شرق الفرات: تل تمر تحت الوصاية الروسية

شرق الفرات: تل تمر تحت الوصاية الروسية

مع اشتداد الضغط العسكري عليها من قبل فصائل “الجيش السوري الوطني” المدعومة من أنقرة، لم تجد “قوات سورية الديمقراطية” الكردية، والمعروفة اختصاراً بـ”قسد”، أمامها، إلا أن تسلّم بلدة تل تمر في ريف محافظة الحسكة، شمال شرقي سورية، والتي تتميز بحضور سكاني سرياني، إلى النظام والجانب الروسي. وكان “الجيش الوطني السوري” يسعى للسيطرة على هذه المدينة، لأهميتها في الصراع الدائر على الشمال الشرقي السوري، من قبل جميع الأطراف. وكانت اشتباكات ضارية قد دارت على مدى الأيام الماضية بين “قسد”، التي تشكل “وحدات الحماية” الكردية ثقلها الرئيسي، وبين فصائل “الجيش السوري الوطني” المدعوم من الجيش التركي للسيطرة على تل تمر، لم تفض إلى حسمٍ عسكري لصالح أيّ من الطرفين. وتكتسب البلدة الواقعة في ريف الحسكة أهميتها الاستراتيجية من كونها تُعد عُقدة طرق، إذ تمر منها طريق الحسكة – رأس العين. كما تتفرع منها الطريق الدولية “إم 4” الممتدة من حلب إلى مدينتي الحسكة والقامشلي. وتقع البلدة إلى الشمال من مدينة الحسكة بنحو 40 كيلومتراً، وإلى الشرق من مدينة رأس العين بنحو 35 كيلومتراً، كما تبعد أقل من 30 كيلومتراً عن الحدود السورية التركية. ديمغرافياً، تكتسب تل تمر أهميتها من الحضور السكاني السرياني (المسيحي) في المدينة وريفها. وتنتشر قرى آشورية على الطريق الواصلة بين تل تمر ورأس العين، وهي تل طويل، تل جمعة، تل كيفجي وتل قريبط. كما ينتشر السريان على طول الخط الحدودي لمحافظة الحسكة مع تركيا والعراق، وفي مدينة الحسكة، فضلاً عن مدينة تل تمر وقراها.
وكانت مليشيات “قسد” أبرمت اتفاقاً، الشهر الماضي، مع النظام برعاية روسية، سمحت من خلاله لقوات النظام وقوات روسية بالدخول إلى منطقة شرقي الفرات، في محاولة منها لإيقاف العملية العسكرية التركية، حيث كانت تتعرض إلى خطر يمسّ وجودها في المنطقة الغنية بالثروات. واعتُبر الاتفاق العسكري بمثابة هروب من “قسد” إلى الأمام، في محاولة أخيرة لضمان بقائها في المشهد السوري، بعد الضوء الأخضر الأميركي الذي منح إلى الجانب التركي للدخول إلى عمق منطقة شرقي نهر الفرات لتبديد مخاوف الأتراك إزاء محاولات إنشاء إقليم ذي صبغة كردية تعتبره أنقرة مساساً مباشراً بأمنها القومي.

اتفاق تل تمر

تُعرف تل تمر وريفها بحضور سكاني سرياني

“وأول من أمس السبت، أكد “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، أن اتفاقاً جرى التوصل إليه بين “قسد” وقوات النظام والقوات الروسية، لتسليم مدينة تل تمر إلى القوات الروسية، لتخضع لوصايتها، بحيث تنتشر فيها قوات النظام والروس. ونقل “المرصد” عن مصادره أن “الاشتباكات شبه متوقفة حالياً في تل تمر”، لافتاً إلى أن الاتفاق “ينص على انسحاب الفصائل الموالية لتركيا من بعض القرى حتى الحد الأخير لرأس العين، وكذلك الانسحاب من الطريق الدولية إم 4، وانتشار قوات النظام في تلك المناطق”. وأكدت المصادر أن هناك اتفاقات جديدة جرى التوصل إليها، من دون الكشف عنها، مشيرة إلى أن عناصر من القوات الروسية كانت في تل تمر وغادرت إلى القامشلي.
وأمس الأحد، تحدّث “المرصد” عن “استمرار الهدوء الحذر على محاور التماس في ريف تل تمر، وسط ترقب لتنفيذ الاتفاق”، مضيفاً أن “دورية عسكرية روسية اتجهت إلى مدينة الدرباسية من دون أن يعلم إذا ما كانت ستتابع نحو منطقة أبو رأسين وتل تمر”. من جهتها، ذكرت مصادر كردية مطلعة لـ”العربي الجديد” أن الاتفاق، الذي تدخل تركيا طرفاً فيه، يتضمن انسحاب “قسد” من مناطق ريف تل تمر حتى قرية سودة الواقعة على طريق رأس العين، بينما تنسحب فصائل “الوطني السوري” من المنطقة باتجاه مدينة رأس العين، مع إخلاء جميع القرى المحيطة بتل تمر، على أن تملأ قوات النظام والروس الفراغ، مع بقاء قوات الأمن الداخلي التابعة للوحدات الكردية على رأس عملها داخل مدينة تل تمر.

وأوضحت المصادر أن مليشيات “قسد” ستنسحب من قرى العريشة والقاسمية وخربة جمو ومناخ والمحمودية وعبوش وباب الخير والمناجير وليلان وهراس، وتبتعد قرابة كيلومتر واحد عن طريق حلب الدولية “إم 4”.

تعزيزات روسية


تكتسب بلدة تل تمر أهميتها الاستراتيجية من كونها تُعد عُقدة طرق


إلى ذلك، ذكر “المرصد” أن 12 آلية عسكرية تابعة للقوات الروسية توجهت، أمس الأحد، من منطقة منبج شمال شرق حلب، إلى ريف مدينة عين العرب (كوباني). وكان الروس انتشروا في عين العرب وفي ريفها، خصوصاً على الحدود السورية – التركية، وفق اتفاق أبرم في 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بين أنقرة وموسكو، خلال لقاء قمة عقد بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في منتجع سوتشي الروسي، وحدد ما يمكن تسميته بـ”قواعد اللعبة” في منطقة شرقي نهر الفرات. وكانت القوات الروسية انتشرت منذ أيام في قاعدة مطار صرين بريف مدينة عين العرب (كوباني)، وذلك عقب استكمال انسحاب القوات الأميركية منها بشكل كامل. ووفقاً لمعلومات “المرصد السوري”، فإن أربع مروحيات روسية حطت في مطار صرين، كما انتشر عناصر الشرطة العسكرية الروسية فيه، وبذلك تكون القوات الروسية قد انتشرت في خمس قواعد للقوات الأميركية بعد انسحاب الأخيرة منها، وهي قاعدتا عون الدادات والعسلية في منطقة منبج، وقاعدتا مشتى النور وصرين بريف عين العرب (كوباني)، بالإضافة إلى قاعدة مطار عين عيسى بريف الرقة الشمالي.

من جهتها، أفادت شبكة “الخابور” المحلية للأنباء، أمس الأحد، عن وصول تعزيزات عسكرية للجيش الروسي في محافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من سورية، وذلك عبر مطار القامشلي الذي تحوّل، في الآونة الأخيرة، إلى نقطة عسكرية روسية. كما دخلت قافلة للجيش الأميركي أمس إلى مدينة القامشلي في شمال شرقي سورية، وخرجت متوجهة شرقاً للقيام بدورية معتادة.

النظام يستكمل الانتشار


وصول تعزيزات عسكرية روسية إلى الحسكة عبر مطار القامشلي


في غضون ذلك، ذكرت وسائل إعلام تابعة للنظام أن قواته أنهت ما وصفتها بـ “أضخم عملية إعادة انتشار لقوات حرس الحدود”. وقالت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام إن قواته انتشرت على طول 700 كيلومتر على الحدود السورية – التركية وخطوط التماس مع فصائل “الجيش الوطني السوري” التابع للمعارضة، وفق مضمون اتفاق سوتشي الروسي – التركي. ونقلت الصحيفة عما وصفته بـ”مصدر ميداني” قوله إن قوات النظام ثبتت نقاط ارتكاز في ستة مواقع جديدة في شمال الحسكة، في عين ديوار بمنطقة المالكية عند أقصى نقطة شمال شرق البلاد في المثلث الحدودي الاستراتيجي مع العراق وتركيا، متقدمة مسافة نحو 60 كيلومتراً شرق ناحية الجوادية، وعلى مقربة من خزّان البلاد الغازي والنفطي ومن المعبر النهري في التونسية “سيمالكا” مع إقليم كردستان في العراق. وأشار المصدر إلى أن قوات النظام أتمت انتشارها على طول 160 كيلومتراً من ريف رأس العين الشمالي الشرقي إلى ريفي المالكية ورميلان. وذكر أن هذه القوات ثبتت نقاط انتشار جنوب غرب رأس العين من مبروك وحتى تل تمر وأبو راسين شمال غرب الحسكة على امتداد 100 كيلومتر، ومثلها في المنطقة الممتدة من ريف منبج الغربي على خط نهر الساجور إلى عين العرب وصرّين وعين عيسى واللواء 93 في ريف الرقة الشمالي.

وبحسب المصدر الذي تحدث لـ”الوطن”، فإن قوات النظام باتت تسيطر على مسافة 300 كيلومتر من الحدود السورية -التركية في محافظتي الرقة والحسكة، ونحو 400 كيلومتر أخرى انتشرت فيها على خطوط التماس مع “الجيش الوطني السوري” في مناطق متفرقة، أبرزها منبج وخط الفصل بين ريفي رأس العين وتل أبيض.

العربي الجديد