استمرار الـ “ناتو” متعذر من دون أميركا

استمرار الـ “ناتو” متعذر من دون أميركا

أحيا حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التحالف العسكري الأكثر نجاحا في العالم، الشهر الماضي الذكرى السنوية الـ 75 لتأسيسه، ويعرب بعضهم عن خشيتهم من أن تكون هذه هي الذكرى السنوية الأخيرة للتحالف حيث تلعب الولايات المتحدة دوراً قيادياً، ولا يزال الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يرى أن التحالف قد عفا عليه الزمن، ويقول إنه إذا أعيد انتخابه فإنه سيشجع القادة الروس على فعل “أي شيء على الإطلاق يريدونه” بالدول الأعضاء التي لا تدفع ما يعتبرها كافياً لأغراض الدفاع، وقد يكون لرئاسة ترمب الثانية عواقب وخيمة على الأمن الأوروبي.

ويزعم المدافعون عن ترمب أنه يخادع من أجل الضغط على أوروبا لحملها على إنفاق مزيد من المال على الدفاع، غير أن المسؤولين الأميركيين السابقين الذين عملوا بشكل وثيق مع ترمب في حلف الـ “ناتو” خلال ولايته الرئاسية، بمن فيهم أحدنا (هوكر)، مقتنعون بأنه سينسحب من التحالف إذا جرت إعادة انتخابه، ويشعر ترمب بالاستياء الشديد من المستشارين الأكثر اعتدالاً الذين وازنوا قراراته خلال ولايته الرئاسية الأولى، وإذا وصل إلى البيت الأبيض عام 2025 فسيتم تحريره من قيود الحماية المفروضة عليه.

وينظر الكونغرس الأميركي إلى الأمر بعين القلق أيضاً، وقد قام أخيراً بسنّ تشريع يمنع الرئيس من الانسحاب من حلف الـ “ناتو” ما لم يوافق الكونغرس على ذلك، إما بموجب تصويت مجلس الشيوخ لمصلحة القرار بغالبية الثلثين أو بقرار من مجلسي الكونغرس والشيوخ، بيد أن ترمب يستطيع الالتفاف على هذا الحظر، وقد أثار بالفعل الشكوك حول مدى استعداده لاحترام المادة الخامسة من بند الدفاع المشترك التي أقرها حلف الـ “ناتو”.

ومن خلال حجب التمويل واستدعاء القوات الأميركية والقادة الأميركيين من أوروبا، ومنع اتخاذ قرارات مهمة في مجلس شمال الأطلسي (أعلى هيئة تداولية في حلف الـ “ناتو”)، فمن الممكن لترمب أن يضعف التحالف بشكل كبير من دون أن يخرج منه رسمياً، وحتى لو لم يسحب الدعم الأميركي بالكامل فمن شأن موقف ترمب الراهن إزاء حلف الـ “ناتو” وعدم اكتراثه بمساعدة أوكرانيا، إذا تم تبنيه كسياسة وطنية، أن يحطم ثقة أوروبا في القيادة الأميركية وعزمها العسكري.

التخلي عن أوروبا

إذا أنتخب ترمب مرة أخرى واتبع غرائزه المناهضة لحلف الـ “ناتو”، فإن أوكرانيا ستكون الضحية الأولى، وقد عارض الرئيس السابق تقديم مساعدات عسكرية إضافية لكييف، كما يستمر في التملق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويحاول الأمين العام لحلف الـ “ناتو” ينس ستولتنبرغ سلفاً جعل مساعدات أوكرانيا محصنة ضد العراقيل المحتملة من جانب ترمب، وذلك من خلال تنسيقها تحت رعاية الحلف بدلاً من مجموعة الاتصال الدفاعية الأوكرانية التي تقودها الولايات المتحدة، وإذا قللت الولايات المتحدة من صلابة التزامها الدفاعي تجاه أوروبا في عهد ترمب، أو وضعت حداً نهائياً لهذا الالتزام، فستشعر الدول الأوروبية بأنها معرضة للخطر بشكل أكبر، وربما يجعلها ذلك مترددة بصورة متزايدة في إرسال إمداداتها العسكرية الحيوية إلى أوكرانيا، ومع حصول خفوض كبيرة في المساعدات الأوروبية فقد تضطر كييف إلى التفاوض على اتفاق غير موات مع موسكو يمكن أن يترك أوكرانيا دولة ضعيفة عسكرياً واقتصادياً أمام روسيا، وإذا انهارت دفاعات أوكرانيا تماماً فإن نحو 38 مليون شخص سيكونون على موعد مع القمع الوحشي وفرض الثقافة الروسية عليهم بشكل قسري، ولن يكون هذا سوى بداية العواقب الكارثية، وسيكافح حلف الـ “ناتو” بمعنوياته المنهارة من أجل إنشاء رادع تقليدي فعال ضد أي عدوان روسي آخر.

إن روسيا الآن في حال حرب وتنفق ستة في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وزعيمها الاستبدادي ملتزم بمهمة قومية متطرفة من أجل تعزيز سيطرته على ما يسميه “العالم الروسي”، وهو مساحة جغرافية غير محددة تمتد إلى مسافة أبعد بكثير من حدود بلاده المعترف بها دولياً، ويمكن لموسكو أن تعيد تشكيل قواتها المسلحة بسرعة نسبية، وبعد إخضاع أوكرانيا بأكملها فربما يركز بوتين على بلدان البلطيق، وهي من الدول الأعضاء في الـ “ناتو” التي تشملها المظلة الأمنية للحلف، ولكن بوتين يطالب بهذه الدول كأراض روسية تاريخية، وإذا تم إضعاف الردع التقليدي الذي يتمتع به حلف الـ “ناتو” بسبب توقف أميركا عن توفير الدعم له فإن روسيا ستكون ميالة للتصرف بشكل أكثر وقاحة ليس إلا.

تنفق دول الـ “ناتو” بشكل جماعي الآن اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، ولكن في غياب الدعم الأميركي فإن الجيوش الأوروبية تبقى غير مستعدة ومجهزة وقادرة بما فيه الكفاية للقتال ضد خصم من القوى الكبرى، ولا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في كثير من المجالات المهمة، وحين تكون بمفردها فستفتقر إلى كثير من الأدوات الأساس اللازمة للدفاع الناجح، بما في ذلك قدرات النقل الجوي والتزود بالوقود جواً والدفاع الجوي على ارتفاعات عالية والاستخبارات التشغيلية، وهذه قدرات توفرها كلها بشكل أساس الولايات المتحدة. ومن دون المساعدة الأميركية فإن حلف شمال الأطلسي سيفقد كثيراً من تفوقه العسكري على روسيا، وتظل صناعة الدفاع في أوروبا مجزأة إلى حد كبير، وقد يستغرق تطوير القدرات الدفاعية التي تحتاج إليها من أجل التعويض عن خسارة الدعم الأميركي ما تبقى من هذا العقد.

حلف شمال الأطلسي بمعنويات منهارة سيضطر للكفاح من أجل إنشاء رادع تقليدي فعال ضد أي عدوان روسي آخر

وإذا تخلت الولايات المتحدة عن حلف شمال الأطلسي فإن تراجع الردع النووي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة الردع التقليدي في أوروبا بشدة.

تعزز الأسلحة النووية التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها وتشكل القدرات النووية الأميركية حجر الأساس لقدرة الـ “ناتو” على الردع، وإذا أغلق ترمب المظلة النووية الأميركية فسيتعين على أوروبا الاعتماد على أقل من 600 رأس حربي نووي إستراتيجي بريطاني وفرنسي، وهو ما يشكل جزءاً صغيراً من إجمال قوة روسيا التي تضم أكثر من 5 آلاف رأس حربي نووي إستراتيجي وتكتيكي.
ونظرا إلى أن أوروبا لا تملك أسلحة نووية تكتيكية فلا يمكنها أن تأمل بردع أي هجوم نووي تكتيكي روسي إلا من خلال التهديد بالتصعيد على المستوى الإستراتيجي، وهي خطوة قد لا تجدها موسكو قابلة للتصديق. وفي محاولة لتخويف الأوروبيين وإبعادهم من دعم أوكرانيا، لمّحت روسيا في مناسبات عدة إلى أنها قد تستخدم أسلحة نووية تكتيكية، وعلى النقيض من الولايات المتحدة لم توسع كل من فرنسا والمملكة المتحدة قدرات الردع النووي الخاصة بها لتشمل حماية حلفائها، وإذا تركت واشنطن أوروبا لتدافع عن نفسها بمفردها فقد تحسب موسكو أن بوسعها اللجوء بنجاح إلى الابتزاز النووي للاستيلاء على أراضي الدول الأعضاء في حلف الـ “ناتو”، وسيكون من الصعب الحفاظ على الانسجام القائم ووحدة الصف بين الأعضاء من دون قيادة الولايات المتحدة لحلف شمال الأطلسي.

وكثيراً ما يتطلب الأمر صوتاً أميركياً قوياً لحفز الدول الأعضاء ذات المواقف المتباينة على التوصل إلى الإجماع، فمنذ تأسيس حلف الـ “ناتو” كان جنرال أميركي على رأس الهيكل القيادي للمنظمة، وتولى الإشراف على الأنشطة العسكرية لكل الدول الأعضاء في الـ “ناتو”، ومن غير المؤكد أن أية دولة أخرى في الحلف ستكون قادرة على لعب هذا الدور، وقد يستمر حلف شمال الأطلسي في عمله على نحو أعرج في غياب الولايات المتحدة، بيد أنه من المرجح أنه سينهار بالكامل.

إن الاتحاد الأوروبي ليس في وضع يسمح له بالحلول محل حلف شمال الأطلسي في أي وقت قريب لأن قدراته العسكرية محدودة، وهو مؤهل لإدارة أزمات إقليمية بقدر أكبر منه لخوض حروب كبرى، وحتى لو تمكن جزء من حلف الـ “ناتو” من النجاة من دون مشاركة أميركية قوية فإن التحديات المتمثلة في القيادة المنقسمة وقدرات الردع غير الكافية والخصم الحازم، بوسعها معاً أن تزيد خطر الحرب مع روسيا، القوة الكبرى المصممة على قلب النظام الدولي الليبرالي رأساً على عقب.

تداعيات

ولن يقتصر الضرر على أوروبا إذا كان ترمب يريد الانسحاب من الـ “ناتو” لمعاقبة الحلفاء بسبب إنفاقهم الدفاعي غير الكافي، فما الذي يجعل الولايات المتحدة تحافظ على التزاماتها حيال حلفائها الآسيويين الذين يرصد كثيرون منهم حاليا للدفاع مبالغ أقل حتى من دول حلف الـ “ناتو”؟ وفي الوقت الحالي تزداد الروابط الدفاعية بين الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا، مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، متانة في مواجهة الاستفزازات الصينية، إلا أن عدم وجود قدر كاف من الثقة بالتزامات الولايات المتحدة قد يدفع بعض هذه البلدان نحو السعي إلى الحصول على الأسلحة النووية من أجل التعويض عن الميزات النووية التي تتمتع بها كل من الصين وكوريا الشمالية، وهو ما من شأنه أن يقوض الاستقرار الهش الذي ساد المنطقة لعقود من الزمن، كما أن تلاشي القيادة العالمية للولايات المتحدة ستكون له تداعيات سلبية عميقة في الشرق الأوسط، حيث هناك حاجة إلى قوات أميركية وتحالفات تقودها الولايات المتحدة للتعامل مع التهديدات الإرهابية.

وقد يعاني اقتصاد الولايات المتحدة أيضاً، وإذا أدى انهيار الردع إلى اندلاع حرب عامة مع روسيا أو الصين فإن الكلفة الاقتصادية لصراع من هذا النوع ستكون هائلة، ولقد تمكن مجرد عدد قليل من المقاتلين الحوثيين في اليمن من تعطيل الشحن العالمي من خلال هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، فتخيل كيف ستكون عواقب حرب تنشب بين القوى الكبرى؟ وعلاوة على ذلك فإن العلاقات التجارية غالبا ما تتبع الصلات الأمنية، وخلال العام الماضي تجاوزت قيمة تجارة السلع في الاتجاهين عبر الأطلسي 1.2 تريليون دولار، وتستثمر الولايات المتحدة نحو 4 تريليونات دولار في الصناعة الأوروبية، كما يعمل نحو 5 ملايين أميركي في صناعات مملوكة لأوروبا، ولهذا فإن لدى الولايات المتحدة مصلحة اقتصادية ضخمة في الحفاظ على السلام في أوروبا.

لقد مرت الولايات المتحدة بهذه التجربة في الماضي، وسعت واشنطن قبل الحربين العالميتين إلى التزام الحياد، إلا أن الجهود الرامية إلى تحقيق الانعزالية لم تنجح في الحالتين وأدت فقط إلى جعل الولايات المتحدة غير قادرة على المساعدة في ردع المعتدين في تلك الحربين، وفي نهاية المطاف انجذبت الولايات المتحدة إلى كلا الصراعين، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وبعد أن أدركت أخطار الانعزالية، ظلت الولايات المتحدة داخلة مع دول أخرى ومهدت الطريق لتأسيس منظمة حلف شمال الأطلسي ولـ 75 عاماً من السلام النسبي في أوروبا، ويجب على الولايات المتحدة ألا تنسى الدروس المؤلمة التي تعلمتها من القرن الماضي.

إن نسيان تلك الدروس من شأنه أن يتمخض عن المجازفة بتقويض القيادة العالمية للولايات المتحدة وإضعاف النظام الدولي الذي بنته واشنطن، وجعل العالم أكثر أماناً بالنسبة إلى الحكام المستبدين.