لماذا رسمت أميركا “طريق التوابل”؟

لماذا رسمت أميركا “طريق التوابل”؟

ركزت القمة الـ18 لرؤساء دول وحكومات مجموعة العشرين، والتي عقدت في نيودلهي بين 9 و11 سبتمبر/ أيلول الحالي في نيودلهي، على أن المجموعة، تحت الرئاسة الهندية، تتبنى شعار أن العالم هو “أرض واحدة، عائلة واحدة، ومستقبل واحد”.

وإذا كانت الحرب الأوكرانية وعدم إدانة روسيا في البيان الختامي قد نالا حيزاً واسعاً من النقاشات في القمة، وعلى هامشها، بعدما دعت القمة “جميع الدول إلى التمسك بمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك سلامة الأراضي والسيادة، والقانون الإنساني الدولي، والنظام متعدد الأطراف الذي يحمي السلام والاستقرار”، إلى جانب حث “الدول على تجنب استخدام القوة للاستيلاء على الأراضي واحتلالها”، فإن نتائج القمة الاقتصادية تبقى الأكثر أهمية، خصوصاً للولايات المتحدة.

“عائلة واحدة” تغيب عنها الصين وتحضر أميركا
وحسبما ورد في إعلان قادة المجموعة، فإن بناء علاقات تعاونية اقتصادية هو قيمة أساسية. إلا أن غياب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن حضور القمة شكل تحدياً كبيراً لشعار “أرض واحدة، عائلة واحدة، ومستقبل واحد”، وأدى لطرح العديد من التساؤلات.

ونقلت وكالة “رويترز”، في 9 سبتمبر الحالي، عن مسؤول أميركي قوله إن “الصين وحدها هي القادرة على تفسير سبب غياب الرئيس شي جين بينغ عن القمة السنوية لمجموعة العشرين في نيودلهي”.

شاشوات كومار: مشروع طريق التوابل ينافس مبادرة الحزام والطريق الصينية

وجاء غياب الرئيس الصيني عن القمة بالتزامن مع محاولات بكين تعزيز دورها السياسي والاقتصادي في دول عديدة، في سياق معركة نفوذ وهيمنة مع الولايات المتحدة على ساحة النظام العالمي، وفي ظل محاولة الهند الظهور بمظهر اللاعب الدولي الفاعل.

وأشارت مجلة “تايم” الأميركية، في تقرير الأحد الماضي، إلى أن “القرار الذي اتخذه شي بالابتعاد عن قمة مجموعة العشرين كان المقصود منه حرمان الهند من هذه اللحظة السياسية، في حين تُصمِّم الولايات المتحدة عصراً جديداً من التواصل مع العالم، عن طريق الهند عبر إعلان طريق التوابل”.

“طريق التوابل”: عصر جديد من الاتصال
وذكر موقع شبكة “سي إن إن” الأميركية، الاثنين الماضي، أن “الرئيس الأميركي جو بايدن، أعلن، إلى جانب زعماء الهند والسعودية والإمارات، إطلاق طريق تجاري جديد يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا عبر السكك الحديدية والموانئ (سُمي بطريق التوابل)، فيما أعلن البيت الأبيض، في بيان أخيراً، أن “المشروع سيكون إيذاناً ببدء عصر جديد من الاتصال”.

تقارير دولية
صراع الممرات إلى أوروبا يحتدم بين الصين والهند.. ما دور واشنطن؟
وقال شاشوات كومار، رئيس دراسات السياسة الهندية الأميركية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، لـ”العربي الجديد”، إن “ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا يجمع بعضاً من أكبر الاقتصاديات المتقدمة والناشئة في مجموعة العشرين معاً، أي الولايات المتحدة والهند والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا”.

وأضاف: “عند النظر إلى مشروع البنية التحتية الجديد هذا (طريق التوابل)، جنباً إلى جنب مع مبادرة I2U2 (الهند وإسرائيل والإمارات وأميركا)، فإن هناك تعزيزاً للتواصل بين أوروبا وآسيا.”

واعتبر كومار أن “مشروع البنية التحتية هذا ينافس مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتي تبشر في نهاية المطاف بأخبار جيدة للاقتصاديات الناشئة، حيث ستتدفق الأموال من صناديق الثروة السيادية في الاقتصاديات المتقدمة لبناء البنية التحتية في الاقتصاديات الناشئة”، مشيراً إلى أنه “من الممكن توسيع هذا المشروع في المستقبل لربط أفريقيا وجنوب شرق آسيا”.

وبعد أيام من انقضائها، ثمة تساؤلات عن مخرجات اجتماع مجموعة العشرين، ولا سيما فيما يخص الحرب في أوكرانيا وعن دور السياسة الخارجية الأميركية في دول الجنوب العالمي. وقال كومار إنه “يمكن رؤية نجاح السياسة الدولية الأميركية تجاه الاقتصاد العالمي من وجهتي نظر، الأولى، الحفاظ على أمن الطاقة، والأخرى، المصلحة الجيوسياسية في الحفاظ على العلاقات السلمية والودية بين الدول الآسيوية والأوروبية. إذاً يبدو أن الولايات المتحدة تبنت عن قصد موقفاً ليناً فيما يخص الحرب الروسية الأوكرانية”.

ارتباط قوي بين “طريق التوابل” وسوق الطاقة
وحول ارتباطات مخرجات اجتماع مجموعة العشرين بسوق الطاقة العالمي، قال كومار: “ثمة ارتباط قوي بين طريق التوابل وسوق الطاقة العالمي”، لافتاً إلى أن “مشروع طريق التوابل يجمع كبار مصدري ومستوردي النفط والغاز في العالم تحت سقف واحد”.

وقال رئيس قسم الاقتصاد في جامعة ولاية كينيساو الأميركية أنيرودا باجي، لـ”العربي الجديد”، إن “ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) يهدف إلى تحقيق التكامل الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”.

ورأى باجي أن مخرجات قمة العشرين لا تمثل نجاحاً للسياسة الخارجية الأميركية فحسب، بل إن “الفوائد المحتملة من هذا المشروع هي زيادة التدفقات التجارية والاستثمارية، وخلق فرص عمل وأعمال جديدة، مثل النقل والخدمات اللوجستية والتصنيع والسياحة، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، من خلال تمكين الأعمال من اتخاذ خيارات موقعية أفضل، وتحسين أمن الطاقة من خلال تحسين بنيتها التحتية”.

وأشار إلى أن الفوائد التي ستحصل عليها الدول المشاركة في مشروع “الحزام والطريق” مشروطة، موضحاً أنه “لتحقيق ذلك، فإن هناك حاجة إلى القيام بعدة خطوات: أولاً، تحتاج البلدان المشاركة في المبادرة إلى الاستثمار في تحسين البنية التحتية للنقل. وثانياً، يتعين عليها خفض الحواجز التجارية. وأخيراً، عليها تحرير القيود المفروضة على التأشيرات، حتى يصبح من السهل التنقل عبر بلدان مختلفة، أو حتى العمل فيها. وإذا تم تنفيذ الخطط بشكل جيد، فمن المرجح أن تنمو المنطقة بأكملها بشكل سريع في المستقبل”.

“طريق التوابل” مشروع توازن أمني
وفيما إذا كان مشروع “طريق التوابل” يمثل تكاملاً أم تنافساً أميركياً مع الصين، أكد أستاذ إدارة الصراعات الدولية في جامعة ولاية كينيساو جوفيد هارهاران، لـ”العربي الجديد”، أن “هذا المشروع هو مشروع توازن أمني، ورد على مبادرة الحزام والطريق الصينية. وأضاف: “أعربت الهند وأميركا عبره عن اعتراضات قوية على ذلك (الحزام والطريق) من وجهة نظر أمنية”.

وكانت بكين أطلقت “مبادرة الحزام والطريق” في العام 2013، باعتبارها خطة استراتيجية عالمية لتطوير البنية التحتية، وتحقيق ترابط تجاري واقتصادي، في أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية.

سياسة تنافس تحت شعار “وحدة وتعاون”
واعتبر هارهاران أنه “يجب أن تكون خلفية النقاش هي مشروع الحزام والطريق الطموح الذي بدأته الصين في 2013، بهدف معلن يتمثل في ربط الصين والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، براً وبحراً”. وأضاف: “وفقاً لمجلس العلاقات الخارجية، الذي يعتبر بمثابة مركز تفكير أميركي يختص بدراسة الشؤون الخارجية، فقد أنفقت الصين بالفعل أكثر من تريليون دولار على هذا الأمر”.

جوفيد هارهاران: “طريق التوابل” مشروع توازن أمني

وتابع: “من وجهة نظري، يحاول مشروع البنية التحتية لمجموعة العشرين الحالي موازنة هذا القلق، من جهة توفير وسيلة بديلة لتعزيز فرص النمو والتوظيف والاتصال للمشاركين (في المشروع)، بما في ذلك الهند. يبقى أن هناك أسئلة كثيرة حول كيف سيتم إنشاء هذا المشروع وتمويله؟”.

ويبدو أن هاجس الأمن ليس هامشياً، إذ يبقى بُعداً أصيلاً في واقعية العلاقات الدولية، ولا سيما الأميركية. وأشارت “تايم”، الأحد الماضي، إلى أن “رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، توصل، جنباً إلى جنب، مع الولايات المتحدة وأوروبا، إلى كيفية مواجهة الصين على نحو أكثر فعالية على المسرح العالمي”.

وذكرت المجلة أن “بايدن رأى في الهند أفضل أمل لإدارته في عزل الصين وروسيا، وتوفير دفعة معززة للنظام العالمي، الذي تقوده الولايات المتحدة. وأظهرت النتيجة أن واشنطن تتعلم أخيراً لغة ما يسمى بالجنوب العالمي، حيث تعتبر الهند مرشدها الرئيسي”.

في المقابل، أشارت صحيفة “إندبندنت” البريطانية، أمس الأول الثلاثاء، إلى أن روسيا خرجت منتصرة من قمة العشرين، موضحة أن “إعلان مجموعة العشرين، المكون من 79 فقرة، تجنب توجيه أي انتقاد مباشر لروسيا بسبب حربها ضد أوكرانيا”.