هل يتخلى الغرب عن أوكرانيا بعد توتر الشرق الأوسط؟

هل يتخلى الغرب عن أوكرانيا بعد توتر الشرق الأوسط؟

في اجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبي الأخير، تساءلت رئيسة وزراء إستونيا كايا كالاس عن سبب عدم إسقاط الغرب للصواريخ والمسيّرات الروسية التي تستهدف أوكرانيا، تماماً كما حدث خلال التصدي للهجوم الإيراني على إسرائيل قبل أيام، والتساؤل يحمل بين سطوره استفساراً أكبر فحواه باختصار، هل تخلى الغرب عن كييف من أجل تل أبيب؟.

إستونيا تستنهض الهمم الأوروبية اليوم لحشد الدعم مجدداً لأوكرانيا التي بدأت تستغيث على جبهات مختلفة مع الهجوم الروسي. ولكن خيارات حلفاء كييف في القارة العجوز تبقى محدودة إذا لم تستأنف الولايات المتحدة مساعدة الأوكرانيين، والقول الفصل في هذا هو إقرار مجلس النواب الأميركي لحزمة الدعم المقترحة لكييف بشقيها العسكري والاقتصادي.

خلال القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قادة الاتحاد الأوروبي بـ”حماية جوية” تشبه تلك التي تتمتع بها إسرائيل اليوم، فتمنع عن بلاده والقارة العجوز ككل، الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيّرات الإيرانية والروسية، داعياً التكتل إلى “المساواة” بين الأوكرانيين والإسرائيليين عندما يتعلق الأمر بحق العيش في أمن وسلام لأن جميع الأرواح متساوية ولها القيمة ذاتها.

ويرى محللون ومراقبون أن أولويات واشنطن ربما تغيرت بعد توتر الشرق الأوسط، ولكن نظرتها إلى الحرب بين كييف وموسكو تبدلت حتى قبل تفجر الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ولن يظهر هذا بسرعة كبيرة لأسباب مختلفة برأيهم، ولكن النتيجة مفادها بأن الحرب آن لها أن تنتهي بغض النظر عن أزمات العالم الأخرى.

تبدل سبق الحرب

يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد أصفهاني أن تبدل النظرة الغربية تجاه حرب أوكرانيا سبق توتر الشرق الأوسط، فصحيح أن ما يحدث اليوم بين إسرائيل وإيران خلق أولوية جديدة على أجندة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، لكن مستقبل الأزمة الأوكرانية من وجهة نظره، حسم قبل الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر الماضي.

وقال أصفهاني في تصريح إلى “اندبندنت عربية” إن القرار الغربي في شأن حل أزمة أوكرانيا اتخذ اعتماداً على معايير ومتغيرات دولية عدة، وصيغة هذا الحل تبحث اليوم بصورة مباشرة وغير مباشرة مع موسكو، منوهاً إلى أن أهم شرطين في هذا الحل هما ضمان حيادية كييف في أي خصومة ممكنة عسكرياً بين الروس وحلف “الناتو”، مقابل تعهدات موسكو بأمن دول الجوار الأوروبي وديمومة موارد الطاقة إليها من دون مقابل سياسي.

ويعتقد المحلل السياسي بأن ما يحدث بين إسرائيل وإيران يرتبط في عمقه الاستراتيجي البعيد بأزمة أوكرانيا، ولكن الغرب يتحرك في إطار خطة لإعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط تشبه تلك التي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى، لافتاً إلى أن هذه الخطة تنطوي على شقين أحدهما جغرافي والآخر ديموغرافي، ستتضح ملامحهما مع الوقت.

لا تنعكس الآمال بالتهدئة وإنهاء الحرب على واقع الجبهات بين الروس والأوكرانيين، ولكن من وجهة نظر عضو حزب “الجمهوريين” الفرنسي إعجاب خوري، ثمة رغبة حقيقية لدى الأوروبيين اليوم في إنهاء أزمة أوكرانيا لاعتبارات اقتصادية وسياسية. فالمشهد بصورة عامة يتغير داخل دول القارة العجوز وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي ككل، ناهيك عن تبدل خطة أميركا لناحية تفضيل إنهاء الحرب في أوروبا على إشعالها لأجل غير مسمى.

وفي تصريح إلى “اندبندنت عربية” قالت خوري إن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط لم يؤثر في سياسة الغرب تجاه أوكرانيا، خصوصاً بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فحرب أوكرانيا ما زالت هاجساً أكبر بكثير لشعوب القارة العجوز من تهديدات إيران، ولكن ما أحدثته تلك الحرب من مشكلات اقتصادية وسياسية ومجتمعية في دول القارة، خلق رغبة في وضع حد لها من خلال مقاربة ما تريده موسكو وما يقلق الأوروبيين في جوارهم.

وتشدد عضو حزب “الجمهوريين” الفرنسي على أن تسوية أزمة أوكرانيا بما يرضي موسكو والغرب لم تعُد طرحاً مستحيلاً في أوروبا اليوم، وهناك تيار شعبي في القارة العجوز يطالب بتفهم المخاوف الأمنية الروسية، مقابل ضمان ألا يتكرر الهجوم الروسي على أي دولة في جوارها، ولا تهدد موسكو أمن الأوروبيين بأي شكل كان مستقبلاً.

12.jpg
حزمة دعم لأوكرانيا بأكثر من 60 مليار دولار أمام مجلس النواب الأمريكي (غيتي)

استئناف الدعم الأميركي

ويلفت تقرير نشرته صحيفة “ذا غارديان” أخيراً إلى أن تفكيك حزمة الدعم الخارجي التي عجز مجلس النواب الأميركي عن إقرارها لأشهر، يمكن أن يكون مخرجاً لاستئناف مساعدة الولايات المتحدة لأوكرانيا، ولكن السؤال الرئيس هو ما الذي تغير في موقف الجمهوريين كي يمرروا الأموال لكييف، وما المقابل الذي يمكن أن يحصلوا عليه؟.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون أعلن التصويت غداً السبت على حزم الدعم التي ولدت من الباقة الرئيسة، وانقسمت بين واحدة لإسرائيل وأخرى لحماية الحدود الجنوبية للولايات المتحدة والثالثة لأوكرانيا. ولم يقُل جونسون إنه يضمن موافقة حزبه الجمهوري على مخصصات أوكرانيا، ولكن يمكن أن تؤثر القيود التي فرضت عليها في موقف المعارضين لتقديم مزيد من الأموال والأسلحة لكييف في حربها ضد روسيا.

مشروع قانون الدعم الجديد لأوكرانيا يشترط أن يُخصص جزء من الأموال لمصلحة تطوير أسلحة الجيش الأميركي، وأن تقدم الأموال إلى كييف على شكل قروض واجبة السداد، ويطالب النواب إدارة الرئيس جو بايدن بتقديم خطة واضحة لما يجب على الأوكرانيين فعله بأموال وأسلحة الدعم الجديد المقدم من الولايات المتحدة.

ثمة دافع آخر قد يكون وراء تجدد حماسة الجمهوريين في هذا الملف، وهي التحذيرات التي أطلقها مدير الاستخبارات الأمريكية وليام بيرنز، من أن أوكرانيا قد تخسر الحرب مع روسيا نهاية العام ما لم ترسل الولايات المتحدة مزيدا من الدعم العسكري إلى كييف. أو أن يحقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنجازات ميدانية تسمح له بفرض الشروط في أي مفاوضات سلام مقبلة لإنهاء الحرب.

هناك تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” قبل شهر، يفيد بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن أوكرانيا كي لا تفقد ثقة حلفائها في “الناتو” وخارجه، فتايوان مثلاً لن ترغب في تحدي الصين إذا كانت ستواجه ما تعانيه كييف مع واشنطن اليوم، ودول أوروبا لن تبقى على قلب رجل واحد خلف أميركا إذا لم تلمس حرصها على أمن القارة العجوز حتى اللحظة الأخيرة في المواجهة مع روسيا، سواء ذُيّلت بتوقيع السلاح أو مفاوضات سلام.