العراق وأسطوانة الفساد المستشري

العراق وأسطوانة الفساد المستشري

630

من جديد تطفوا على السطح ملفات فساد واتهامات متبادلة بين السياسيين والكتل السياسية في العراق ، وقد كان اخر هذه الاتهامات إقالة مديرة المصرف العراقي للتجارة تمهيداً لإحالتها إلى القضاء ، وتوجيه تهمة من قبل برلمانيين لوزارتي الزراعة والتربية وزارتي الصناعة والتربية ، من بينها عقد سرقة مولدات مع صك ، وسرقة صكوك ، وعقد سرقة أجهزة تكييف وعقود فساد في وزارة التربية ، وهيئة النزاهة في البرلمان تحيل 6 مسؤولين كبار الى القضاء، والأعرجي يتهم الشهرستاني بنهب 15 مليار دولار عندما كان وزيرا للنفط.
يعود الحديث عن الفساد المالي والإداري في العراق الى اكثر من عقد ونيف ،وهو بداية الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003، منذ ذلك التاريخ الاسود ،بدأت رحلة العراق مع الفساد والتهب والسرقة التي لم تبقي على شيء من خيراته .
وفي محاولات كثيرة للكشف عن فضائح الفساد في دوائر الدولة ووزاراتها ،لم تفلح المحاولات في استئصال الفساد الذي جعل من العراق تتصدر دول العالم في مؤشر مدركات الفساد ولسنوات عدة
بعد رحيل القوات الاميركية المحتلة عن ارض العراق ، بدأت أصابع الاتهام بالفساد تتجه في كل حدبٍ وصوب، وهنا نذكر اتهامات وجهت إلى الحاكم الأميركي بول بريمر بضياع أكثر من 8 مليارات دولار والتي يرى فيها المراقبين انها فتحت باب الحديث عن الفساد على مصرعيه .
استمر الحديث عن الفساد وبدأت هيئة النزاهة بتوجيه الاسئلة والاستفسارات للوزارات التي تثار حولها قضايا الفساد المالي والاداري ،الا ان العوامل السياسية كانت في الواجهة ،حيث بدأت الاحزاب تقف في وجه الهيئة وتعيق عملها ، بمعنى ان هذه الاحزاب كانت تواجه اي دعوة ضد احد اعضائها ،وهو ما شكل عائقا في وجه الهيئة ،ومكن الفاسدين من الافلات من المسائلة.
لقد صنّفت منظمة الشفافية الدولية العراق كثالث أسوأ بلد في العالم من حيث الفساد في 2006 و2007 و2008 – ورابع أسوأ بلد في العام 2009. ووضع البنك الدولي أيضاً العراق في أسفل القائمة، ليأتي في المرتبة الثانية بين الدول الأكثر فساداً في العالم.
لم يقتصر الفساد المالي على سرقة المال العام فحسب ،بل اصبح يطال حياة الابرياء من العراقيين ،وهنا نعود بالذاكرة الى عام 2008 عندما انتشر وباء الكوليرا بين المواطنين ، وكشفت التحقيقات ان عدم تعقيم مياه الشفة المحلية هو السبب، وأن المسؤولين العراقيين حصلوا على رشاوى لشراء مادة الكلور منتهية الصلاحية من إيران منذ وقت طويل. ومع ذلك أخلي سبيل العضو في مجلس مدينة الحلة المتورط في عقد الكلور، بعد وقت قصير من توقيفه، وذلك بسبب روابطه مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وهو حزب نافذ موالٍ لإيران.
وفي عهد حكومة نوري المالكي ازدهرت عمليات الفساد وبلغت اوجها ، وهنا على سبيل المثال نذكر مثال صفقة الاسلحة الروسية عام 2012 حيث قدرت الرشى بأكثر من 200 مليون دولار، وانطوت الصفقة على قضايا فساد لاحقت كبار المسؤولين في الحكومة، وقد كان من المقرر أن يدفعها وسطاء على شكل عمولات إلى المسؤولين العراقيين عن إبرام صفقة السلاح الروسية التي تفوق قيمتها 4 مليارات و200 مليون دولار.
لم يقف الامر عن هذا الحد بل حرصت حكومة المالكي إخفاء الحسابات الختامية للموازنات العامة للدولة، للتغطية على حجم السرقات والفساد الذي تتعرض له الموازنة في سنواتها المالية المتلاحقة، وتؤكد مصادر برلمانية عراقية قيام نوري المالكي بسرقة نحو 20 مليار دولار أمريكي من الموازنة العامة للبلاد سنويا، وأضيف هنا ان المبلغ يتجاوز ذلك حيث تم اخفاء مبلغ تجاوز 850 مليون دولار من قبل المالكي وحكومته ولم يعرف مصيرها الى الان .
وما يدل على ما سبق ان العراق لم يحظى من عوائد النفط التي بلغت اوجها خلال الاعوام التي سبقت انهيار النفط عام2014 ، حيث عانت الموازنة السنوية من عجوزات ضخمة ارهقت جيب المواطن ،دون ان يكون هناك حق للمواطن حتى حق الاستفسار ، ويعلم العراقيون كيف دأبت كحومة المالكي على اثارت الطائفية وخلق الحروب الوهمية التي راح ضحيتها الاف العراقيين الابرياء دون ان يستطيع احد ان يوجه له سؤال ، وبطبيعة الحال كانت ايران تقف ظهيرا للمالكي واعوانه .
لقد طال الفساد كل الوزارات في الدولة العراقية دون رقيب او حسيب وما كان الا ان سقط البلد في آتون ازمة مالية خانقة ،يدفع فاتورتها المواطن العراقي البسيط ، دون ان يكون له الحق في المطالبة بأي من حقوقه .
لو انتقلنا الى الفساد في ملف النفط وهو الاضخم لكون العراق بلد ريعي بامتياز ، وتشكل ايرادات النفط نحو 95% من ايرادات الحكومة ،حال هذا القطاع مؤلم فقد استطاع الساسة على مر الحكومات المتعاقبة ان يحصلوا على نصيبهم ، وبلغت عائدات النفط بمئات المليارات الا احدا لم يعرف الى اين تذهب ، او في اي وجهة تصرف ، ناهيك عن الفساد في جولات التراخيص لتي تعد أكبر صفقة فساد في القرن الواحد والعشرين ، والعقود الضخمة الوهمية، الى ان وصلنا الى فترة انهيار اسعار النفط التي اعلنت بداية انهيار الاقتصاد والقضاء على اي فرصة للتنمية .
لقد افرزت الازمة المالية في العراق والتي لا ارى فيها الا انها نتاج فساد مستشري منذ سنوات تتجاوز العقد من الزمان ، انتجت شعب يعاني الفقر بنسبة كبيرة ،وانتشار البطالة بين صفوف الشباب ، ترهل اداري في دوائر الدولة ومؤسساتها ، وتهريب الأموال إلى خارج العراق ،بالتالي بلد مدمر بفعل الساسة والمحاصصة الطائفية، واطلاق يد ،عدو العراق الازلي ايران، لتسرق مقدرات البلد وخيراته بشكل مباشر او عن طريق اتباعه وميليشياته التي تمزق جسد العراق .
العراق الذي كان في يوم من الايام في مقدمة البلدان العربية في كل المجالات، بات اليوم مرتعا للفساد والمفسدين الذين تاجروا بدماء العراقيين من اجل حفنة دولارات، وسلموا البلاد لأعدائها ،وطردوا الكفاءات الوطنية، وفتحوا الباب امام الحروب الطائفية، وادخلوا الارهاب الذي احرق الاخضر واليابس ، فلا عجب ان تصبح بلاد الرافدين اليوم أسوء البلدان للعيش في العالم، والاولى عالميا من حيث الفساد ، فعندما يتولى الصوص والعملاء دفة الحكم ستكون هذه هي النتيجة الطبيعية لوجودهم !

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية