جردة حساب الحرب على الإرهاب

جردة حساب الحرب على الإرهاب

1_648693_1_34

تزامن إصدار وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي الذي ترصد فيه أنماط وتطور وعدد العمليات الإرهابية وعدد ضحاياها حول العالم، ومقارنة تلك الأرقام والنسب مع الأرقام والنسب في العام السابق. وقد شهدت حصيلة العام الماضي تراجعاً في عدد العمليات الإرهابية وعدد ضحاياها في دول، ولكنها شهدت أيضاً زيادة في دول أخرى. وقد تزامن صدور ذلك التقرير مع تحذير الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند في مؤتمر «مبادرة السلام للشرق الأدنى» في باريس من أن «الفراغ الدبلوماسي في الشرق الأوسط يغذي الإرهاب والمتشددين».

وقد أشار تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن «الإرهاب العالمي»‏Global Terror Attack- 2015 إلى أن العام الماضي شهد ‬تراجعاً ‬في ‬عدد ‬العمليات ‬الإرهابية ‬بنسبة ‬13% مقارنة ‬مع ‬عام ‬2014، وهذا هو ‬أول ‬تراجع ‬في ‬عدد ‬ونسبة ‬العمليات ‬الإرهابية ‬منذ ‬عام ‬2012. وكذلك سجل انخفاض ‬في عدد ‬قتلى ‬تلك ‬العمليات ‬الإرهابية. ‬وسبب ‬تراجع ‬نسبة ‬وعدد ‬الضحايا هو ‬تراجع ‬عدد ‬العمليات ‬الإرهابية ‬في ‬العراق ‬وباكستان ‬ونيجيريا، ‬وذلك ‬على رغم ‬وقوع ‬عمليات ‬إرهابية ‬في ‬92 ‬دولة ‬حول ‬العالم. وحسب ‬بيانات ‬أعدتها ‬جامعة ‬مريلاند ‬لوزارة ‬الخارجية ‬الأميركية، فقد ‬كان ‬هناك ‬11774 ‬هجوماً ‬إرهابياً ‬حول ‬العالم ‬في عام ‬2015، أسفرت ‬عن ‬مقتل ‬أكثر ‬من ‬28300 ‬قتيل ‬وأكثر ‬من ‬35300 ‬مصاب.

وقد وقعت نسبة 55% من الهجمات الإرهابية في عام 2015 في خمس دول هي العراق وباكستان وأفغانستان ونيجيريا والهند. وزاد أيضاً عدد الهجمات الإرهابية في مصر وسوريا وتركيا وأفغانستان وبنغلادش والفلبين.

وأشار تقرير «الإرهاب العالمي 2015» إلى ما يكرره بانتظام التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية، عن إيران، فعلى رغم توقيع الاتفاق النووي والتقارب الأميركي- الإيراني، فقد اتهم التقرير إيران بأنها الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم، وتقدم الدعم المالي والتدريب والتسليح لجماعات حول العالم. كما تستمر في تقديم السلاح والدعم المالي للجماعات الإرهابية الشيعية – بما فيها كتائب تنظيمي «حزب الله» في لبنان والعراق- المصنفين في لائحة المنظمات الإرهابية في تقرير الخارجية الأميركية. كما يؤكد أن إيران تستمر في تأجيج الصراعات في سوريا والعراق. وهي ضالعة في دعم أعمال العنف التي تقوم بها المعارضة في البحرين. ما يؤكد اتهامات حكومة البحرين بتدخل إيران في شؤونها الداخلية ودعم خلايا إرهابية، ما دفع البحرين لقطع علاقاتها مع إيران.

وأشار منسق عام التقرير أيضاً إلى أن الولايات المتحدة قلقة من أنشطة إيران التي تزعزع الاستقرار في المنطقة. وهذا التقويم الأميركي يدعم منتقدي الاتفاق النووي ويثبت ما حذرنا منه، خاصة أن الاتفاق النووي يعزز من قدرات إيران على التدخل أكثر في شؤون المنطقة وتهديد الأمن والاستقرار فيها، وهذا ما يثبته التقرير ومنسقه العام.

وأشار تقرير وزارة الخارجية الأميركية كذلك إلى أن تنظيم «داعش»، على رغم إلحاق ضربات موجعة به وانكماش الرقعة التي يسيطر عليها في سوريا والعراق، وقصف معاقله الرئيسية في الرقة وفي الفلوجة التي تشهد حرباً حقيقية، إلا أن التنظيم لا يزال يشكل أكبر تهديد على المستوى العالمي.‏‭ ‬وتأكيداً ‬لذلك ‬أشار ‬تقرير ‬للأمم ‬المتحدة ‬إلى أن «‬داعش» ‬شن ‬خلال ‬الستة ‬أشهر ‬الأخيرة ‬هجمات ‬إرهابية ‬في ‬11 ‬دولة، خارج ‬مناطق ‬وأنشطة ‬عمله ‬في ‬سوريا ‬والعراق ‬واليمن ‬وأفغانستان ‬وليبيا.

وحسب تقرير «الخارجية» الأميركية فعلى رغم خسائر التنظيم الكبيرة التي مُني بها في العراق وسوريا العام الماضي ممثلة في فقدان الكثير من الأراضي، إلا أن التقرير أشار إلى أن التنظيم، يبقى هو الخطر الإرهابي الأكبر على المستوى الدولي، خاصة أن «داعش» لا يزال يسيطر على معاقله في سوريا والعراق ويجند المقاتلين من حول العالم، ويضرب في أوروبا وأميركا، كما فعل في عام 2015. ومن الملاحظات المهمة أيضاً في تقرير الخارجية الأميركية عن الإرهاب العالمي في عام 2015 أنه قد انتشر وتمدد ولم يعد مركزياً.

ويشير التقرير إلى أن تنظيم «القاعدة» على رغم تصفية واستهداف قياداته وإضعافه منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001، إلا أنه لا يزال يشكل تهديداً، وأن الفرع الأخطر لهذا التنظيم هو «تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية»، الذي يتخذ من اليمن مقراً له.

وكان لافتاً أن يشير تقرير الخارجية الأميركية إلى أن تنظيم «داعش» يجتذب ويجند الشباب المحبطين من غياب الحريات والتعبير عن الرأي والفشل الاقتصادي. وأن مركز أنشطة الجماعات الإرهابية هو بالدرجة الأولى في الشرق الأوسط، إلا أن هناك تمدداً في أنشطة الجماعات في أوروبا من المقاتلين العائدين، وكذلك في أفريقيا. ويرصد أنشطة جماعات موالية لـ«داعش» و«القاعدة» في أفريقيا مثل «بوكو حرام» في نيجيريا و«حركة الشباب» في الصومال.

ويختم التقرير بالإشارة أن هناك ثلاثة عشر ملاذاً تعمل فيها الجماعات الإرهابية منتشرة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، حيث تعمل تلك الجماعات الإرهابية على التجنيد والتدريب والتأهيل والتنظيم وجمع الأموال والتنقل وشن عمليات إرهابية. وصنف التقرير 58 منظمة إرهابية أجنبية، وعلى رأسها «داعش» و«القاعدة» وأفرعهما والجماعات الموالية والتابعة لهما.

لقد دخلت حرب أميركا على الإرهاب عامها السادس عشر دون نتائج حاسمة في أطول حرب تخوضها في تاريخها. وفي عهود كلينتون وبوش الابن وأوباما ظهرت تنظيمات «طالبان» و«القاعدة» و«داعش». وتمددت وتعقدت وتشعبت الجماعات الإرهابية. ولم تنجح الاستراتيجية الأميركية والغربية في القضاء على الإرهاب، أو في تحقيق استراتيجية أوباما في مواجهة «داعش»، بإنهاك وإضعاف التنظيم. واليوم يحذر الرئيس الفرنسي من انهيار حل الدولتين، وانفجار الشرق الأوسط، بسبب غياب السلام، ما يزيد من تأجج التطرف والعنف.. ولكن لا يلقى ذلك التحذير صدىً وتحركاً يسنده ويدعم مواجهة التطرف والإرهاب! أو يصحح سياسات أميركا وروسيا وأوروبا والمجتمع الدولي الخاطئة! ما يعقد الجهود الدولية الرامية لهزيمة الإرهاب.

د.عبدالله خليفة الشايجي

صحيفة الاتحاد