين من ريف حلب وحمص، يقدر عديدها بـ70 عنصراً، وستتلقى تدريبات في حقول ضمن المنطقة ذاتها، إضافة إلى حقول في ريف دير الزور الغربي.

خطوط ردع

وتتضارب تقديرات الأوساط السياسية المراقبة في دمشق للحراك الإيراني، فيروي أحد الآراء أنه توسع في قواعد الردع والدفاع في مناطق قريبة من الجزيرة السورية والحدود العراقية، كي لا تتفرد أميركا وحدها في هذا المكان، بينما بين رأي ثانٍ يرى أن الضربات العسكرية الموجعة التي لم تتوقف طوال أكثر من عام، أجبرت الإيرانيين على نقل العدة والعتاد إلى دير الزور وأريافها.

في المقابل، لا يتوانى سلاح الجو الأميركي وقوات “التحالف الدولي” عن تمشيط المناطق التي تفصل نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” عن الفصائل الإيرانية في الشمال الشرقي. وتفيد معلومات بتحليق أميركي مستمر لرصد أي تحرك إيراني في المنطقة يهدد مواقع القوات الأميركية، لا سيما قواعد آبار “كونيكو” للغاز في شرق سوريا.
ولا يستبعد متابعون وجود دور روسي خفي وعلني في إبعاد فصائل “حزب الله” و”فيلق القدس” عن مواقع بريف دمشق، ومطار العاصمة ومواقع في درعا والسويداء جنوباً إلى القنيطرة، ولعل ذلك يأتي بعد اتفاق تم التوصل إليه في عام 2018 بين الكرملين وتل أبيب، نتج عنه وعود بإبعاد القوات الإيرانية لمسافة 85 كيلومتراً. وأعلن، وقتها، المبعوث الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف عن ذلك الاتفاق مع نشر قوات روسية حرصاً على تنفيذه.
في المقابل، تحدثت تقارير استخباراتية أميركية عن نية طهران بناء قاعدة لنظام دفاع جوي تحتوي على صواريخ تعمل بالوقود الصلب منها “صياد بي 4” وصواريخ أرض – جو “باور 373” يتجاوز مداها 187 كيلومتراً، بينما زادت الغارات الإسرائيلية على مختلف المواقع التي هي في معظمها دفاعات جوية.

ويأتي كل ذلك مع توتر في العلاقات بين النظامين السوري والإيراني، ظل حبيس الدوائر السياسية والدبلوماسية، بعد تأخر طهران عن إرسال توريدات “الخط الائتماني” من واردات النفط، مما أدى إلى أزمة طاقة خانقة شعر بقسوتها السوريون خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) الماضيين، بعدما طلبت الحكومة الإيرانية مكاسب من قبيل إعطاء حقوق للإيرانيين تماثل حقوق المواطن السوري وسلسلة من مسودات الاتفاقيات التي دفعت دمشق إلى التريث، وإرجاء زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي مع مضاعفة أسعار النفط الوارد.
وبعدما طفت تسريبات التوتر بين دمشق وطهران لم يتوقف تبادل الزيارات السياسية بينهما، وكان آخرها زيارة وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان في 13 يناير (كانون الثاني) الحالي إلى سوريا، الأمر الذي عده سياسيون إثباتاً لحسن العلاقات بين البلدين، تزامناً مع تدفق ناقلات النفط إلى مصفاة بانياس.

في سياق متصل، كشف موقع تتبع السفن ورصد الملاحة البحرية عن توجه سفينة “أزارجون” الإيرانية في 27 يناير إلى منطقة قريبة من السواحل العمانية في طريقها إلى قناة السويس المصرية وباتجاه البحر المتوسط. ومن المرجح أن تصل إلى ميناء اللاذقية في وقت لم تحدده بعد، وهي رابع شحنة منذ مطلع العام الحالي سبقها وصول ناقلة نفط عملاقة في 23 يناير الحالي.
وأعلن وزير الخارجية السوري فيصل مقداد في لقاء مع نظيره الإيراني عن وقوف بلاده إلى جانب طهران “بمواجهة محاولات الضغط عليها، والتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية”، مديناً “مواقف الإدارة الأميركية والدول الغربية إزاء الملف النووي الإيراني”.

قلق واشنطن وتل أبيب

وترجح المعلومات الواردة من دير الزور أنه مع تنامي النفوذ الإيراني العسكري والميداني هناك منذ عام 2020، وهو أمر يقلق واشنطن وتل أبيب، فإن طهران ستجد موطئ قدم لها، بالتالي لن تتفرد الولايت المتحدة في هذه البقعة من الأرض التي وصلت إليها منذ عام 2015 لمكافحة تنظيم “داعش” على رأس تحالف دولي، وبالاشتراك مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
من جهة ثانية، يعتبر الناشط السياسي والحقوقي كاظم بركات أن “الانتشار الإيراني واضح، وهدفه تأمين طريق إيران، العراق، دمشق أو محور إيران – اللاذقية نحو المتوسط أو طريق إيران – العراق – لبنان، بالتالي تحقيق حلم لطالما راود الجمهورية الإيرانية بصناعة حلف سياسي واقتصادي بين تلك الدول”. وأضاف، “ليس لدى القوات الإيرانية المحاربة من خيار إلا الاتجاه نحو الحدود العراقية، كمنفذ بري وحيد متاح لها، فالتقديرات الأولية لعدد الخبراء والعناصر يفوق 10 آلاف يمكن أن ترتفع بحسب طبيعة العمليات الجديدة شرقاً، ويمكن نقل السلاح والعتاد للفصائل في لبنان وسوريا”.
وفي وقت لم يغب فيه عن تل أبيب هذا التوسع أو التراجع الإيراني نحو الشرق، فإنها باتت تدرك القوة الضاربة للحرس الثوري، ولذا اتهمت بتنفيذ غارات جوية استهدفت قافلة قرب الحدود السورية – العراقية أودت بحياة 10 أشخاص بينهم إيرانيون، وذلك أثناء نقل سلسلة شاحنات عبر سوريا قادمة من العراق عبر معبر القائم، تقل وقوداً إلى إيران، بينما قدرت معلومات أخرى نقل أسلحة في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 من دون أن تذكر أي جهة مسؤوليتها عن هذه الضربة.

اندبندت عربي