اقتصاد فنزويلا بين الريع النفطي والضغط الجيوسياسي

اقتصاد فنزويلا بين الريع النفطي والضغط الجيوسياسي

الباحثة شذا خليل*
يعتمد اقتصاد فنزويلا تاريخياً وبشكل شبه كامل على النفط، الذي شكّل لعقود المصدر الأساسي للعملة الصعبة وإيرادات الدولة. هذا الاعتماد العميق جعل الدولة تموّل الرواتب والدعم والخدمات العامة من عائدات النفط، وهو ما خلق نموذجاً اقتصادياً هشّاً بطبيعته. فعندما ترتفع أسعار النفط تتوسع القدرة على الإنفاق، وعندما تنخفض تظهر سريعاً الاختلالات في الميزان التجاري، ويتصاعد الضغط على الاستيراد والأسعار وسوق العمل.

منذ عام 2014 دخل الاقتصاد الفنزويلي مرحلة انهيار عميق وغير مسبوق. تراجع الإنتاج بشكل حاد، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، وظهرت نقص حاد في السلع الأساسية والأدوية. وترى معظم التحليلات أن هذا الانهيار لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل عدة أسباب، أبرزها هبوط أسعار النفط العالمية، وتراجع كفاءة شركة النفط الوطنية بسبب ضعف الاستثمار وسوء الإدارة، إضافة إلى سياسات اقتصادية غير فعالة، وانتشار الفساد، وتقييد الوصول إلى التمويل الخارجي.

يبقى النفط محور كل شيء في فنزويلا، ليس فقط كسلعة تصديرية، بل كعنصر حاسم في بنية الاقتصاد والدولة. فهو المصدر الرئيسي للدولارات اللازمة لاستيراد الغذاء والدواء والمواد الصناعية، والركيزة الأساسية لتمويل الإنفاق العام، كما أنه أداة جيوسياسية مؤثرة في علاقات فنزويلا مع القوى الكبرى وفي تأثير العقوبات الدولية. لذلك، فإن أي ضغط خارجي على تدفقات النفط أو التمويل يتحول بسرعة إلى ضغط اقتصادي مباشر داخل البلاد.

في هذا السياق يمكن فهم سبب تركيز الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اقتصاد فنزويلا. فالهجوم لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل جاء ضمن مقاربة متعددة المستويات تشمل الأهداف السياسية، وأدوات الضغط عبر العقوبات، والبعد النفطي المرتبط بأسواق الطاقة والجغرافيا السياسية. فمن جهة، استخدمت السياسة الأميركية ملف الانتخابات والحكم وحقوق الإنسان لتبرير الضغط، لكن التطورات الأخيرة، كما في أحداث يناير 2026، أظهرت أن بعض التحركات أدت عملياً إلى إضعاف المعارضة وترك الحزب الحاكم في موقع أكثر قوة، ما جعل الضغط يبدو كأداة لإنتاج نتائج سياسية محددة، حتى وإن كانت مثيرة للجدل داخلياً.

ومن جهة أخرى، شكّلت العقوبات وسيلة للسيطرة على ما يمكن وصفه بـ“أكسجين” الاقتصاد الفنزويلي، عبر تقييد الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، وعرقلة بيع النفط وشحنه وتأمينه، والحد من التعامل عبر القنوات المرتبطة بالدولار. لذلك فإن أي تشديد أو تخفيف في هذه العقوبات ينعكس فوراً على حجم الإيرادات النفطية الفعلية وقدرة الدولة على الاستيراد.

أما في المرحلة الأخيرة، فقد أصبح البعد النفطي أكثر وضوحاً، حيث أشارت تقارير إلى محاولات لإعادة ترتيب مسارات بيع النفط وتقليص استفادة أطراف معينة من العائدات، بما يخدم أولويات أميركية تتعلق بالطاقة والنفوذ. هنا لم يعد الأمر مجرد ضغط سياسي، بل محاولة للتأثير على من يملك السيطرة العملية على عائدات النفط وسلاسل الإمداد.

اقتصادياً، سواء كان الهدف سياسياً أو نفطياً أو مزيجاً من الاثنين، فإن النتائج على فنزويلا واحدة تقريباً: ارتفاع كبير في حالة عدم اليقين، ضعف الاستثمار والتخطيط، تقلب حاد في الإيرادات النفطية ينعكس على الإنفاق العام وسعر الصرف، واحتمال اضطراب الشحن والمدفوعات، مع ازدياد الضغط الاجتماعي إذا انعكست الصدمات على السلع والخدمات وفرص العمل.

في المحصلة، ركّز ترامب هجومه على اقتصاد فنزويلا لأن النفط يمثل مصدر القوة والتمويل الأساسي للدولة، والتحكم بعائداته أو تقييدها يبقى أسرع وأقوى طريق لصناعة نفوذ سياسي وجيوسياسي داخل فنزويلا وفي محيطها الإقليمي.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية