سوريا وشبح التقسيم

سوريا وشبح التقسيم

تقسيم

أطلق نائب وزير الخارجية الروسي بالون اختبار بتصريحه حول جدوى تطبيق الفيدرالية في سوريا مستقبلاً، وأطلق وزير الخارجية الأميركي تحذيراً من التقسيم عشية انطلاق الهدنة المؤقتة، بينما أطلق مجلس الأمن تأكيدات في قراره 2258 على قراره المؤسس للمفاوضات (2254) التي تهدف إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية، وكانت كل قرارات مجلس الأمن التي وقعت عليها روسيا وأميركا وأعضاء مجلس الأمن تؤكد وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وتعلن أن السوريين وحدهم هم الذين يقررون مستقبلهم ويختارون شكل الحكم الذي يريدون والدولة الجديدة التي سيبنون. ولكن التصريحات المتلاحقة تخالف ذلك وتجس نبض الشعب السوري حول موقفه المتوقع من تفتيت سوريا مرة عبر انزلاقات «فيدرالية» سرعان ما قد تتطور إلى «كونفيدرالية» ثم إلى التقسيم الذي يريده بعض الموالين للنظام السوري الراهن كي يضمنوا بقاء مناصبهم التي تحميهم من المساءلة وتشبع شهوتهم للتسلط على الشعب.

ويبدو أن فاعلية الشعار الشهير «الأسد أو ندمر البلد» قد تحققت بدمار البلد ونزوح الملايين من شعبه، ولكن بقيت الأرض، لهذا يتم التمهيد لشعار جديد «الأسد أو نقسّم البلد»، والمؤسف أن موضوع التقسيم كان الحل المقترح الخفي من أول يوم ظهرت فيه الاحتجاجات قبل أن تتطور إلى مواجهات عسكرية. وقد كنت أسمع من دوائر مهمة قريبة جداً من مركز القرار همسات تردد «لا حل إلا بالتقسيم»، وكنت أقول لهم «هذا يعني إما أن تحكموا سوريا أو تنفصلوا عنها»! وقد سبق أن قسمت سوريا في عهد الانتداب الفرنسي، ولكن الشعب كله رفض ذلك، ولم يتفاعل أحد مع التقسيم، وهذا ما سيحدث الآن بعد مئة عام من تجربة فاشلة إذا فرضته قوى دولية وساندته مجموعات صغيرة من طوائف أو أقليات متورطة في الدم السوري وتخشى المحاسبة، أو أنها لم تعد قادرة على العودة إلى موقع المواطن بعد التعود الطويل على دور الحاكم المستبد.

ولا يمكن أن ينجح تقسيم في سوريا لأن شعبها يعيش في تمازج كلي، فحتى الأكراد الذين تريد فئة منهم تكوين كانتون كردي في الشمال السوري لا يتفردون وحدهم بهذا الشمال، فهناك العرب وأعراق عدة وقوميات أخرى تعيش في المنطقة منذ مئات السنين، وغالبية الكرد يرفضون الانفصام عن سوريتهم الأصيلة وعن صلتهم الأعرق مع العرب عبر التاريخ كله، وسكان أحياء ركن الدين وحي الأكراد في العاصمة مثلاً، دمشقيون شاميون مثل كل سكان دمشق الأصلاء. والعلويون الشباب يعيشون في دمشق التي ولد غالبيتهم فيها بعد أن هجر آباؤهم جبال العلويين في الساحل ليسكنوا في العاصمة، وصارت جبال العلويين لهم موقع نزهة واستجمام. أما الساحل السوري، ففيه غالبية من أهل السنة، وقد نزح إليه مؤخراً كثير من مؤيدي النظام من السنة ومن سواهم، فضلاً عن الصامتين، ولن ينجح التغيير السكاني إلا بإقدام الانفصاليين على ارتكاب مزيد من المجازر الجماعية تروع السكان ليجبروا على الهجرة إلى تجمعات طائفية، وهذا سيعني حروباً جديدة طويلة ترهق السوريين جميعاً ولن تستطيع الولايات المتحدة وروسيا وإيران وإسرائيل معاً أن توقف شلال الدماء. وسيكون شعور أهل السنة بالمظلومية مريعاً إذا تركوا ضحايا كما حدث في السنوات الماضية التي كان منهجها تشريدهم وتدمير أماكن تجمعهم السكني في المحافظات، وقتل أبنائهم واعتقالهم وتهجيرهم إلى مخيمات بائسة لا يوجد فيها إلى اليوم غير أهل السنة، ومن ثم تحويلهم إلى أقلية في سوريا وهذا ما يوشك أن يحدث! وبعضهم يتندر وسط الأسى، ويقول ربما سيكون من حسن حظنا أن نصير أقلية في سوريا عسى أن نحظى باهتمام دولي وتشملنا الرعاية الأممية!

لقد عاش أهل السنة السوريون منذ الانتداب الفرنسي وهم يحاذرون أن يظهروا أكثرية، حتى بات أحدهم يخجل أن يذكر أنه من السنة، وكانوا يقدمون الشخصيات الوطنية من كل المكونات العرقية والطائفية ويجلونها كما فعلوا مع صالح العلي وسلطان باشا وفارس الخوري ومئات سواهم، وحين ظهر حافظ الأسد رحبوا به ولكنهم ثاروا مرات على الاستهانة بالحريات، ولم تكن القضية الطائفية تعنيهم، وهم الذين أعادوا توحيد سوريا بعد أن قسمها الانتداب. ومرة قلت في مؤتمر رسمي حول ضمان مستقبل الأقليات في سوريا عقد في واشنطن العام الماضي «لقد عشت عمري وهويتي سورية، أنتم الآن تذكرونني بأنني سني». والتقسيم يدمر الهوية السورية، وسيحيي الطائفية رغماً عن كارهيها، وستكون له تداعيات كبيرة وخطيرة في المنطقة. وأما الفيدرالية فالحديث عنها سابق لأوانه، ولا مانع من تعميق اللامركزية ومن تمكين الإدارة المحلية، وهذه أمور تترك للدستور القادم، لقد خرج شعبنا يطلب الحرية، ولن يقبل أن يكون عقابه تقسيم سوريا ومحوها من الخريطة.

رياض نعسان آغا

صحيفة الاتحاد