ليسوا جميعًا يؤمنون بأن قتل الأطفال فضيلة

ليسوا جميعًا يؤمنون بأن قتل الأطفال فضيلة

فيما كانت الدول الغربيّة تمعن في دعمها إسرائيلَ وجرائمها الوحشية في غزة، متجاهلةً كل القيم والمشاعر والمبادئ الإنسانية، كانت الجماهير في الوقت ذاته تملأ شوارع العواصم والمدن الغربية؛ احتجاجًا على سياسات إسرائيل ودعم حكامها لها. هذا الاحتجاج الضميري كان يزداد حيويةً مع كل يوم يمرّ.

في صورة مشابهة، هناك يهود دعموا بفرح وحماسة دينية هذا العدوان القاتل الذي استهدف حتى الأطفال الرضع، ولكن كان في مقابلهم يهود آخرون انتفضوا باسم اليهودية ضد هذا العدوان الذي يعتبرونه انتهاكًا لأسس دينهم.

هما صورتان تبدوان على النقيض، وطريقتان في فهم الديانة، الغالبة منها يتصدرها نتنياهو وحلفاؤه الذين دمروا البيوت على مَن فيها من أطفال وعائلات، ودمروا المستشفيات والمدارس والمساجد بوحشية، تستند إلى أساطير دينية، ووراءَهم صهاينة يهود كانت حماستهم تزداد كلما سال الدم، ويتعهّدون بمحو جذور الفلسطينيين بالكامل حتى الأطفال في المهد؛ زعمًا أن دينهم يأمرهم بذلك.

في بداية الحرب، قالَ وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت: “نحن نحارب الحيوانات في غزة”، ورغم أن “أبا عبيدة”- المتحدث باسم كتائب القسام الأسطورية- أحسن الرد عليه قائلًا: “نعم، أنتم ذئاب تقاتلون أسودًا”، إلا أن ما قاله غالانت لم يكن جديدًا، فقبله قال الحاخام عوفاديا يوسف: “غير اليهود هم بحكم الحيوانات”

هل علينا إذن أن نناقش ما تقوله ديانتهم حقًا ونعطيهم درسًا فيها؟

عندما يتعلق الأمر بالدين، ستظل هناك، دائمًا، اختلافات في الفهم والتفسير. فالمعنى الديني لا يحدّده النص وحده. بل ينبغي معرفة كيف فهم الناس هذا النص في وقت وسياق معينين، وكيف أثر ذلك على تصرفاتهم. اليوم، هناك أشخاص يفهمون اليهودية بهذه الطريقة العنيفة الوحشية، وآخرون يفهمونها بطرق مختلفة، تمامًا مثلما كان الأمر زمن تنزّل القرآن الكريم.

ولذلك فإن القرآن لم يعمم الحكم عليهم، وعندما كان يذكر شرارهم كان يستثني آخرين منهم، مشيرًا إلى الخير فيهم، وفاتحًا بابًا للرحمة. من أمثلة ذلك الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62]، وفي آية أخرى قال تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون} [آل عمران:113].

إعلان
ولذلك، فالعنف اليهودي- الذي تعرض له المسلمون، وجميع البشر اليوم- لا يمثل بالضرورة جميع اليهود، ولكن هؤلاء الذين مارسوه استندوا إلى الدين بشكل واضح. فهل يستند النصارى الذين دعموا وحشية هؤلاء إلى نصوص دينية لديهم أيضًا؟ قد نرسل إلى هؤلاء وأولئك بعض علماء اللاهوت والتاريخ من جانبنا، لعلهم يقنعونهم بأن نصوص دياناتهم، تاريخية، وأنها لا تأمر بقتل البشر اليوم.

وهذا هو المفهوم من كلام النبي- محمد صلى الله عليه وسلم- في زمانه بأن اليهود والنصارى من معاصريه انقطعت صلتهم بدياناتهم الأصلية، وإنهم أساؤوا فهمها.

وقد وجَّه القرآن الكريم انتقادات شديدة لما أدخلوه من تحريفات عليها. وما نؤمن به نحن المسلمين اليوم هو أن كثيرًا من اليهود والنصارى الذين نعاصرهم يفهمون دياناتهم بشكل مختلف عن مقاصدها الأصلية، وأن القرآن كتاب المسلمين، يحمل الرسالة الأساسية نفسها التي حملتها التوراة والإنجيل لأتباعهما، وأن أيًا من هذه الديانات لم يعطِ أتباعَه تمييزًا عن بقية البشر، وإنما حمّلهم تكليفًا لإقامة مبادئ الله التي تتضمن العدالة والرحمة والسلام بين البشر.

في بداية الحرب، قالَ وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت: “نحن نحارب الحيوانات في غزة”، ورغم أن “أبا عبيدة”- المتحدث باسم كتائب القسام الأسطورية- أحسن الرد عليه قائلًا: “نعم، أنتم ذئاب تقاتلون أسودًا”، إلا أن ما قاله غالانت لم يكن جديدًا، فقبله قال الحاخام عوفاديا يوسف: “غير اليهود هم بحكم الحيوانات”.

هذا الشعور بالتفوق العنصري له جذور عميقة في اللاهوت اليهودي، لم يتمكن حتى الفيلسوف الأخلاقي الشهير إيمانويل ليفيناس من التخلص منه.

إعلان
في مقابلة أجريناها مع ذلك الفيلسوف في العدد العشرين من مجلة “التذكير” (في العام 2000)، لفت انتباهنا اللامبالاة المذهلة التي أظهرها عندما سُئل عن كيفية تطبيق فهمه للأخلاق تجاه الآخر على الفلسطينيين الذين تعرّضوا لمجازر “صبرا وشاتيلا. لم يكن موقفه اللامبالي يختلف كثيرًا عن موقف الحاخام الذي يرى غير اليهود بمثابة حيوانات.

معلقًا على تصريحات غالانت ويوسف وأمثالهما، كتب الدكتور إرول غوكا- الطبيب النفسي والفيلسوف التركي القدير، في مشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي-: إنَّ “أهم ما كشفت عنه المحرقة الوحشية في فلسطين هو اعتقاد بعض السياسيين ورجال الدين اليهود أن لديهم الحق في تحديد من يعتبر إنسانًا ومن لا يعتبر. إذا كان كذلك حقًا، فيجب أن نعرف من أين جاء هذا الحق ولماذا يعتقدون به، لتستنير البشرية”.

تحتوي التوراة على وصايا تقول: “لا تقتل، لا تكذب، لا تسرق، لا تأكل الربا، لا تزنِ”، لكن بعضًا من هؤلاء يقتلون ويكذبون ويأكلون الربا بشكل مكثّف، بل ويفعلونه بدافع ديني.. فما الذي يدفعهم لذلك؟ القرآن يجيب عنهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (آل عمران، 75)؛ أي أنهم يعتقدون ألا مسؤولية أخلاقية عليهم تجاه الأمم الأخرى. الجرائم ضدهم ليست جرائم. والوصايا العشر تنطبق فقط عليهم فيما بينهم. وهم بذلك يحرّفون كلام الله عن مواضعه ومعانيه ويكذبون على الله تعالى وباسمه.

ولكن ما نحتاج أن ننتبه له في المشهد الحالي، هم أولئك اليهود والنصارى الذين يرفضون ذلك التفسير المنحرف لدياناتهم فتستباح باسمها الجرائم ضدّ الإنسانية والمذابح وقتل النساء والأطفال، وقد رأينا هؤلاء ينتفضون علنًا وترتفع أصواتهم الرافضة حتى علت على بعض الدول الإسلامية.

تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- بعد عودته من العاصمة السعودية- بأنه: “لن نسمح بتحول هذا إلى حرب صليبية”، هو موقفٌ صحي للغاية ضد المنهج التعميمي في التعامل مع الآخرين، وتحذيرٌ من خطره، على الرغم من أن أولئك الذين شنوا تلك الحرب أو دعموها، كانوا يتصرفون حقًا بمشاعر ودوافع صليبية.