هل نشهد تشكل محور رباعي يهدد الهيمنة الأميركية؟

هل نشهد تشكل محور رباعي يهدد الهيمنة الأميركية؟

في الصباح الباكر من الثاني يناير (كانون الثاني) الماضي شنت القوات الروسية هجوماً صاروخياً ضخماً على مدينتي كييف وخاركيف الأوكرانيتين، مما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين وإصابة 100 آخرين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية.

ولم يكن هذا الحدث بارزاً بسبب الضرر الذي سببه وحسب، بل أيضاً لأنه أظهر أن روسيا ليست وحدها في معركتها.

وفي الواقع نُفذ الهجوم الروسي في ذلك اليوم بأسلحة مزودة بتكنولوجيا من الصين وصواريخ من كوريا الشمالية وطائرات مسيرة من إيران، فعلى مدى العامين الماضيين تحولت تلك الدول الثلاث إلى عناصر دعم حيوية في آلة الحرب الروسية في أوكرانيا.

ومنذ الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022 استخدمت موسكو أكثر من 3700 طائرة إيرانية مسيرة، وعلاوة على ذلك تنتج روسيا الآن ما لا يقل عن 330 طائرة مسيرة كل شهر، وتتعاون مع إيران في خطط لبناء مصنع جديد لهذه الطائرات داخل روسيا من شأنه أن يعزز هذا الإنتاج، وقد أرسلت كوريا الشمالية إلى روسيا صواريخ باليستية وأكثر من 2.5 مليون طلقة ذخيرة في وقت تتضاءل المخزونات الأوكرانية. من جانبها أصبحت الصين شريان الحياة الأكثر أهمية بالنسبة إلى روسيا، إذ إن بكين كثفت مشترياتها من النفط والغاز الروسيين مما ضخ مليارات الدولارات في خزائن موسكو، وبالقدر نفسه من الأهمية توفر الصين كميات هائلة من تكنولوجيا الحرب بما في ذلك أشباه الموصلات والأجهزة الإلكترونية ومعدات الرادار والتشويش على الاتصالات وأجزاء الطائرات المقاتلة النفاثة.

وتظهر السجلات الجمركية أنه على رغم العقوبات التجارية التي فرضها الغرب فإن واردات روسيا من الرقائق الالكترونية ومكوناتها كانت ترتفع بشكل مطرد لتقترب من المستويات المسجلة في مرحلة ما قبل الحرب، مصدر أكثر من نصفها من الصين.

هذا الدعم الذي تقدمه الصين وإيران وكوريا الشمالية عزز موقف روسيا في ساحة المعركة وأحبط الجهود الغربية الرامية إلى عزل موسكو، كما ألحق الضرر بأوكرانيا، ومع ذلك فإن هذا التعاون لا يمثل سوى جزء صغير من تحالفهم المتنامي.

في الحقيقة بدأ التنسيق بين الدول الأربع بالتوسع قبل عام 2022، لكن الحرب سرعت توطيد العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والتكنولوجية، وهم يعملون على نحو متزايد على مواءمة مصالحهم وخطاباتهم وتنسيق المناورات العسكرية والدبلوماسية، ويعمل هذا التقارب على تشكيل محور جديد من الاضطراب ويعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي بشكل أساس، فالمحور ليس تكتلاً حصرياً [ائتلافاً مغلقاً] وهو بالتأكيد لا يشكل تحالفاً رسمياً، بل عبارة عن مجموعة من الدول الساخطة ذات الهدف المشترك المتمثل في تحدي المبادئ والقواعد التنظيمية والمؤسسات التي تشكل أساس النظام الدولي القائم، وعندما تتعاون هذه البلدان الأربعة فإن أعمالها مجتمعة تسفر عن تأثير أعظم كثيراً من جهودها الفردية وحدها.

ومن خلال العمل معاً يعزز كل منها قدرات الآخر العسكرية ويقوض فعالية أدوات السياسة الخارجية الأميركية بما في ذلك العقوبات، ويعوق قدرة واشنطن وشركائها على فرض القواعد العالمية، فهدفهم الجماعي هو إنشاء بديل للنظام الحالي الذي يرون أنه يخضع لهيمنة الولايات المتحدة.

عدد من المراقبين الغربيين قللوا من أهمية العواقب المترتبة على التنسيق بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا، ولا شك في أن هذه الدول الأربع لديها خلافاتها ويمكن لإرث عدم الثقة التاريخي بينها والانقسامات الحالية أن يحدا من مدى ازدهار علاقاتها، ومع ذلك فإن هدفها المشترك المتمثل في إضعاف الولايات المتحدة ودورها القيادي يوفر رابطاً قوياً بينها، وفي أماكن عبر آسيا وأوروبا والشرق الأوسط أظهرت تطلعات أعضاء المحور بالفعل تأثيرات مزعزعة للاستقرار، ومن الضروري أن تركز السياسة الخارجية للولايات المتحدة الآن على إدارة العواقب المدمرة الناجمة عن التنسيق المتزايد بينهما ومنع المحور من زعزعة الاستقرار العالمي.

الفريق المناهض للغرب

إن التعاون بين أعضاء المحور ليس جديداً، ففي الواقع كانت الصين وروسيا تعملان على تعزيز شراكتهما منذ نهاية الحرب الباردة وتسارع هذا الاتجاه بشكل ملحوظ بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، وبين عامي 2013 و2021 تضاعفت حصة الصين من التجارة الخارجية الروسية من 10 إلى 20 في المئة، ثم بين عامي 2018 و2022 زودت روسيا الصين بما يصل مجموعه إلى 83 في المئة من واردات الأسلحة، وقد ساعدت التكنولوجيا الروسية الجيش الصيني على تعزيز قدراته في مجالات الدفاع الجوي والغواصات والأسلحة المضادة للسفن، مما يجعل الصين أكثر قوة في أي صراع بحري محتمل.

وعلاوة على ذلك أعربت بكين وموسكو عن رؤية مشتركة، ففي أوائل عام 2022 أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جينبينغ بياناً مشتركاً تعهدا فيه بشراكة “غير محدودة” بين بلديهما، وحضا فيه على “علاقات دولية من نوع جديد”، وبعبارة أخرى نظام دولي متعدد الأقطاب لا يخضع لهيمنة الولايات المتحدة.

وفي منحى مقابل عززت إيران علاقاتها مع أعضاء المحور الآخرين أيضاً، وبالاسترجاع فقد عملت إيران وروسيا معاً من أجل إبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، وتماشياً مع جهود روسيا لحماية طهران من العقوبات الأميركية تشتري الصين كميات كبيرة من النفط الإيراني منذ عام 2020.

من جانبها اعتبرت كوريا الشمالية الصين حليفها الأساس وشريكها التجاري طوال عقود من الزمن، في حين حافظت على علاقات ودية مع روسيا على رغم أنها لم تكن عميقة أو جوهرية، وكذلك اشترت إيران صواريخ كورية شمالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويُعتقد أن كوريا الشمالية زودت الجماعات الوكيلة لإيران بالأسلحة، بما في ذلك “حزب الله” وربما “حماس”.

وإضافة إلى ذلك حصل تقارب بين بيونغ يانغ وطهران بسبب النفور المشترك من واشنطن، فوفق تصريح أدلى به كيم يونغ نام، وهو مسؤول كوري شمالي كبير، خلال زيارة إلى إيران عام 2017 استمرت 10 أيام، فإن البلدين “لديهما عدو مشترك”.

لكن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أدى إلى تسريع التقارب بين هذه الدول الأربع بطرق تتجاوز علاقاتها التاريخية، وكانت موسكو من بين أكبر موردي الأسلحة إلى طهران على مدى العقدين الماضيين، وهي الآن أكبر مصدر للاستثمار الأجنبين وارتفعت الصادرات الروسية إلى إيران 27 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2022، وخلال العامين الماضيين، وفقاً للبيت الأبيض، كثفت روسيا تبادل المعلومات الاستخباراتية وتوفير الأسلحة لـ “حزب الله” وغيره من وكلاء إيران، حتى إن موسكو دافعت عن هؤلاء الوكلاء خلال المناقشات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفي العام الماضي حلت روسيا محل السعودية كأكبر مصدر للنفط الخام للصين، وتجاوزت التجارة بين البلدين 240 مليار دولار أميركي، مسجلة رقماً قياسياً، وإضافة إلى ذلك أفرجت موسكو عن تجميد ملايين الدولارات من الأصول الكورية الشمالية المحتفظ بها في البنوك الروسية امتثالاً لعقوبات مجلس الأمن، وقد أجرت الصين وإيران وروسيا مناورات بحرية مشتركة في خليج عُمان لثلاثة أعوام متتالية، كان آخرها في مارس (آذار) 2024، وعلاوة على ذلك اقترحت روسيا تدريبات بحرية ثلاثية تشمل الصين وكوريا الشمالية.

سارع الغرب إلى التقليل من أهمية التنسيق بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا

إن التعاون المتنامي بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا مدفوع بالمعارضة المشتركة للنظام العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، وهو عداء يرتكز على اعتقاد هذه الدول بأن النظام الحالي لا يمنحها المكانة أو حرية التصرف اللتين تستحقهما، وتؤكد كل دولة على مجال نفوذها الخاص، إذ تطالب الصين بـ “مصالحها الأساس”، بما في ذلك تايوان وبحر الصين الجنوبي، وبـ “محور المقاومة” بالنسبة إلى إيران، وهو عبارة عن مجموعة من الوكلاء تمنح طهران النفوذ في العراق ولبنان وسوريا واليمن وأماكن أخرى، في حين تطالب كوريا الشمالية بشبه الجزيرة الكورية بأكملها، أما روسيا فتسعى إلى فرض سيطرتها على المناطق المجاورة التي تشمل في نظر الكرملين البلدان التي شكلت إمبراطورية روسيا التاريخية في الأقل. وترى الدول الأربع أن الولايات المتحدة هي العقبة الرئيسة أمام إنشاء مجالات النفوذ تلك، لذا فهي ترغب في تقليص وجود واشنطن في مناطقها، واستكمالاً ترفض جميع هذه الدول مبدأ القيم العالمية وتنظر إلى ترويج الغرب لنسخته من الديمقراطية باعتباره محاولة لتقويض شرعيتها وإثارة الاضطرابات الداخلية، وهي تصر على أن الدول الفردية لها الحق في تعريف الديمقراطية بطريقتها الخاصة، وفي النهاية، على رغم أنها قد تتوصل إلى تسوية موقتة مع الولايات المتحدة، إلا أنها تشك في أن الغرب سيقبل صعودها أو عودتها للسلطة على المسرح العالمي، وإضافة إلى ذلك فهي تعارض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية وتوسيع التحالفات الأميركية ونشر الأسلحة النووية الأميركية خارج الولايات المتحدة واستخدام العقوبات القسرية.

في حين أن تصور مستقبل إيجابي قد يبدو بعيد المنال، فقد أظهر التاريخ أن وجود أجندة متماسكة ليس ضرورياً دائماً لتحالف القوى الساخطة لزرع بذور الاضطراب، وكان الميثاق الثلاثي لعام 1940 الذي وحد ألمانيا وإيطاليا واليابان (أي النسخة الأصلية لما يُعرف بالمحور)، قد تعهد بـ “إنشاء نظام جديد والحفاظ عليه، نظام تضمن فيه كل دولة موقعها المناسب، وعلى رغم فشلهم مع نهاية المطاف في تحقيق أهدافهم إلا أن الحرب العالمية الثانية جلبت اضطرابات عالمية كبيرة.

وعلى نحو مماثل لا يحتاج محور الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا إلى خطة واضحة المعالم لنظام دولي بديل لتعطيل النظام القائم، إذ إن معارضتهم المشتركة للمبادئ الأساس للنظام الحالي وتصميمهم على إحداث التغيير يوفران أساساً قوياً للعمل التعاوني.

ويذكر أن التصدعات موجودة بين أعضاء المحور، فعلى سبيل المثال تتنافس الصين وروسيا على النفوذ في آسيا الوسطى، في حين تتنافس إيران وروسيا على أسواق النفط في الصين والهند وأماكن أخرى في آسيا، وعلاوة على ذلك يجمع بين تلك الدول الأربع تاريخ معقد، ففي عام 1941 غزا الاتحاد السوفياتي إيران ولم تتمكن روسيا والصين من تسوية نزاعهما الحدودي الطويل الأمد إلا عام 2004، وقد دعمتا في السابق الجهود الرامية إلى تقييد برامج إيران النووية وعزل كوريا الشمالية، واليوم قد تنظر الصين بعين القلق إلى العلاقات المتعمقة بين كوريا الشمالية وروسيا خشية أن يؤدي تمكين كيم جونغ أون إلى تصعيد التوترات في شمال شرقي آسيا واجتذاب وجود عسكري أميركي أكبر، وهو ما تعارضه الصين، ومع ذلك فإن خلافاتها غير كافية لتفكيك الروابط التي تشكلت نتيجة لمقاومتها المشتركة لعالم يهيمن عليه الغرب.

الشرارة تنطلق من الكرملين

لعبت موسكو دوراً مركزياً في تشكيل هذا المحور، وكان غزو أوكرانيا بمثابة نقطة اللاعودة في حملة بوتين الطويلة الأمد ضد الغرب، ولم يصبح بوتين أكثر التزاماً بتدمير أوكرانيا وحسب، بل وأيضاً بتدمير النظام العالمي، فقد كثف علاقاته مع الدول ذات التفكير المماثل من أجل تحقيق أهدافه، ومع عزل موسكو عن التجارة والاستثمار والتكنولوجيا الغربية منذ بدء الحرب لم يكن أمامها خيار سوى الاعتماد على شركائها لمواصلة أعمالها العدائية. وكانت الذخيرة والطائرات المسيرة والرقائق الإلكترونية وغيرها من أشكال المساعدة التي أرسلها أعضاء المحور بمثابة دعم كبير لروسيا، ولكن كلما زاد اعتماد موسكو على هذه البلدان اضطرت إلى تقديم تنازلات في المقابل.

وفي الواقع تستفيد بكين وبيونغ يانغ وطهران من نفوذها على موسكو لتوسيع قدراتها العسكرية وخياراتها الاقتصادية، وحتى قبل الغزو الروسي كانت المساعدة العسكرية التي تقدمها موسكو لبكين تقلل التفوق العسكري للولايات المتحدة على الصين، فقد زودت روسيا الصين بأسلحة متطورة بشكل متزايد، كما توسعت وتيرة ونطاق التدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين، وقد نقل الضباط الروس الذين قاتلوا في سوريا وفي منطقة دونباس في أوكرانيا دروساً قيمة إلى نظرائهم الصينيين مما ساعد جيش التحرير الشعبي على تعويض افتقاره إلى الخبرة العملياتية، وهو ضعف ملحوظ مقارنة بالقوات الأميركية الأكثر خبرة.

وعلى رغم أن التحديث العسكري في الصين يقلص الحاجة الملحة إلى تعميق التعاون الدفاعي مع روسيا، فمن المرجح أن يمضي البلدان قدماً في عمليات تبادل التكنولوجيا والتعاون في مشاريع مشتركة لتطوير الأسلحة وإنتاجها، ففي فبراير (شباط) الماضي، على سبيل المثال، أكد المسؤولون الروس أنهم يعملون مع نظرائهم الصينيين على التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي، وفي المقابل تبقى موسكو متفوقة على بكين في مجالات رئيسة أخرى بما في ذلك تكنولوجيا الغواصات وأقمار الاستشعار عن بعد ومحركات الطائرات، وإذا تمكنت الصين من الضغط على روسيا التي أصبحت أكثر اعتماداً عليها من أجل الحصول على تقنيات متقدمة إضافية، فإن عملية التبادل قد تؤدي إلى مزيد من تآكل المزايا التي تتمتع بها الولايات المتحدة.

22.jpg
سفينة حربية صينية تقترب من ميناء إيراني في خليج عُمان، ديسمبر 2019 (رويترز)

وتتكشف الآن ديناميكية مماثلة في علاقات روسيا مع إيران وكوريا الشمالية، فقد صاغت موسكو وطهران ما سمته إدارة بايدن “شراكة دفاعية غير مسبوقة” تعمل على ترقية القدرات العسكرية الإيرانية، وزودت روسيا إيران بطائرات متقدمة وأنظمة دفاع جوي واستخبارات ووسائل مراقبة واستطلاع وقدرات إلكترونية من شأنها أن تساعد طهران في مقاومة أية عملية عسكرية أميركية أو إسرائيلية محتملة. وفي مقابل تزويد كوريا الشمالية بالذخيرة وغيرها من المساعدات العسكرية لروسيا، يقال إن بيونغ يانغ تسعى إلى الحصول على تكنولوجيا متقدمة في مجال الفضاء والصواريخ والغواصات من موسكو، وإذا استجابت روسيا لهذه الطلبات فستتمكن كوريا الشمالية من تحسين دقة وقدرة صواريخها الباليستية العابرة للقارات برؤوس نووية، واستخدام تكنولوجيا الدفع النووي الروسية لتوسيع نطاق وقدرة غواصاتها، وبالفعل فإن التجارب الروسية للأسلحة الكورية الشمالية في ساحة المعركة في أوكرانيا زودت بيونغ يانغ بمعلومات قيمة لتحسين برنامجها الصاروخي، وربما أسهمت المساعدات الروسية في إطلاق كوريا الشمالية قمراً صناعياً للتجسس العسكري في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بعد أن فشلت في ذلك مرتين خلال العام الماضي.

وقد أدت العلاقات الوثيقة بين دول المحور الأربعة إلى زيادة جرأة القادة في بيونغ يانغ وطهران، فتخلى كيم، الذي يتمتع الآن بدعم قوي من كل من الصين وروسيا، عن سياسة كوريا الشمالية المستمرة منذ عقود والرامية إلى حل سلمي للانقسام مع جارته الجنوبية، وبدلاً من ذلك صعدت بيونغ يانغ تهديداتها ضد سيول ودخلت في الابتزاز النووي والتجارب الصاروخية، ولم تبد اهتماماً بالحوار مع الولايات المتحدة، وفي شأن إيران وعلى رغم عدم وجود علاقة واضحة ومباشرة على ما يبدو بين تعميق شراكتهما وهجوم “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فمن المرجح أن الدعم المتزايد من روسيا جعل إيران أكثر استعداداً لتنشيط وكلائها الإقليميين في أعقاب ذلك.

إن الدبلوماسية المنسقة والضغوط التي مارستها روسيا والغرب من أجل انضمام إيران إلى الاتفاق النووي عام 2015 أصبحت الآن ذكرى بعيدة، إذ إن موسكو وبكين تساعدان طهران اليوم في مقاومة الضغوط الغربية مما يسهل عليها تخصيب اليورانيوم ورفض جهود واشنطن من أجل التفاوض على اتفاق نووي جديد.

تقويض أميركا

إن التعاون بين أعضاء المحور يقلل فعالية الأدوات التي تستخدمها واشنطن والدول المتحالفة معها غالباً لمواجهتهم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن الصين منذ بداية الحرب في أوكرانيا زودت روسيا بأشباه الموصلات وغيرها من التكنولوجيات الأساس التي استوردتها روسيا سابقاً من الغرب، مما أدى إلى تقويض فعالية ضوابط التصدير الغربية، وإضافة إلى ذلك تبذل الدول الأربعة مجتمعة جهوداً من أجل تقليل اعتمادها على الدولار الأميركي، وعلى سبيل المثال ارتفعت نسبة واردات روسيا التي تم تحرير فواتيرها بالعملة الصينية (رنمينبي) من ثلاثة في المئة عام 2021 إلى 20 في المئة عام 2022، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2023 وضعت إيران وروسيا اللمسات النهائية على اتفاق لإجراء تجارة ثنائية باستخدام عملتيهما المحليتين من خلال نقل تعاملاتهما الاقتصادية خارج نطاق تدابير الإنفاذ الأميركية، ولذلك فإن أعضاء المحور يقوضون فعالية العقوبات الغربية، فضلاً عن جهود مكافحة الفساد وغسل الأموال.

وتستطيع الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا بناء شبكات تجارة ونقل آمنة من التدخل الأميركي عبر الاستفادة من حدودهم المشتركة ومناطقهم الساحلية، فعلى سبيل المثال تشحن إيران طائرات مسيرة وأسلحة أخرى إلى روسيا عبر بحر قزوين، حيث لا تمتلك الولايات المتحدة سوى قدرة محدودة على وقف عمليات النقل، وفي حال نشوب صراع بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ فيمكن لبكين أن تطلب الدعم من موسكو، وقد تزيد روسيا صادراتها البرية من النفط والغاز إلى جارتها الجنوبية [الصين]، مما يقلل اعتماد هذه الأخيرة على واردات الطاقة عبر البحر التي يمكن أن تعرقلها القوات الأميركية أثناء الصراع، ويمكن للقاعدة الصناعية الدفاعية الروسية التي تركز حالياً بشكل مكثف على تزويد القوات الروسية في أوكرانيا بالأسلحة، أن تغير توجهاتها وتركيزها لاحقاً لدعم المجهود الحربي الصيني، ومن شأن هذا التعاون أن يعزز فرص الصين للتفوق على الجيش الأميركي ويساعد في تحقيق هدف روسيا المتمثل في تقليص نفوذ الولايات المتحدة الجيوسياسي.

كما يقوض المحور أيضاً قدرة واشنطن على حشد تحالفات دولية قادرة على الوقوف في وجه الأفعال المزعزعة للاستقرار التي يرتكبها أعضاؤه، وعلى سبيل المثال فقد كان رفض الصين إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا سبباً في تسهيل اتخاذ مواقف مماثلة في بلدان في مختلف أنحاء أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، وكذلك عرقلت بكين وموسكو الجهود الغربية الرامية إلى عزل إيران، وخلال العام الماضي قاموا بترقية إيران من دولة مراقب إلى عضو كامل العضوية في “منظمة شنغهاي” للتعاون، وهي هيئة إقليمية آسيوية في المقام الأول، ثم نظمتا دعوة إلى إيران كي تنضم إلى مجموعة “بريكس” التي تعتبرها الصين وروسيا بمثابة ثقل موازن للغرب، وكانت تدخلات إيران الإقليمية ومساعيها النووية سبباً في جعل الدول الأخرى حذرة في التعامل مع حكومتها، ولكن مشاركة طهران في المنتديات الدولية تعزز شرعية النظام وتتيح له فرصاً لتوسيع التجارة مع الدول الأعضاء الأخرى.

والجهود الموازية التي يبذلها أعضاء المحور في مجال المعلومات تقوض الدعم الدولي للمواقف الأميركية على نحو متزايد، فلقد دافعت الصين وإيران وكوريا الشمالية عن الغزو الروسي لأوكرانيا أو تجنبت إدانته صراحة، وكانت جميع هذه الدول تردد الاتهامات التي وجهها الكرملين لحلف شمال الأطلسي بإثارة الحرب، وكان رد فعلها على هجمات “حماس” في أكتوبر 2023 يتبع نمطاً مماثلاً، فقد استخدمت إيران وسائل الإعلام الرسمية وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن دعمها لـ “حماس” والتشهير بإسرائيل وإدانة الولايات المتحدة لأنها شجعت الرد العسكري الإسرائيلي، في حين وجهت وسائل الإعلام الروسية، وبدرجة أقل الصينية، نقداً لاذعاً للدعم الأميركي المستمر لإسرائيل، ولقد استعملت تلك الدول الحرب في غزة لتصوير واشنطن كقوة مهيمنة ومزعزعة للاستقرار في العالم، وهي سردية رنانة ومؤثرة في أجزاء من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، وحتى لو لم ينسق أعضاء المحور رسائلهم بشكل علني فإنهم يروجون للمواضيع نفسها، علماً أن التكرار يجعل هذه الدول تبدو أكثر صدقية وإقناعاً.

نظام بديل

تعمل الأنظمة العالمية على تعظيم قوة الدول المهيمنة التي تقودها، ولقد استثمرت الولايات المتحدة في النظام الدولي الليبرالي الذي ساعدت في إنشائه لأنه يجسد التفضيلات الأميركية ويوسع نفوذ الولايات المتحدة، وما دام النظام مفيداً بما يكفي لمعظم الأعضاء فإن مجموعة من الدول ستدافع عنه، وفي الوقت نفسه تواجه الدول المعارضة لهذا النظام مشكلة في العمل الجماعي، وإذا انشقت كلها عنه فقد تنجح في خلق نظام بديل أكثر انسجاماً مع تفضيلاتها ورغباتها، ولكن في غياب مجموعة أساس من الدول القوية التي يمكن للمعارضة أن تتكتل حولها، تظل المصلحة متمثلة في النظام القائم.

طوال عقود من الزمن كانت التهديدات المحدقة بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة تأتي في معظمها من حفنة من الدول المارقة التي لا تمتلك قدرة كافية للإطاحة به، ولكن الغزو الروسي لأوكرانيا وما نتج منه من إعادة هيكلة للعلاقات بين الدول كان من شأنه أن يزيل القيود المفروضة على العمل الجماعي، ويمثل محور الاضطرابات مركز ثقل جديد قد تلجأ إليه الدول الأخرى غير الراضية عن النظام القائم، ويؤدي هذا المحور إلى ظهور بيئة دولية تضم نظامين يزدادان تنظيماً وتنافسية.

وعلى مر التاريخ، غالباً ما أدى وجود الأنظمة المتنافسة إلى نشوب صراع، وبخاصة في المناطق التي تتداخل فيها هذه الأنظمة جغرافياً [مناطق التماس]، وفي الواقع تنشأ الحروب من ظروف محددة مثل النزاع على الأراضي أو بسبب الحاجة إلى حماية المصالح الوطنية أو مصالح حليف ما، أو الخطر الذي يهدد بقاء النظام، لكن احتمال أن يؤدي أي من هذه الظروف إلى اندلاع حرب تزداد في ظل وجود أنظمة متنافسة، وقد وجد بعض الباحثين في العلوم السياسية أن الفترات التي ساد فيها نظام واحد، على غرار نظام توازن القوى الذي حافظ عليه الائتلاف الأوروبي خلال معظم القرن الـ 19، على سبيل المثال، أو حقبة ما بعد الحرب الباردة التي هيمنت عليها الولايات المتحدة، شهدت صراعات أقل مقارنة بالحقب التي تميزت بوجود أكثر من نظام، مثل العصر المتعدد الأقطاب بين الحربين العالميتين، والنظام الثنائي القطب خلال الحرب الباردة.

33.jpg
شي وبوتين في موسكو، مارس 2023 (رويترز)

لقد تمكن العالم من رؤية لمحة مسبقة عن حال عدم الاستقرار التي سيجلبها هذا العصر الجديد من الأنظمة المتنافسة، عصر يشعر فيه المعتدون المحتملون بالجرأة بفضل القواعد البديلة التي أقرها المحور، وينتابهم خوف أقل من العزلة إذا أساءوا التصرف، وبالفعل فإن هجوم “حماس” على إسرائيل يهدد بأن تلتهم الحرب منطقة الشرق الأوسط الأوسع، وفي أكتوبر 2023 سيطرت أذربيجان بالقوة على ناغورنو قره باغ، وهي منطقة انفصالية يسكنها الأرمن، واندلعت التوترات بين صربيا وكوسوفو عام 2023 أيضاً، وهددت فنزويلا بالاستيلاء على أراضي في غويانا المجاورة في ديسمبر 2023، وعلى رغم أن الظروف الداخلية عجلت في ظهور الانقلابات في ميانمار وعبر منطقة الساحل الأفريقي منذ عام 2020، إلا أن تزايد حدوث مثل هذه الثورات يرتبط بالترتيب الدولي الجديد، ولأعوام عدة بدا أن الانقلابات أصبحت أقل شيوعاً، ويرجع ذلك لحد كبير إلى أن المتآمرين واجهوا كلفاً باهظة بسبب انتهاك الأعراف، لكن الحسابات تغيرت الآن، فمن الممكن أن تؤدي الإطاحة بحكومة ما إلى تدمير العلاقات مع الغرب، لكن الأنظمة الجديدة يمكن أن تجد الدعم في بكين وموسكو.

وإذا استمر المحور في التطور والنمو فقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات أكبر، وحتى الآن كان معظم التعاون بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا ثنائياً، وأي جهود تعاونية ثلاثية ورباعية بين هذه الدول قد تزيد قدرتها على العرقلة والتعطيل، وإضافة إلى ذلك يمكن لدول مثل بيلاروس وكوبا وإريتريا ونيكاراغوا وفنزويلا المستاءة من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة والخاضع لهيمنة الغرب، أن تبدأ العمل بشكل أوثق مع المحور، وإذا توسعت هذه المجموعة من الدول وعززت التنسيق في ما بينها فستواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها صعوبة أكبر في الدفاع عن النظام القائم المعترف به.

مواجهة الرجعيين

حالياً تصنف الولايات المتحدة الصين باعتبارهما مصدر قلق أكبر في إستراتيجية الأمن القومي الخاصة بهما، مقارنة بإيران أو كوريا الشمالية أو حتى روسيا، وهذا التقييم سليم من الناحية الإستراتيجية عند النظر في التهديد الفردي الذي تفرضه تلك الدول على الولايات المتحدة، لكنه لا يأخذ في الاعتبار بشكل كامل التعاون بين هذه الدول، وستحتاج سياسة الولايات المتحدة إلى معالجة التأثيرات المزعزعة للاستقرار والناجمة عن عمل تلك الدول الرجعية معاً، ومحاولة تعطيل الجهود المنسقة التي تبذلها من أجل تخريب القواعد والمؤسسات الدولية المهمة، وعلاوة على ذلك فعلى واشنطن أن تعمل على إضعاف جاذبية هذا المحور من خلال زيادة جاذبية النظام القائم.

وإذا أرادت الولايات المتحدة مواجهة محور أكثر تماسكاً وتنسيقاً فلا يمكنها التعامل مع كل تهديد باعتباره ظاهرة معزولة، وينبغي ألا تتجاهل واشنطن العدوان الروسي في أوروبا، على سبيل المثال، من أجل التركيز على القوة الصينية الصاعدة في آسيا، ومن الواضح بالفعل أن نجاح روسيا في أوكرانيا يفيد الصين الرجعية لأنه يثبت لها أنه من الممكن إحباط الجهود الغربية الموحدة على رغم الكلفة الباهظة، وحتى في وقت الذي ترى واشنطن أن الصين هي أولويتها القصوى [مصدر قلقها الأكبر]، فإن مواجهة التحدي الذي تمثله بكين سيتطلب التنافس مع أعضاء المحور الآخرين في أجزاء أخرى من العالم. والاستجابة الفعالة تتطلب من الولايات المتحدة تخصيص موارد إضافية للأمن القومي والدخول في دبلوماسية أكثر حيوية وتطوير شراكات جديدة وأقوى، والاضطلاع بدور أكثر نشاطاً في العالم مقارنة بما رأيناه خلال الآونة الأخيرة، وفي المقابل من المستبعد أن تنجح محاولات دق إسفين بين أعضاء المحور، فقبل الغزو الروسي لأوكرانيا اقترح بعض الخبراء الإستراتيجيين أن تتحالف الولايات المتحدة مع روسيا لتحقيق توازن في وجه الصين، وبعد بدء الحرب أعرب بعضهم عن أملهم في أن تنضم الولايات المتحدة إلى الصين في تحالف مناهض لروسيا، ولكن خلافاً لانفتاح الرئيس ريتشارد نيكسون على الصين مستفيداً من الانقسام الصيني السوفياتي في السبعينيات من القرن الماضي لجذب بكين بعيداً من موسكو، فلا يوجد تنافس أيديولوجي أو جيوسياسي مماثل يمكن لواشنطن استغلاله اليوم، ومن المرجح أن ثمن محاولة القيام بذلك سيتضمن اعتراف الولايات المتحدة بمجال النفوذ الروسي أو الصيني في أوروبا وآسيا، وهي مناطق أساس بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة، وينبغي ألا تسمح واشنطن لأية قوة أجنبية معادية بالسيطرة عليها.

وسوف يكون فصل إيران أو كوريا الشمالية عن بقية المحور أكثر صعوبة، وذلك نظراً إلى الأهداف الرجعية بل وحتى الثورية التي تتبناها حكومتاهما، وفي نهاية المطاف يشكل المحور مشكلة يجب على الولايات المتحدة إدارتها وليس حلها من خلال مبادرات إستراتيجية كبرى.