هل سيختلف تعامل ترامب ترامب 2.0 مع قضايا الشرق الأوسط

هل سيختلف تعامل ترامب ترامب 2.0 مع قضايا الشرق الأوسط

يبدو فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر مرجحا لكن المثير للاهتمام هو خطوات إدارته المحتملة في علاقة بالشرق الأوسط. وهذا الاحتمال يثير مخاوف كثيرة في ضوء تأثيرات رئاسته السابقة على المنطقة.

واشنطن – لا يفترض محللون أن سياسات المرشح الجمهوري دونالد ترامب، في حال فوزه في الانتخابات الأميركية، سوف تكون تكرارا لنفس سياساته في فترة رئاسته السابقة (2017 – 2021)، وذلك بحُكم تغيُّر السياق الدولي والإقليمي، فلا الولايات المتحدة اليوم هي نفسها التي تولى ترامب رئاستها منذ سبع سنوات، ولا الشرق الأوسط اليوم هو ما كان عليه من قبل. كما أن الشخص نفسه ليس هو بالضرورة نفس الشخص، وربما تكون أفكاره قد تطورت وتغيرت، ثم إن شخصية الرئيس وتوجهاته ليستا العاملين الوحيدين في صُنع السياسة الأميركية، فهناك مصالح قومية مستمرة تحميها وترعاها مؤسسات الدولة العميقة.

ويرى الدكتور علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة في تقرير نشره مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة أن في الكثير من الأحيان، يكون الاختلاف بين رئيس وآخر في الآليات والوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف ذاتها.

وتنطلق مواقف أي رئيس أميركي من نظرته إلى النظام العالمي، ولدور واشنطن فيه، وللمصالح القومية الأميركية الحيوية التي ينبغي حمايتها والدفاع عنها. وعندما نتأمل في نظرة ترامب إلى العالم، فسوف نجد أنها تتسم بسمتين رئيسيتين.

وتبنى ترامب نهج “الواقعية الهجومية” في العلاقات الدولية، والتي تعتبر أن هدف أي دولة هو تعظيم عناصر قوتها الشاملة بمختلف عناصرها المادية وغير المادية، وأن جوهر العلاقات بين الدول هو التنافس والصراع. وتضيف أن قوة الدولة تتحدد بما تمتلكه فعلا من قدرات تحت سيطرتها المباشرة، وليس من خلال إقامة التفاهمات والتحالفات مع الدول الصديقة، كما أنها تتبنى منهجا استباقيا يأخذ بزمام المبادرة، ومن ثم يصبح هدف الدولة هو مضاعفة قدراتها بشكل مستمر ومنفرد، وعدم الاعتماد على سياسات التوازن الدولي.

في عالم السياسة، العبرة في اتخاذ قرار ما تتحدد بشكل توازن القوى والمصالح في حينه

وتتم إدارة العلاقات الدولية أيضا من خلال منطق “الصفقات”، الذي يجيده ترامب باعتباره رجل أعمال يركز على “المعاملات” بين أطراف الصفقة.

ووفقا لهذا النهج، فإن إدارة الدولة تتم بطريقة مشابهة لإدارة الشركة، يكون شاغلها اعتبارات “المكسب والخسارة” وهدفها زيادة الأرباح.

وتُعطي هذه النظرة الأولوية للعلاقات الثنائية بين الدول، وللمكاسب المباشرة قصيرة الأجل المترتبة على كل صفقة، وذلك على حساب الانخراط في أنشطة التنظيمات الدولية، والأُطر الجماعية بما تتضمنه من التزامات، وأهداف، ومصالح، وقيم مشتركة طويلة الأجل.

وأثناء حملته الانتخابية، تناول ترامب قضايا الشرق الأوسط بكلمات مختصرة ومتناثرة، وفي الغالبية العظمى من الحالات لم تكن قراءة من نص مكتوب، ولكن عبارات وردت في أحاديثه أمام تجمعات لمؤيديه في الانتخابات أو ردا على أسئلة في مقابلات إعلامية.

وسوف يكون على ترامب، إذا فاز في الانتخابات المقبلة، التعامل مع القضية المشتعلة في المنطقة، وهي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والتي بدأت من عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، ودخلت شهرها العاشر حتى يوليو 2024، ولا يمكن الجزم بالوضع الذي ستكون عليه في العشرين من يناير 2025 وهو تاريخ تولي ترامب الرئاسة إذا نجح.

ويُعد ترامب حليفا قويا لإسرائيل وله علاقة متميزة مع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وفي فترة رئاسته السابقة، قرر ترامب في ديسمبر 2017 نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس، واعترفت إدارته في مارس 2019 بمرتفعات الجولان المُحتلة “كجزء من إسرائيل”، ولم تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المُحتلة مُخالفة للقانون الدولي، وذلك بما يتناقض مع الموقف الأميركي التقليدي وقرارات الشرعية الدولية.

ولم يعترف ترامب أبدا بالحقوق القومية والسياسية للشعب الفلسطيني، واعتقد أن حل المشكلة الفلسطينية يكون من خلال “السلام الاقتصادي”، وتحسين الأحوال المعيشية للفلسطينيين، فيما سُمي حينها بـ”صفقة القرن” والتي أعلن عنها في يناير 2020، تحت اسم “سلام نحو الازدهار”، وكان أقصى ما يمكن للفلسطينيين الحصول عليه في هذه الخطة هو “حكم ذاتي للسكان” في بعض مناطق الضفة وقطاع غزة. كما عمل ترامب بنشاط على تشجيع وتحفيز الدول العربية على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

ولم تضف تصريحات ترامب في حملته الانتخابية جديدا، فاتسمت بدعم إسرائيل ولم يطلب منها أبداً وقف الحرب الجارية على قطاع غزة، أو عدم استهداف المنشآت المدنية، أو تسهيل دخول مواد الإغاثة الإنسانية للقطاع، بل على العكس، كان من تصريحاته المبكرة، أن هذه الحرب سوف تستمر طويلاً، وأنها جزء من صراع امتد لحقب عديدة.

ومن التصريحات المهمة التي عبّرت عن موقف ترامب، استخدامه لتعبير “فلسطيني” كتهمة أو نقيصة. ولم يرغب ترامب في الالتزام بموقف إزاء قضية ما زالت في طور التغير.

وهكذا يمكن القول إن ترامب رجل واقعي يتعامل مع القضايا الدولية بمنهج “الصفقات” واعتبارات “المكسب والخسارة”؛ وإذا عاد إلى الحكم فسوف يدير سياسة بلاده وفقا لذلك.

ولعل وزارات الخارجية في الدول العربية والشرق الأوسط تضع السيناريوهات والتوقعات لمواقف ترامب في حالة فوزه.

من ناحية أخرى، فإن أغلب الحكومات العربية لها سابق معرفة وتعامل مع ترامب. وتتذكر أن أول رحلة خارجية قام بها بعد توليه الحكم كانت للسعودية في مايو 2017، والتي عقد خلالها ثلاث قمم هي: “سعودية أميركية، وخليجية أميركية، وعربية إسلامية أميركية”. وباستثناء موضوع فلسطين، فقد تطورت علاقات التعاون بين هذه الحكومات وواشنطن في ظل رئاسته.

وهناك قضية أخرى على ترامب في حال فوزه التعامل معها وهي العلاقة مع إيران، التي قرر في الثامن من مايو 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي معها، والعودة إلى سياسة “العقوبات القصوى” بحجة أن الاتفاق لم يمنع طهران من سعيها للحصول على السلاح النووي، أو الحد من جهودها لتطوير منظومة الصواريخ الباليستية.

وإذا فاز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإنه سوف يواجه موقفا مختلفا عما تعامل معه في فترة رئاسته السابقة. فمن قبل كان الهدفان الرئيسيان له هما: منع إيران من الوصول إلى درجة تخصيب اليورانيوم التي تُمكِنها من إنتاج سلاح نووي، ووقف مشروع إنتاج الصواريخ الباليستية. ويبدو أن كلا الهدفين قد تجاوزه الزمن. أما هدف وقف تدخلات إيران في شؤون الدول العربية، فربما أصبح غير ذي معنى بعد تحسن العلاقات بين الطرفين.

ترامب يُعد حليفا قويا لإسرائيل وله علاقة متميزة مع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو

ومن الأرجح، أن تزداد حالة التوتر بين واشنطن وطهران، وأن يقوم ترامب بتغليظ العقوبات المفروضة على إيران، بحجة دعمها للتنظيمات المناهضة لإسرائيل، وأيضا لسبب آخر وهو تزويدها روسيا بالطائرات المُسيّرة في الحرب على أوكرانيا.

وربما يمارس ترامب ضغوطا على دول عربية لمنع تطوير علاقاتها مع طهران. ومن الأرجح أيضا، أن يحتل العراق أهمية خاصة في هذا الشأن، بحكم علاقته مع إيران ودور بعض الفصائل العراقية المُسلحة ضد إسرائيل.

وسوف يعترض جهود ترامب موقف الإنكار الإسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني ورفضها إقامة دولة فلسطينية، وسوف يكون من الصعب مسايرة الدول العربية لهذه الضغوط، في الوقت الذي تطرح فيه إيران نفسها كمناصرة للحقوق الفلسطينية. ومن المفارقات أن في الوقت الذي صوت فيه الإيرانيون لرئيس إصلاحي جديد هو مسعود بزشكيان، فمن المُحتمل أن يصوت الأميركيون لترامب.

ويدرك ترامب أن الولايات المتحدة لم تعد الفاعل الوحيد في الشرق الأوسط، وأن الصين وروسيا نجحتا في بناء وتطوير علاقات وثيقة مع العديد من الدول الصديقة والحليفة لواشنطن، وأن بكين أصبحت الشريك التجاري الأول للكثير من دول المنطقة.

وقد يقوم ترامب بالضغط على الدول العربية لإبعادها عن الصين وروسيا، ولكن من الأرجح أن تبوء مثل هذه المحاولة بالفشل، وذلك لإدراك الدول العربية التحولات الحادثة في النظام الدولي، وأن وجود قطب واحد يسيطر على العالم لا يخدم مصالحها.

وكل هذه الاحتمالات السابقة واردة، ولكن لا يمكن الجزم بشأن أي منها. ففي عالم السياسة، فإن العبرة في اتخاذ قرار ما تتحدد بشكل توازن القوى والمصالح في حينه.

العرب