إيران تلعب آخر أوراقها في العراق استباقا لاستراتيجية بومبيو

إيران تلعب آخر أوراقها في العراق استباقا لاستراتيجية بومبيو

تسابق إيران الزمن وتعقد تحالفات بين الكتل في العراق بالحدّ الأدنى قبل أن تتحول كلمات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بفرض أقسى عقوبات في التاريخ إلى سياسة وإجراءات على الأرض.

وقال وزير الخارجية الأميركية بومبيو خلال عرضه للاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة بعد القرار المثير للدهشة الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب في الثامن من مايو الحالي “لن يكون لدى إيران مطلقا اليد الطولى للسيطرة على الشرق الأوسط”.

وتجسّد التحركات اليائسة لإيران وحلفائها في العراق أزمتها مع واشنطن، حيث يواصل الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، لقاءاته في العاصمة العراقية مع قيادات الكتل الفائزة في الانتخابات بهدف منع تشكيل حكومة تكون بعيدة عن إيران، ولو أدى الأمر إلى بناء تحالف لا يقتصر على الأحزاب الطائفية الموالية لطهران، وهذا ما يفسر لقاء سليماني برئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي في بغداد.

وتقول أوساط عراقية مطّلعة إن سليماني أبلغ الكتل الحليفة التي لا تستطيع أن تشكل الحكومة بمفردها بأن الأولوية الآن هي تشكيل حكومة غير معادية لإيران، بقطع النظر عن اسم رئيس الوزراء وأسماء الوزراء ونوعية الحقائب التي سيتسلمونها، وأن عليها أن تقدم تنازلات جدية لإقناع الكتل ذات التمثيلية الضعيفة بالانضمام لحكومة جديدة.

وتشعر إيران أن فرص خروج العراق من قبضتها أصبحت أمرا واردا بفوز المحسوبين على زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي يدفع نحو بناء علاقة متوازنة مع إيران ويتمسك بالانفتاح على العمق العربي للعراق وخاصة السعودية، وهو ما يزيد من درجات القلق الإيراني بعد النتائج التي أضفت على خيارات الصدر شرعية شعبية.

كما أن إمكانية نجاح الصدر في بناء تحالف يجمع بالأساس رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي المتهم إيرانيا بالسعي للتقرب من السعودية والولايات المتحدة ستزيد من حالة الإرباك الإيرانية في العراق، وهو ما يجعل سليماني يعرض تنازلات جدية لاستقطاب وجوه سياسية يمكن أن تعوض ابتعاد الصدر أو العبادي عن دائرة التأثير الإيراني، وهو ما يقف وراء لقائه بإياد علاوي.

وقال محلل سياسي عربي إن إيران التي استلمت العراق على صحن من فضة في عهدي جورج بوش وباراك أوباما، مضطرة الآن إلى أن تسلمه في عهد دونالد ترامب ملفوفا بخرقة مشبعة بالدم.

ولم ترد أنباء واضحة عما جرى بحثه في هذا اللقاء الذي جمع سليماني بعلاوي، لكن مصادر مطلعة تؤكد أن “الهدف هو قطع الطريق على تحالفي سائرون الذي يقوده الصدر والنصر بزعامة العبادي، لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي تتولى ترشيح رئيس الوزراء الجديد”.

وكان سليماني التقى زعيم تحالف الفتح، هادي العامري، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبومهدي المهندس، ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي، في بغداد، لبحث فرصة تشكيل تحالف واسع يضمن السيطرة على منصب رئيس الوزراء.

وكشفت مصادر سياسية لـ”العرب” في بغداد أن المالكي أرسل إشارات إلى غريمه اللدود إياد علاوي، باستعداده لدعمه في حال ترشحه لمنصب رئيس الوزراء، وهو ما يعني أن المالكي يتحرك وفق أجندة إيرانية تم تنبيهه إلى أن دوره فيها لا يتجاوز المساعدة في إنجاح خيارات طهران والتوقف عن أحلام الولاية الثالثة.

وكان المالكي انتزع من علاوي استحقاقا انتخابيا في العام 2010، باستخدام نفوذه في السلطة القضائية، التي أجبرت على تفريغ فوز إياد علاوي حينها في الاقتراع من قيمته القانونية، ما حرمه من تشكيل الحكومة لصالح زعيم ائتلاف دولة القانون، الذي ضمن ولايته الثانية وقتها.

ويراهن الإيرانيون على استعداد معظم النواب لتولي مناصب تنفيذية، نظرا لما توفره من إمكانات مادية هائلة، لذلك يمكن لعلاوي أن يشكل أغلبية برلمانية بسهولة، في حال قايضها بالحقائب الوزارية في حكومته.

ولا تقتصر المغريات المادية على الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى ما يعرف بالهيئات المستقلة، التي يعادل كل منها درجة وزير. وهناك أيضا وكلاء الوزارات والإدارات العامة والسفارات والممثليات الخارجية، التي توفر إمكانيات مادية وسياسية كبيرة. ويمكن لرئيس الوزراء استخدام جميع هذه المناصب لإغراء الكتل النيابية بدعم حكومته.

وتقول المصادر إن “الأطراف الشيعية الناقمة على العبادي، وفي مقدمتها المالكي، مستعدة لدعم حكومة يشكلها علاوي بلا مقابل، ما يعني أن زعيم القائمة الوطنية سيُتاح له فائض من وزارات ومواقع مهمة يكسب من خلالها كتلا أخرى”.

وتشير هذه المصادر إلى “إمكانية تفكيك كتلة العبادي نفسها، في حال نجحت خطة إقصائه عن الولاية الثانية، على غرار ما حدث للقائمة العراقية في العام 2010، عندما تفككت بمجرد فشل علاوي في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء”.

واعتبر الكاتب السياسي العراقي فاروق يوسف أن استقبال سليماني لعلاوي يمثل تنازلا إيرانيا أملته الضرورة، خاصة أن إيران سبق لها أن منعت علاوي من ترؤس الحكومة العراقية يوم كان ذلك المنصب يمثل استحقاقه الانتخابي. أما أن تضطر إلى احتضانه اليوم ففي ذلك دلالة واضحة على أن جبهتها التي تعتمد على الاستقطاب الطائفي قد تعرضت لصدع عظيم تحاول القفز عليه من خلال جذب سياسيين مؤهلين لمغادرة المشهد مثل علاوي.

وقلّل يوسف من فرص إيران في تحويل النصر الانتخابي الذي حققه الصدر والعبادي إلى هزيمة على مستوى الانتقال إلى السلطة، مشيرا إلى أن هذا المسعى سيصطدم بعزوف غالبية الشعب العراقي عن القبول بتكرار السيناريوهات الحزبية الجاهزة في تأليف الحكومة والتي يقف دعاتها وراء الفشل الذريع الذي مني به الأداء الحكومي طيلة اثنتي عشرة سنة.

وسيصطدم الخيار الإيراني بحاجز آخر يرتبط بتطورات العلاقة الأميركية ــ الإيرانية التي تمر بأسوأ مراحلها، ولا أمل لطهران في الخروج من هذه الأزمة بأرباح تُذكر، وهو ما يعني أن إيران الضعيفة لن تتمكن من إقناع أطراف عراقية باستمرار مظلة حمايتها في المرحلة المقبلة.

ويعتقد المراقبون أن الاستراتيجية التي عرضها وزير الخارجية الأميركية، الاثنين، لتفكيك النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ستجعل طهران تتحرك في كل اتجاه لتفادي خسارة مواقعها في العراق، وأن ذلك سيكون من بوابة دفع أذرعها إلى الانكماش سياسيا وعسكريا بشكل مؤقت وفسح المجال لظهور شخصيات عراقية غير طائفية لتسلم حقائب ذات وزن للإيهام بأنها لا تهيمن على الحكم في العراق.

العرب اللندنية

Print Friendly, PDF & Email