حملة على السوريين تهدد بانفجار أزمات اللاجئين في مصر

حملة على السوريين تهدد بانفجار أزمات اللاجئين في مصر

القاهرة – انتشرت حملة تنادي بمقاطعة المنتجات التي تقدمها محلات أطعمة سورية، ووصلت إلى حد المطالبة بترحيل السوريين دون أن يكون هناك سبب مقنع يدفع إلى ذلك، ما يشي بوجود جهات خفية تعمل على تفجير أزمات اللاجئين في مصر. ويأتي ذلك بينما يقول محللون إن البعد الاقتصادي لهذه الحملة حاضر بقوة في ظل غياب دعم دولي للاجئين في مصر.

وتصدر وسم “مقاطعة محلات السوريين” بشكل مفاجئ موقع التغريدات إكس في مصر، وجرت الاستعانة بمقطع فيديو بثه أحد السوريين قدم فيه اقتراحا للحكومة يقضي بنقل السوريين الموجودين في مصر إلى قرب مثلث حلايب المتنازع عليه بين مصر والسودان، دون معرفة ما إذا كان الفيديو بُث حديثا أم أعيد ترويجه لإثارة المغردين.

وإذا كان السبب هو حالة الغضب جراء الفيديو، فإن الوسم الذي انتشر على نطاق واسع وطالب بمقاطعة مطاعم السوريين بحجة وجود أغذية فاسدة يقدمونها أمر لا يتعلق بالغضب من فيديو بثه أحد الأشخاص بين الملايين من الفيديوهات التي تُنشر على المنصات الرقمية يوميًا، ما يشي بوجود جهة مّا لها مصلحة في إثارة احتقان يتغذى على أوضاع اقتصادية صعبة في مصر وعزْو أسبابها إلى المهاجرين واللاجئين.

ويستبعد متابعون أن تكون الحملة التي وجدت صدى واسعا على منصات التواصل ذات علاقة بسياسات القاهرة تجاه اللاجئين، في ظل مساعيها لتقنين أوضاعهم على أرضها مؤخرا دون حديث عن ترحيلهم، بل تحاول الاستفادة من الأجانب بشكل عام ضمن خططها لجذب الاستثمارات.

وأدخلت القاهرة تعديلات على قانون تملك الأجانب في الأراضي الصحراوية، وتنوي معاملة الجنسيات العربية كما تعامل المصريين في المشروعات المقامة على هذه الأراضي، وليس من مصلحتها معاداة السوريين وهم أكثر الجاليات العربية مساهمة في الاقتصاد.

لكن توالي حملات الاستهداف التي يتعرض لها سوريون قد يفضي إلى مشكلات تجابه اللاجئين وتؤدي إلى زيادة معدلات الكراهية ضد المهاجرين عموما، وربما يتخذ ذلك منحى تصاعديا وسط أزمات اقتصادية حادة تعاني منها شريحة كبيرة من المواطنين.

ويقدر إجمالي عدد المهاجرين على الأراضي المصرية بـ9 ملايين لاجئ ومهاجر، من بينهم نحو 4 ملايين سوداني و1.5 مليون سوري ومليون يمني ومليون ليبي، وتشكل الجنسيات الأربع 80 في المئة من المهاجرين المقيمين في مصر.

وقال رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية لدعم اللاجئين (حقوقية) أحمد بدوي إن ما يحدث على مواقع التواصل يعبر عن “هيجان شعبي بهدف إثارة المصريين ضد أشقائهم السوريين، لكنه لا يعبر عن موقف رسمي من اللاجئين، ولا يتماشى مع سبل إدارة الدولة للأزمات التي تنتج عن وجود عدد هائل من المهاجرين، لأن جهودها تقتصر على محاولات تحسين أوضاعهم مع إدراكها معاناتهم المستمرة وتأثرهم بما يتعرض له الاقتصاد المصري من أزمات”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “طبيعة الشعب المصري الذي يتأثر بالشعارات والأحاديث العاطفية هي الأخطر في هذه الأزمة، وقد ينتج عنها انجراف قطاعات نحو توجيه انتقادات للمقيمين في مصر وتحميلهم مسؤولية الأزمات المعيشية”، وتابع “البسطاء يتأثرون باللغة العدائية التي تظهر في بعض التعليقات، وهو ما يفرض على الحكومة المصرية التعامل بشكل أكثر حنكة بما يمنع من تمدد المشكلة”.

وأشار إلى أن البعد الاقتصادي حاضر بقوة في هذه المشكلة، مع عدم وجود دعم دولي حقيقي يضمن قدرة الحكومة على الالتزام بتلبية احتياجات اللاجئين، مردفا أن ما يجري تداوله من أنباء حول توجيه عشرة مليارات دولار لمعالجة الضغوط القوية على الاقتصاد -بما يدعم قيام القاهرة بدورها في استضافة المهاجرين- لم يتحقق حتى الآن.

ويربط البعض من المتابعين بين وجود هذه الحملات وبين استعداد القاهرة لاتخاذ إجراءات جديدة تتعلق بتقنين أوضاع المهاجرين على أراضيها، فشهر يونيو الماضي كان شاهدا على حملة أقل حدة طالبت بإعادة النظر في آلية التعامل مع اللاجئين، خاصة من الجنسيتين السورية والسودانية، ووصل الأمر إلى حد المطالبة برفض استقبالهم وتجنيسهم، كما اعتبر آخرون أن وجودهم يشكل خطرا كبيرا على التركيبة السكانية.

وصدر قانون بشأن لجوء الأجانب نص على “أن يلتزم اللاجئون وطالبو اللجوء بتوفيق أوضاعهم طبقًا لأحكامه خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية”. ورغم أن اللائحة التنفيذية لم تصدر بعد أكثر من ستة أشهر على صدور القانون مضت القاهرة في اتجاه ضبط مسألة دخول اللاجئين أراضيها وعمدت إلى تفعيل إجراءات سلامة من دخلوا البلاد بلا أوراق ثبوتية أو بطرق غير شرعية.

◙ البعض من المتابعين يربطون بين وجود هذه الحملات وبين استعداد القاهرة لاتخاذ إجراءات جديدة تتعلق بتقنين أوضاع المهاجرين على أراضيها

وأكد مقرر لجنة حقوق الإنسان في الحوار الوطني الناشط الحقوقي أحمد راغب أن الخطابات العنصرية وحملات الكراهية ضد اللاجئين في أي مكان بالعالم لها أبعاد دينية أو قومية أو اقتصادية، والبعد الأخير تنطلق منه الحملات الحالية في مصر ضد السوريين، ولدى أغلبهم وضع قانوني سليم، وهناك امتزاج خاص بينهم وبين المصريين، ما يجعل الحملة الأخيرة شكلية ولن يكون لها تأثير على أرض الواقع.

وذكر في تصريح لـ”العرب” أن “مصر على مدار تاريخها استوعبت الكثير من الجنسيات والثقافات المختلفة، وتبقى أقوى من مجرد تريندات، ولا يعبر ذلك عن رفض مجتمعي واسع لوجود اللاجئين، كما أن مطاعم السوريين لم تتأثر بالحملة التي انطلقت على مواقع التواصل قبل أيام، مع أن الكراهية أو العنصرية ليستا سمتيْن في سلوكيات المصريين، والغضب على فئة أو جنسية معينة ليس أمرا سهل الحدوث”.

وقلل راغب من إمكانية دعم الحكومة للتوجهات الرافضة لوجود السوريين، لأنها في هذه الحالة ستتخذ بعدا تنفيذيا، يظهر في شكل قرارات تدعم ترحيل اللاجئين أو التضييق عليهم، وهو ما لم يحدث بعد، معتبرا أن التصعيد الأخير لم تتوقف عنده مواقع وصحف حكومية، وبقيت المسألة مجرد تفاعلات غير معروف من يحركها، كما أن تحميل اللاجئين مسؤولية بعض الأزمات، مثل اختفاء السكر وشح الدولار، يعبر عن مساع لتعليق شماعة الفشل على آخرين بلا دليل.

ويعود تخوف بعض الجهات الحكومية من تزايد أعداد اللاجئين في مصر إلى أبعاد أمنية نتيجة لجوء البعض إلى الإقامة في أحياء ومناطق تتركز فيها أعداد كبيرة من جنسيات معينة، وهو ما يعتبره خبراء خطرا اجتماعيّا وإنسانيّا وأمنيّا. يضاف إلى ذلك أن توافد أعداد كبيرة من اللاجئين المنحدرين من دول تعاني صراعات يدعم المخاوف التي تكون بحاجة إلى معالجات متأنية وليس حملات إلكترونية تقود إلى نشوب نزاعات بين جنسيات مختلفة على الأراضي المصرية.

العرب