امتدت التظاهرات الشعبية الإيرانية في التواصل مع أول انطلاقة لها في 28 كانون اول 2025، لتشكل حالة من الغليان المتقد الذي اكتسح أكثر من (32) محافظة بمشاركة فعلية من تجار الباز ومساندة من طلبة الجامعات والمعاهد والعمال الصناعيين والهيئات التعليمية ،ورغم أن البداية كانت أسبابها اقتصادية تتعلق بارتفاع نسبة التضخم الذي وصل إلى 40٪ مع انخفاض كبير العملة المحلية بوصول سعر صرف الدولار الى (1400) مليون تومان وضعف الخدمات الإنسانية المتعلقة بتوفير المياه والكهرباء ، ثم امتدت الاحتجاجات لتأخذ منحى سياسي وغضب كبير على السياسة التي تتبعها القيادة الإيرانية في إدارة البلاد وضعف الإجراءات الميدانية في مكافحة الفساد والتصدي للأزمات الاجتماعية والاقتصادية باتساع ظاهرة البطالة واضمحلال الوسائل الفعالة لإيجاد تنمية اجتماعية مستدامة،مع تصاعد واضح في الخطاب الشعبي الذي ابتدأه المتظاهرون برفض المشروع السياسي التوسعي الذي يشرف عليه وتقوم بتفيذه القيادات الأمنية والعسكرية في فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني، بترديد شعارات ( لا سوريا ولا لبنان فداك نفسي إيران)، صاحبها تحد اقتصادي كبير بغلق جميع المتاجر الرئيسية وايقاف التعاملات التجارية من قبل كبار رجال الأعمال والتجارة في العاصمة الإيرانية (طهران) وباقي المدن الرئيسية.
وجاء أول إعلان من قبل القيادة الإيرانية على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي في الثالث من كانون الثاني 2026 الذي وصف طلائع الشعب المنتفصة ب( المخربين)، مما أطلق العنان للقوات الأمنية والشرطة الإيرانية لإطلاق النار نحو المتظاهرين والتي أدت إلى مقتل العشرات وجرح المئات منهم مع سلسلة مستمرة من الاعتقالات الجماعية،ووصل الأمر إلى مداهمة المستشفيات والمراكز الطبية واعتقال المصابين والجرحى، وهي ما خالفت به ما أعلنته المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية ( فاطمة مهاجراني) حوا إيجاد آلية للحوار مع الناس واعتراف بحق المتظاهرين وضرورة الاستماع إليهم، واعتبرتها ( فرصة لإصلاح وتعزيز القاعدة الاجتماعية بما يعزز أساس الحوار).
واتسعت الاحتجاجات بطبيعة الهتافات التي نادت بسقوط القيادة الإيرانية وحرق بعض من مقرات الباسدار ومراكز الشرطة مع إسقاط التماثيل وحرق الصور لرموز النظام الإيراني، مما أدى إلى مواجهة اخذت مسارًا تضمن اعترافًا بالتظاهرات وحق الطلائع المنتفضة مع إعطاء وعود من قبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بدراسة طلبات المتظاهرين والنظر بتنفيذ بعضًا منها ووعود بالتغيير والإصلاح في مؤسسات الدولة وسياسة النظام، في حين اعتبرتها جهات أخرى في القيادة الايرانية أنها تشكل انقلاباً واضحًا وخروجًا عن القوانين والأنظمة ودعوة للتمرد والاضرار بمصالح الشعب، في حين اخذت الجهات الدولية والاقليمية طابع المتابعة الميدانية لما ستؤول إليه التظاهرات والأساليب المتبعة من قبل الأجهزة الأمنية في مواجهة المحتجين، فجاء خطاب الإدارة الأمريكية محذرًا من قمع المظاهرات والتهديد بالتدخل لحمايتها، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مرات.
أدى اتساع حجم الاحتجاجات وتأثيراتها الميدانية وتعاضد أبناء الشعوب الإيرانية في الإستمرار بالتواجد في الساحات العامة والشوارع الرئيسية ومواجهة العناصر الأمنية والمطالبة الجادة بتنفيذ مطالبهم ومراعاة حقوقهم بالدعوة لإسقاط المؤسسات الحاكمة وأحداث الإصلاح السياسي والاقتصادي،
أن أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني اتهامه للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالاعداد للتظاهرات ودعم الاحتجاجات وتقديم المساعدة للطلائع المنتفضة في مسعى لاحداث حالة من عدم الاستقرار والأخلال بالأمن العام والتأثير على الأوضاع الداخلية واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإيراني وفشل المؤسسة الحاكمة في تقديم أي مبادرات وآليات واقعية وحقيقية لمعالجتها، ورافق البيان حديث المرشد الأعلى علي خامنئي في التاسع من كانون الثاني 2026 بأن ( هناك مثيرون للشغب يريدون إرضاء الرئيس الأمريكي بتخريب الممتلكات العامة في بلادهم)، في إشارة إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي حذر فيها إيران من استخدام العنف ضد المتظاهرين، مؤكدًا لشبكة فوكس نيوز القوات الأميركية (جاهزة لضرب إيران إذا أساءت التعامل مع المحتجين، وأنه في حالة متابعة دائمة لإعداد المتظاهرين، وأن مستوى الحماس الشعبي لإسقاط النظام لافت للانتباه).
وأكد علي خامنئي ( أن إيران لن تتسامح مع المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب، وأن هناك من يعمل على إرضاء الرئيس الأمريكي بتخريب الممتلكات العامة)،وهذا ما يشكل اتهامًا واضحًا للمتظاهرين وسلوك وتوجه سبق وأن تعاملت معه القيادة الإيرانية في الاحتجاجات الشعبية التي اكتسحت المدن الإيرانية في الأعوام ( 2018-2019-2022)، عند مواجهتها للمواطنين.
جاءت تصريحات علي خامنئي في وقت يشتد فيه الرفض الشعبي لقيادته ونظامه السياسي، مع مواجهة عنيفة مع منتسبي الأجهزة الأمنية أدت إلى إصابة المئات من المتظاهرين ومقتل العشرات منهم، في تحدي واصرار كامل ومستمر للهيئات والدوائر السياسية والأمنية في تعاملها مع الانتفاضة الشعبية العامة التي بدأت الأوساط السياسية الإيرانية تخشى من تحولها إلى ثورة شعبية تهدد اركان النظام وتسارع في إسقاطه،، بعد الدعم الأوروبي الذي تلقته المجاميع المنتفضة من عدة دول وهيئات انسانية تعنى بحقوق الإنسان وحرية الرأي وادانتهمم لكل محاولات القمع والتعسف الذي تقوم به السلطات الإيرانية ضد المتظاهرين.
أن إصرار القيادة الإيرانية على التعامل مع الجموع الشعبية على أنها أدوات تستخدم من قبل جهات دولية إقليمية لخدمة مصالحها، إنما يعني ابعادها عن فهم وادراك ما يعاني أبناء الشعوب الإيرانية بل التغاضي عن حقوقهم واهدافهم وغاياتهم في العيش الكريم وتوفير المناخ السياسي الملائم لاستعادة حقوقهم المدنية واحترام ارادتهم، ويعكس حالة الخلاف والنزاع السياسي بين اقطاب النظام الإيراني في كيفية معالجة الأوضاع التي تمر بها بلادهم واعتماد الصيغ والأساليب الإيجابية في معالجة استمرار المد الشعبي المعارض.
ومواجهة أكبر وأوسع انتفاضة شعبية عارمة منذ قيام النظام الإيراني في عام 1979 بوصول الخميني إلى إيران قادمًا من باريس العاصمة الفرنسية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
