تقليص صادرات النفط الإيرانية إلى حد الصفر

تقليص صادرات النفط الإيرانية إلى حد الصفر

تقوم استراتيجية الرئيس ترامب للضغط على إيران على فرضية مهمّة، وهي وجود ما يكفي من طاقة إنتاج النفط الاحتياطية في أماكن أخرى من العالم للتعويض عن خسارة الإمدادات الإيرانية دون التسبب بزيادة غير مرغوب فيها وهي ارتفاع الأسعار. وعلى وجه الخصوص، من المتوقع أن تزيد السعودية إنتاجها لتغطية معظم النقص. وفي حين تبدو هذه التوقعات منطقية، إلا أن كثرة العوامل المعنية تجعل التنبؤ بالحصيلة الدقيقة أمراً صعباً.

ويبدو أن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتن قد ألمح إلى هذه التعقيدات خلال فعالية أقيمت في 31 تشرين الأول/أكتوبر في مقر جمعية “ألكسندر هاملتون سوسايتي”، حيث أشار إلى أن هدف الإدارة الأمريكية كان التأثير على طهران، وليس على الدول التي تعتمد على النفط الإيراني، حيث قال: “نريد تحقيق أقصى قدر من الضغط ولكننا لا نريد التسبب بالضرر لأصدقائنا وحلفائنا”. كما تحدث بنبرة استرضائية حين أقرّ بأن بعض الدول “قد لا تتمكن من تقليص [وارداتها النفطية] إلى نقطة الصفر بصورة فورية.”

الضغط على المشترين من إيران

إن تكتيك إقناع عملاء النفط الرئيسيين لطهران بشراء نفطهم من أماكن أخرى لاقى نجاحاً متفاوتاً. ففي حين توقفت اليابان وكوريا الجنوبية عن شراء النفط الإيراني، أفادت بعض التقارير أن الهند والصين وتركيا تعتقد أن الإمدادات العالمية ليست كافية لاستبدال مشترياتها من إيران. وبطبيعة الحال، تفضّل معظم مصافي التكرير الحفاظ على علاقات الإمداد القائمة منذ فترة طويلة، ومعظمها مهيّأ لاستخدام أنواع معينة من النفط الخام.

وفي المرحلة المقبلة، من الممكن أن تقدّم واشنطن إعفاءات محدودة فيما يخص شراء النفط الإيراني بشرطين، هما: أن تودَّع العائدات الناتجة عن صفقات الشراء في حسابات ضمان، وأن تُمنع إيران من استخدام هذه الأموال إلا إذا كان ذلك لأغراض إنسانية محددة بدقّة، على الأقل إلى حين تَوفُّر إمدادات إضافية من السعودية وروسيا في منتصف عام 2019. وسيصبح الهدف الحقيقي آنذاك هو تحقيق عوائد صفرية للصادرات، وليس إنهاء جميع صادرات النفط. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة متنوعة من التدابير المحدودة – على سبيل المثال، إذا دفعت الهند تكاليف إمدادات النفط الإيرانية بالروبية، ستكون فائدة هذه العائدات بالنسبة لطهران أقل بكثير من الدفعات المسددة بالدولار، الذي هو العملة المعتادة لمثل هذه المشتريات.

وعلى الرغم من أنه من غير المتوقع أن تتعاون بكين مع الولايات المتحدة، إلا أنها ترسل إشارات متضاربة. ففي 24 تشرين الأول/أكتوبر، أفادت وكالة رويترز أن اثنتين من كبرى شركات التكرير الصينية المملوكة للدولة لم تلتزما بتحميل النفط الإيراني في تشرين الثاني/نوفمبر بسبب مخاوف من انتهاك العقوبات الأمريكية. ومع ذلك، بعد يومٍ واحد، ظهرت تقارير تشير إلى أن إيران خططت لإرسال أكثر من 20 مليون برميل نفط إلى ميناء داليان الصيني في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، فيما يشكّل زيادة حادة عن الكميات الشهرية المعتادة. وتشير حكمة السوق إلى أن الصين ستواصل شراء نحو مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، ولكنها ستساوم إيران بصرامة من خلال الإصرار على الحصول على أسعار مخفضة.

تجنب ارتفاع الأسعار

سجّل معيار خام “برنت” أعلى مستوياته منذ أربع سنوات إذ بلغ سعر البرميل 86 دولاراً في مطلع تشرين الأول/أكتوبر ولكنه عاد ليتراجع إلى 76 دولاراً في غضون ثلاثة أسابيع بسبب المخاوف من انخفاض الطلب. وانخفض مجدداً في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/نوفمبر إلى 74 دولار للبرميل.

وفي غضون ذلك، أفادت شركة “بلومبرغ” أن منظمة الدول المصدرة للنفط (“أوبك”) أشارت إلى أنها قد تخفّض إنتاجها في عام 2019. وتحاول المنطمة بالتعاون مع روسيا، “منع زعزعة توازن السوق مرة أخرى” من خلال إعداد “خيارات” حول كمية إنتاج النفط في العام المقبل. ويعني ذلك انخفاض الأسعار، وهي أخبار جيدة للمستهلكين ولكنها سيئة للدول المنتجة التي تحاول تمويل ميزانياتها الوطنية. وعلى هذا النحو، شعرت العديد من الحكومات بالاستياء من الدعوة الأخيرة التي وجّهها الرئيس ترامب إلى منظمة “أوبك” لزيادة الإنتاج من أجل خفض الأسعار.

تأثير قضية خاشقجي

قد يؤثر الجدل الدائر حول مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي بشكل كبير على حسابات المملكة العربية السعودية. فبالرغم من تأييد الرياض لزيادة العقوبات على إيران، إلا أنها “بطيئة السير” في تنفيذ الزيادة الموعودة في الإنتاج وفقاً لما أفاده موقع “بوليتيكو”. وقد يغيّر القادة السعوديون لهجتهم حالياً لمنع البيت الأبيض من لومهم مباشرةً على جريمة القتل.

ومع ذلك، إذا حاول الكونغرس تقييد مبيعات بيع الأسلحة للمملكة، فقد يتغيّر التزام الرياض بضخ النفط مرة أخرى. فالإنتاج الراهن يبلغ حوالي 10,5 ملايين برميل يومياً، لكن الخبراء يعتقدون أنه قد يصل بسهولة إلى 11 مليون (على الرغم من أنهم يشككون في طموح الرياض في الوصول إلى 12 مليون برميل).

عدم اليقين بشأن منتجين آخرين

على الرغم من الإنتاج غير المتوقع من فنزويلا وليبيا ونيجيريا، تشهد سوق النفط الراهنة استقراراً مفاجئاً. ومع ذلك، فإن إضافة إيران إلى المعادلة – وهي إحدى أهم المنتجين في “أوبك” – يمكن أن يجعل الوضع أكثر تقلّباً. فقد سبق لطهران أن خسرت 1,2 مليون برميل من النفط في اليوم من إنتاجها بين شهرَي آذار/مارس وأيلول/سبتمبر. وفي حين لا تزال روسيا تمثل عنصر مفاجأة يصعب التكهن به، فمن غير المرجح أن تُسدي أي خدمة للولايات المتحدة إذا استمرت الإمدادات الإيرانية في التضاؤل.

أما بالنسبة للحجم المتنامي من النفط الصخري [الزيت الحجري] الأمريكي، فمن غير المحتمل أن يكون له تأثير سياسي حاسم على المدى القريب. وحيث أن آبار حوض بيرميان أنتجت 3,5 مليار برميل في اليوم خلال تشرين الأول/أكتوبر، إلا أن الحفاظ على الإنتاج المستدام يمثل تحدياً من الناحية الفنية، ولا تزال الثقة في الزيادات الكبيرة منخفضة. وقد يتغير هذا المشهد إلى حد ما في عام 2019، عندما يمكن معالجة بعض القيود على خطوط الأنابيب بما يسمح بإنتاج مليون برميل إضافي في اليوم. وفي نهاية المطاف، ستبقى الولايات المتحدة مستورداً صافياً للنفط.

المحصلة

على الرغم من أن الظروف مهيّأة لتحقيق نصر أمريكي أوّلي على الأقل حول تقييد صادرات النفط الإيرانية، إلا أنه يجب الحفاظ على هذه الميّزة على مدى عدة أسابيع وربما أشهر إذا كان الهدف إرغام طهران على تقديم تنازلات. ومن المستبعد النجاح في التنبؤ باتجاهات سوق النفط بما يتعدّى المدى القصير جداً نظراً إلى سهولة نقل هذه السلعة بالمقارنة مع مصادر الطاقة الأخرى. وهكذا، ففي حين يُفترض أن تساعد العقوبات المالية في استنفاذ قدرة إيران على تمويل مجموعة كاملة من وارداتها، إلّا أن خفض عائداتها النفطية ليس بالرهان الأكيد.

وفي أسوأ الحالات، فإن الزيادات في أسعار النفط سوف تعوّض عن التخفيضات في الإنتاج، مما يؤدي إلى تخفيف الأثر المترتب على عائدات طهران أو حتى إبطاله. وفي الوقت نفسه، فإن المصاعب الاقتصادية التي يعاني منها الشعب الإيراني سوف تزداد سوءاً. وتستعد الحكومات الأوروبية المعارِضة لنهج إدارة ترامب إلى اعتماد “آلية تمويل محددة الهدف” للحفاظ على استمرار التجارة الثنائية، مع وجود تداعيات غير مؤكدة على العقوبات الأمريكية.

وفي النهاية، فإن استعداد طهران لتغيير سلوكها والتفاوض بشأن القضايا النووية والصاروخية والإقليمية يعتمد على الأرجح على مجموعة من الضغوط المستمرة. وإذا كان النفط هو نقطة الضغط الأكثر وضوحاً، فهو في الوقت نفسه النقطة الأكثر احتمالاً التي ستؤدي إلى عواقب غير مقصودة في أماكن أخرى.

معهد واشنطن