النظام السوري يتجاوز الدعم السياسي للجامعة العربية

النظام السوري يتجاوز الدعم السياسي للجامعة العربية

لم تظهر سوريا حرصا على تطبيق المقاربة العربية “خطوة مقابل خطوة” لتطوير العلاقات معها، إذ أن استعادة دمشق لمقعدها في جامعة الدول العربية لم تقنعها بتقديم تنازلات لحل الأزمة السورية، بل على العكس من ذلك زادت من تشددها.

القاهرة – تجاوز النظام السوري حاجته السياسية إلى الجامعة العربية منذ أن عاد إلى شغل مقعده فيها، وبات تركيزه على تطوير العلاقات الثنائية مع دولها يحتل أولوية لدى دمشق وفقا لحسابات المصالح المشتركة، حيث يريد الرئيس بشار الأسد صياغة منظومته الإقليمية بوسائل تمكنه من الاستمرار في الحكم دون تقديم تنازلات قاسية.

وجاء الاجتماع الأول للجنة الاتصال العربية بسوريا في القاهرة، الثلاثاء، ليعيد التذكير بأن هناك لجنة مشكلة من مصر والسعودية والأردن والعراق ولبنان بغطاء من الجامعة العربية مهمتها تطوير العلاقات مع دمشق وحل الأزمة سياسيا. ولم يكن لدى الاجتماع الذي ضم وزراء خارجية الدول الخمس القدرة للتذكير بمهمة اللجنة التي دشنت منذ ثلاثة أشهر أو تقديم جديد يؤكد وجود تطورات ملموسة على صعيد الهدف الذي أنشئت من أجله اللجنة والخاص بشروط تعزيز العلاقات مع دمشق.

وقفز وزراء الخارجية على هذه المهمة بإجراء مباحثات ثنائية وثلاثية على هامش اجتماع لجنة الاتصال ومناقشة قضايا ثنائية وإقليمية ودولية عديدة على أمل التغطية ليقينهم بعدم قدرتهم على تحقيق اختراق في الأزمة السورية، والتي تملك مفاتيحها الرئيسية قوى متعددة أظهرت اعتراضات وتحفظات على إعادة تأهيل دمشق.

والتقى وزير الخارجية المصري سامح شكري نظيره السوري فيصل المقداد، الثلاثاء، لتأكيد أن العلاقة بين القاهرة ودمشق تسير في طريق ثنائي منفصل ولها أجندة خاصة بتطويرها، وأن المساحات المشتركة بينهما تؤهل لعدم الوقوف عند عقبات يمكن أن يتعرض لها العمل الجماعي في إطار منظومة الجامعة العربية واللجنة المنبثقة عنها.

واستخدم شكري عبارات مطاطة في اجتماعه مع المقداد لكي لا تبدو زيارة الأخير لإجراء محادثات مع القاهرة وليس ضمن التباحث مع أعضاء اللجنة التي أشار شكري إلى حرصها على استكمال المهمة المنوطة بها للمساعدة في حل الأزمة السورية التي طال أمدها وتقديم يد العون للشعب السوري لتجاوز محنته والحفاظ على وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية.

وبحث وزير الخارجية المصري مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان العلاقات بين القاهرة والرياض، والأوضاع في كل من السودان وليبيا واليمن وسوريا، كما بحث وزير الخارجية السعودي مع المقداد جملة من القضايا المشتركة.

وكشفت اللقاءات التي عقدت على هامش اجتماع اللجنة بالقاهرة عن أهميتها أكثر من أعمال اللجنة نفسها التي كرر بيانها الختامي ما جاء في أجندتها بصيغة مختلفة.

وعقد شكري أيضا اجتماعاً مع وزيري خارجية الأردن أيمن الصفدي والعراق فؤاد حسين على هامش اجتماع لجنة الاتصال العربية في إطار آلية تعاون تجمع الدول الثلاث، وتشكل منصة للتشاور بشأن قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.

ووضعت اللجنة مجموعة من الخطوط العريضة لبعض القضايا وتفعيل عملها من خلال وقف تهريب المخدرات وحبوب الكبتاغون، وعودة اللاجئين السوريين، وإيجاد حل سياسي للأزمة بين النظام الحاكم والمعارضة السورية.

وقال الأسد في حوار مع قناة “سكاي نيوز عربية” إن العلاقة مع الدول العربية “ستبقى شكلية، والجامعة العربية لم تتحول إلى مؤسسة بالمعنى الحقيقي”، لافتا إلى أن المعارضة التي يعترف بها هي المعارضة “المصنّعة محليا لا المصنعة خارجيا”. وتظهر هذه النوعية من التقديرات المدى الذي يمكن أن تذهب إليه اللجنة لاحقا وطبيعة العراقيل التي تضعها دمشق أمامها في ظل نظرة لا تمنحها القدر الكافي من التقدير.

وذكر عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أحمد فؤاد أنور لـ”العرب” أن “الرؤية السورية تجاوزت أهم عقبة، وهي العودة إلى الجامعة العربية، وما تبقى يندرج في إطار التفاصيل، ويخضع لتقديرات كل دولة على حدة، وفي المجمل هناك ترحيب من دول عربية رئيسية بالتعامل مع دمشق، وفكرة التأهيل والتطوير والتسوية السياسية ومنح مساحة للمعارضة كلها مفردات من قبيل تسكين الجهات التي اعترضت على عودة سوريا، وطالما الخطوة الكبيرة (العودة) حسمت، فالتفاصيل مقدور عليها”.

وأضاف أن النظام السوري خرج من الحرب متماسكا ولديه حلفاء إقليميون ودوليون، والأسد الذي صمد أكثر من عشر سنوات في وجه عواصف عديدة لن يأبه بتصريحات في معظمها للاستهلاك السياسي، والخطورة أن شعوره بالقوة ربما يدفعه إلى التشدد في التعاطي مع عمل لجنة الاتصال، الأمر الذي كشفته تصريحاته الأخيرة.

ولفت أنور إلى أن معادلة سوريا في المنظومة العربية يجب النظر إليها في سياق ما يتشكل الآن في المنطقة من توازنات تشارك فيها قوى كبرى، ومراعاة حجم التهديدات التي تتعرض لها دمشق من إسرائيل، وربما تركيا التي يبدو عليها التردد في تطوير علاقاتها، كل ذلك جعل اللقاءات الثنائية والثلاثية التي عقدت على هامش اجتماع لجنة الاتصال في القاهرة خيارا منطقيا يجنّب الدول التي لا تريد الضغط على سوريا حرجا سياسيا.

◙ معادلة سوريا في المنظومة العربية يجب النظر إليها في سياق ما يتشكل الآن في المنطقة من توازنات تشارك فيها قوى كبرى

وتشكلت لجنة الاتصال العربية بقرار من القمة العربية الأخيرة في الرياض في مايو الماضي على أمل تهيئة الأجواء السياسية لاستيعاب النظام السوري من قبل الدول التي أبدت تحفظها على عودة دمشق إلى الجامعة، والتأكيد للمجتمع الدولي وقوى كبرى فيه على أهمية تفكيك التعقيدات التي لا تزال تحيط بالأزمة السورية.

وتقف عملية تعزيز العلاقات بين دمشق وطهران حائلا دون تطوير بعض الدول العربية علاقاتها مع النظام السوري، خاصة أن الأسد يبدي حرصا على استمرارها.

ولم تظهر سوريا حرصا على تطبيق المقاربة العربية “خطوة مقابل خطوة” لتطوير العلاقات مع دمشق، وأوحت تصريحات للمقداد أخيرا بعدم الالتزام بها، حيث أشار إلى أن بلاده “سارت مئات الخطوات في ما يتعلق بما هو مطلوب، ولم تتلق أي خطوة من الأطراف الأخرى”.

وأوكلت لجنة الاتصال لوزير خارجية الأردن متابعة الأمور مع النظام السوري، حيث قام بزيارة إلى دمشق في الثالث من يوليو الماضي التقى خلالها الرئيس الأسد للتذكير بأهمية اتخاذ خطوات إيجابية لتسهيل عمل اللجنة.

وأوضح الصفدي في حينه أن “الدول العربية اتفقت على خارطة طريق للتقدم والتدرج نحو حل الأزمة السورية ومعالجة تبعاتها (..) وأن كل الأمور لن تحل بين يوم وليلة (..) بدأنا مسارا عربيا جادا يستهدف حل الأزمة السورية وفق مقاربة خطوة مقابل خطوة التي تنسجم مع قرار مجلس الأمن رقم 2254”.

وكشفت الفترة الزمنية الفاصلة بين تشكيل اللجنة وحتى التئام اجتماعها الأول في القاهرة عن سريان مياه كثيرة في عملية تشكيل العلاقات مع دمشق بعيدا عن مظلة الجامعة العربية، ويمكن أن تؤدي إلى تحولات في المعاني التي انطلقت منها، حيث تحاول بعض الدول العربية توظيف العلاقة مع النظام السوري ضمن رؤاها وأدوارها وطموحاتها الإقليمية.

العرب