رسائل “رويترز” الإيرانيّة: أنا ومن بعدي “الطوفان”

رسائل “رويترز” الإيرانيّة: أنا ومن بعدي “الطوفان”

ليس جديداً أن تتحوّل وكالة “رويترز” العريقة إلى منبر من المنابر التي تستخدمها إيران لبثّ رسائلها المتوعّدة أو المتودّدة. ولطالما اتُّهمت الوكالة بنشرها أخباراً لمصلحة بروباغندا طهران والحزب معتمدةً على “مصادر” مراسليها. ولطالما بالغت الوكالة بتصنّع في عدد المصادر التي تستند إليها في سعي إلى تظهير حياد وحرفيّة في نشر أخبارها الإيرانية.

لوكالة “رويترز” سياستها التحريرية وهي في استنادها إلى “المصادر” تتبرّأ من إثم الكفر ما دام “ناقل الكفر ليس بكافر”. وإذا ما أرادت طهران وحزبها في لبنان استخدام “رويترز” لتمرير الرسائل. فلا بأس بذلك ما دام الأمر يوضح للرأي العامّ عامّة وللعواصم والجهات المعنيّة خاصّة ما تريد طهران توضيحه. على ذمّة المصادر. ولا تودّ أو تستطيع إعلانه جهاراً بشكل رسمي.

بعد أسابيع قليلة من عملية “طوفان الأقصى”. التي نفّذتها “كتائب القسام” التابعة لحركة “حماس” في 7 تشرين الأول الماضي. زار رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنيّة طهران واجتمع بمسؤوليها، وفي مقدّمهم مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي. وجاءت الزيارة في أوائل تشرين الثاني. وسط لغط دولي بشأن معرفة إيران المسبقة بالعملية من عدمها. وبالتالي مسؤوليّتها عن ارتكاب ما اعتبرته المنظومة الغربية بزعامة الولايات المتحدة عملاً إرهابياً استثنائياً في وقعه وحجمه ضدّ إسرائيل. لكن في 8 تشرين الأول، أي في اليوم التالي لـ “الطوفان”، صدرت أوّل تبرئة لإيران، وكانت أميركية المصدر. أعلن وزير الخارجية أنتوني بلينكن حينها أنّ بلاده لا تملك معطيات بشأن تورّط إيران بهذا “المحظور”. لم يكن الأمر كافياً، ذلك أنّ من لا يملك معطيات قد يملكها لاحقاً.

ليس جديداً أن تتحوّل وكالة “رويترز” العريقة إلى منبر من المنابر التي تستخدمها إيران لبثّ رسائلها المتوعّدة أو المتودّدة
إيران تستنجد بـ”رويترز”

استنتجت طهران إثر العملية حجم “الهستيريا” التي اجتاحت العواصم الغربية مطلقةً دفقاً انفعالياً داعماً لإسرائيل. ومتضامناً مع مصابها إلى حدّ “زحف” قادة “العالم الحرّ” باتجاه تل أبيب. استنتجت أيضاً أنّ حجم الغضب الذي تجاوز العالم الغربي ستتمدّد حممه بسهولة باتجاه إيران إذا لم يصدر نفيٌ رسمي حازم وحاسم وقاطع يوقف أيّ شكوك بشأن دور الجمهورية الإسلامية في الهجوم. سواء في إصدار الأمر بالقيام به أم بمستويات التحضير والتدريب والتسليح والتمويل. ولم تكن المهمّة سهلة بالنظر إلى علاقة حركتي حماس والجهاد بـ “محور المقاومة” الذي تقوده طهران. وبالنظر إلى مديح الحركتين سابقاً للمدد الذي توفّره إيران سياسياً ومالياً وتسليحياً ولوجستياً للتنظيمين. فكان على طهران الاستعانة بمواهب “رويترز”.

نشرت الوكالة في 15 تشرين الثاني الماضي، وطبعاً بالاستناد إلى 3 مسؤولين إيرانيين (وليس 4 أو 5 للدقّة)، ما يشبه بياناً رسمياً صادراً عن طهران. وعلى لسان المرشد بالذات، وهو أعلى سلطة في البلاد. يعلن عدم علاقة الجمهورية الإسلامية بالعملية وعدم علمها بها وعدم استعدادها للتحرّك دعماً لها. ذكرت الوكالة أنّ “المسؤولين” أخبروها أنّ المرشد أنّب هنيّة على “عدم تبليغ حركته إيران بالهجوم، وبالتالي لن تدخل الجمهورية الإسلامية الحرب نيابة عنها”. أضافت الوكالة أنّ خامنئي أبلغ ضيفه. بالاستناد هذه المرّة إلى “مسؤولين من إيران وحماس مطّلعين على فحوى الاجتماع طلبوا عدم الكشف عن هويّاتهم”. أنّ “إيران ستواصل تقديم دعمها السياسي والمعنوي للحركة”.

قالت “رويترز” أيضاً إنّ مسؤولاً من “حماس” ذكر لها أنّ “الزعيم الإيراني حثّ هنيّة على إسكات أصوات لدى الحركة تدعو علناً إيران والحزب إلى الانضمام إلى المعركة ضدّ إسرائيل بكامل قوّتهما”. والواضح أنّ خامنئي كان يغمز من قناة تصريحات في هذا الاتجاه صدرت عن مسؤولين من حماس، منهم خالد مشعل وغازي حمد وموسى أبو مرزوق.

استنتجت طهران إثر العملية حجم “الهستيريا” التي اجتاحت العواصم الغربية مطلقةً دفقاً انفعالياً داعماً لإسرائيل
لا يهمّ أن تنفي حركة حماس صحّة تقرير “رويترز” في اليوم التالي لنشره. فالتقرير، في شكله وتوقيته ومضمونه وما عجّ به من مواقف، إيرانيّ السيناريو والإخراج. ويهدف، من خلال “رويترز” بالذات، إلى تأكيد براءة طهران من “إثم” تلك العملية. اعتُمد هذا التقرير بصفته متن الخبر، فيما نفي حماس هامش صار منسيّاً. وبناء على مسلّمة “رويترز” تطوّعت طهران لإدارة المناسبة باقتراح التطوّع لخفض التصعيد. سواء في زيارات وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان للبنان أم في همّة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني لدى الفصائل الموالية في العراق.

رويترز

ما كشفته الفايننشيل تايمز

قبل أيام نشرت الفايننشيل تايمز خبراً تحدّث عن محادثات سرّية تجري بين واشنطن وطهران في مسقط في محاولة لإنتاج تفاهمات بشأن تصعيد الجماعات التابعة لطهران. بما فيها جماعة الحوثي التي تهدّد الملاحة الدولية في البحر الأحمر. لم يكن في الأمر أيّ سبق لكون التواصل لم ينقطع بين الطرفين وإن اختفت مظاهره العلنيّة. غير أنّ هذه المحادثات هي التي علّقت عمليات الفصائل في العراق وفشلت في تعليق أنشطة الحوثيين من اليمن. أما وقد راح التوتّر يحتدم على الحدود اللبنانية الإسرائيلية فكان على إيران أن تستدعي “جماعتها” في “رويترز” لوضع بعض النقاط على الحروف.

في 15 آذار الجاري نشرت الوكالة خبراً استندت فيه إلى “كتيبة” من المصادر بلغ عددها 7. تكشف كلّها مضمون اجتماع يُفترض أنّه سرّيّ بين قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني والأمين العامّ للحزب السيّد حسن نصر الله. لن نكرّر مضمون الخبر فقد عجّت به وسائل الإعلام. غير أنّ في رسائل الطرفين، طهران وحزبها في لبنان، تأكيداً لرواية ممجوجة بشأن استقلال قرار الفصائل المتحالفة معها داخل “محور المقاومة”. وبالتالي استقلال قرار الحزب في خوض الحرب ضدّ إسرائيل. وتُعلمنا “رويترز” بهذا التطوّر الاستقلالي على الرغم من افتخار الأمين العامّ للحزب. خلال السنوات المنصرمة. بأنّه جندي في جمهورية المرشد الأعلى وأنّ رواتب وسلاح ومال الحزب تأتي من إيران.

قالت “رويترز” أيضاً إنّ مسؤولاً من “حماس” ذكر لها أنّ “الزعيم الإيراني حثّ هنيّة على إسكات أصوات لدى الحركة تدعو علناً إيران والحزب إلى الانضمام إلى المعركة
تُبلغ “رويترز” اللبنانيين بأنّ الحزب سيذهب منفرداً بهذه الحرب ليس فقط بقرار مستقلّ عن طهران بل، وهذا ليس جديداً، بقرار مستقلّ عنهم وعن دولتهم. تُبلغ الوكالة العواصم المعنيّة بأنّ عليها ألّا تناقش مسألة الحرب والسلم في لبنان مع إيران (في محادثات مسقط مثلاً)، بل مع الحزب الذي يملك قراره بمعزل عن قرار طهران. وفيما تكشف “مصادر” الوكالة أنّ زعيم الحزب أبلغ ضيفه بأنّ “الحزب لن يجرّ إيران” إلى حربه. فإنّ في ذلك تذكيراً بما نقلته “رويترز” عن خامنئي في كلامه لهنيّة في تشرين الثاني بأنّ إيران لن تدخل الحرب نيابة عن “حماس”.

إقرأ أيضاً: إيران تسرّب: الحزب وحيد في الحرب كغزّة

ليس بالضرورة أن تكون تفاصيل رواية اجتماع قاآني-نصرالله في شباط الماضي دقيقة، لكنّ ما يهمّنا هو ما أرادته طهران من خلال رسائل “رويترز”. وفيما لم يصدف أبداً أن تحرّكت إيران منذ قيام جمهوريّتها للدفاع عن أذرعها. فإنّ الرواية تكرّر بسماجة مسلّمات وتبعث الرسائل تلو الرسائل إلى المنظومة الغربية. وإلى الولايات المتحدة خصوصاً. بأنّها بريئة من “الطوفان” ومن يدعمونه ملمّحة إلى إسقاط علاقتها بالأذرع لأنّ وجودية المتن أهمّ من ضوضاء هوامشه. ولسان حالها يقول ما نُسب إلى مدام دو بومبادور عشيقة الملك الفرنسي لويس الخامس عشر: “أنا وما بعدي الطوفان”.