فعلها مهاتير.. عنقاء ماليزيا والانقلاب الديمقراطي

فعلها مهاتير.. عنقاء ماليزيا والانقلاب الديمقراطي

فعلها مهاتير محمد (92 عاما) وأثبت أنه الرجل الأقوى في ماليزيا، رغم غيابه 15 عاما عن العمل السياسيالرسمي. فبعد 61 عاما من حكم تحالف الجبهة الوطنية الذي يقوده حزب المنظمة المالاوية القومية المتحدة (أمنو) أقنع مهاتير الناخب الماليزي بضرورة إحداث انقلاب ديمقراطي، ومعاقبة الحزب الحاكم وزعيمه نجيب عبد الرزاقعلى سوء الأداء خلال العقد الأخير.

الانتخابات البرلمانية الـ 14 الأكثر شراسة في تاريخ الديمقراطية الماليزية، منحت المعارضة (تحالف الأمل) بقيادة مهاتير محمد 113 مقعدا من مجموع 222 (الأغلبية المطلقة) بينما مني التحالف الحاكم الذي يضم إلى جانب أمنو 13 حزبا بقيادة نجيب عبد الرزاق بخسارة تاريخية سترجعه إلى صفوف المعارضة بحصوله على 79 مقعدا، بعد أن كان يملك في البرلمان السابق 133 مقعدا. خسارة كبيرة (54 مقعدا) تكشف حجم الغضب الشعبي من الأداء الحكومي.

يتكون تحالف الأمل القادم إلى السلطة من أربعة أحزاب، هي حزب عدالة الشعب (49 مقعدا) وحزب العمل الديمقراطي (صيني، 42 مقعدا) وحزب الأمانة (إسلامي، 10 مقاعد) ومرشحو حزب وحدة أبناء الأرض الذي أسسه مهاتير لكن تم حله (12 مقعدا).

وفاقت نتيجة الانتخابات كل التوقعات، فقد كان أكثر استطلاعات الرأي تفاؤلا الذي أجراه مركز ميرديكا المستقل، حيث توقع أن يفوز تحالف الأمل بـ 43.7% من الأصوات، في حين سيحصل تحالف نجيب على 40.3%، وكانت معظم التقديرات تشير إلى أن الجبهة الوطنية ستضمن الفوز، رغم زيادة حصة المعارضة بسبب دخول مهاتير المعركة الانتخابية إلى جانبها.

وما يفاقم خسارة الجبهة الوطنية أن نكستها تأتي بعد تعديلها مؤخرا قانون الانتخابات الذي غيرت بموجبه توزيع أصوات الناخبين على الدوائر الانتخابية بما يضمن لها الفوز بعدد أكبر من الدوائر، قدرها الخبراء بـ 15 مقعدا على الأقل. كما أقر البرلمان قبيل الانتخابات قانون مكافحة “الأخبار الكاذبة” الذي رأته المعارضة سيفا مصلتا على رقاب منتقدي الحكومة ورئيسها.

وقد ساهمت نسبة الإقبال الكبيرة (70% من الناخبين المسجلين وعددهم 15 مليون ناخب) في فوز تحالف الأمل، حيث كانت الجبهة الوطنية تراهن على تراجع نسبة الإقبال مما سيرفع حصتها من الأصوات.

أطاح به الفساد
مهاتير -الذي قاد الجبهة الوطنية والحكومة بين عامي 1981 و2003، وهي فترة الطفرة التي عاشتها البلاد على كل الصعد- استقال من حزب أمنو عام 2016 لما اعتبره “من المخجل أن يرتبط بحزب يدعم مظاهر الفساد في البلاد”. فقد حاصرت تهم الفساد نجيب باختلاس مليار دولار من صندوق التنمية الوطني. واتهمته وزارة العدل الأميركية بارتباطه بسرقات تبلغ 4,5 مليارات دولار. كما ضاق الشعب الماليزي مؤخرا من قرارات حكومية أدت إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، بعد إلغاء دعم المحروقات وفرض ضريبة على السلع والخدمات بنسبة 6%.

وعن خروجه من الحزب الحاكم وعلاقته بنجيب، قال مهاتير لمجلة تايم قبيل الانتخابات إنه رأى عام 2003 أن الوقت قد حان لتقاعده عن العمل السياسي، فاختار عبد الله بدوي لخلافته، لكنه حاد عن الطريق “حينها تركت الحزب الحاكم وقمت بحملة ضده حتى تم إسقاطه، وخلفه نجيب الذي ظننت أنه سيكون كوالده عبد الرزاق الذي كان زعيما متفردا، لكنه للأسف كان مختلفا تماما عنه، وظن أنه يستطيع فعل أي شيء بالمال، ولأنه لم يكن يملك هذا المال فقد قام بسرقته، وحاولت نصيحته وتوجيهه مرارا لكن دون جدوى، فلم يكن أمامي من خيار سوى التصدي له”.

هذه العلاقة المتوترة بين مهاتير ونجيب، فتحت باب التكهنات حول موقف الأول بعد توليه السلطة من قضايا الفساد التي أثيرت حول نجيب، ولذلك قال في مؤتمر صحفي عقب فوزه “لا نسعى للانتقام ولكننا سنطبق القانون بالكامل وإذا كان القانون يقول إن نجيب ارتكب خطأ فإنه سيتحمل العواقب”.

أنور قادم
بقدر ما شكل الفوز انتصارا مدويا لمهاتير فإنه كان حبل النجاة لغريمه السابق أنور إبراهيم (71 عاما)، فقد قال مهاتير إنه سيتم الإفراج عن أنور من السجن -من المتوقع في يوليو/تموز المقبل- مما يتيح له تولي منصب رئيس الوزراء، لكن ينبغي أن يخوض انتخابات تكميلية ليشغل مقعدا برلمانيا، وهو جزء من اتفاقية تحالف مهاتير مع المعارضة أنه في حال الفوز بالانتخابات سيتولى مهاتير الحكم لعامين ثم يسلم الحكم لأنور.

وكان من المفترض أن يؤدي مهاتير اليوم الخميس اليمين الدستورية كسابع رئيس وزراء منذ الاستقلال عام 1957، لكن أنباء تتردد أنه سيتم تأجيل مراسم اليمين دون تحديد موعد، وربما يعود ذلك إلى عدم تكليفه رسميا من قبل الملك بتشكيل الحكومة.

فالدستور يقضي أن يكلف السلطان محمد الخامس مهاتير بتشكيل الحكومة بصفته زعيم التحالف الفائز، إلا أن مراقبين يرون أن العلاقة المتوترة بين الرجلين قد تدفع الملك لتكليف شخص آخر مثل عزيزة إسماعيل زوجة أنور وزعيمة حزب عدالة الشعب الحاصل على أكثر المقاعد داخل تحالف الأمل. وقد يكون ذلك هو ما دعا مهاتير إلى القول إن “لا خيار للملك سوى تكليفي بمنصب رئيس الوزراء، ونريد للحكومة أن تنصب الآن والتأخير يؤدي للفوضى”. وإن سار الملك في هذا المسار فإن البلاد ستقف على أبواب أزمة سياسية حقيقية.

البعبع الصيني
على صعيد آخر، يبدي مراقبون تخوفهم من اختلال المعادلة السياسية أو ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يمنح الملاويين حقوقا سياسية واقتصادية أوسع من العرقيتين الصينية والهندية، بعد الحضور القوي لحزب العمل الديمقراطي (42 مقعدا) في تحالف الأمل، ويعد الحاضنة الأساسية للعرقية الصينية، والذي بقي منذ الاستقلال في صفوف المعارضة.

يرى محللون أن وجود مهاتير وأنور على رأس التحالف يعتبر ضمانة للملاويين لحفظ حقوقهم الدستورية، لأنهما كانا من أشرس المؤمنين بالعقد الاجتماعي حين كانا بالجبهة الوطنية. إلا أنه يصعب تجاهل تأثير وجود حزب صيني بحصة كبيرة في الحكومة، وربما ذلك ما دعا مهاتير للقول اليوم “حكومتي سوف تراجع جميع سياسات الحكومة السابقة بما فيها العلاقات مع الصين ويؤيد المشروع الصيني حزام واحد عالم واحد”.

يعيش الملاويون قلقا كبيرا منذ استقلال البلاد بسبب النفوذ الاقتصادي القوي للأقلية الصينية (25% من السكان البالغ عددهم 30 مليونا) رغم العقد الاجتماعي الذي يحد من قوتهم الاقتصادية، واليوم يبدو هذا الهاجس مضاعفا عندما تتمتع الكتلة الصينية بنفوذ سياسي مستحق ديمقراطيا، وقد تكون هذه واحدة من أكثر القضايا جدلا ومادة للصراع السياسي في ماليزيا.

علي صبري

الجزيرة