“يقول ناي إن القوة الناعمة لأي دولة تنشأ من “ثقافتها، ومن قيمها السياسية، ومن سياستها الخارجية” لكنني أعتقد أن القوة الناعمة تنبع أيضا من تصورات العالم حول بلد ما؛ الأفكار والمواقف المتراكمة حوله حين يُذكر اسم البلد”

يقول ناي إن القوة الناعمة لأي دولة تنشأ من “ثقافتها (في الأماكن التي هي جذابة للآخرين)، ومن قيمها السياسية (عندما ترقى لمستوى من هم في الداخل والخارج)، ومن سياستها الخارجية (حين تكون لديها مشروعية وسلطة أخلاقية)” لكنني أعتقد أن القوة الناعمة تنبع أيضا من تصورات العالم حول بلد ما: الأفكار والمواقف المتراكمة حوله حين يُذكر اسمه البلد. وتُمارس القوة الصلبة. وتُثار القوة الناعمة.

الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم وأقدم ديمقراطية، وهي ملاذ للمهاجرين، وأرض الحلم الأميركي؛ حيث يمكن لأي شخص أن يصبح ناجحا إذا كان يعمل بجد بما فيه الكفاية. بل هي أيضا موطن شركة بوينغ وإنتل وغوغل وأبل ومايكروسوفت وMTV، وهوليوود وديزني لاند، وماكدونالدز وستاربكس، باختصار، هي موطن علامات تجارية وصناعات مميزة لها تأثير هائل في العالم.

وتكمن جاذبية هذه الأصول، ونمط الحياة الأميركية التي تمثلها، في كونها تُمكن الولايات المتحدة من الإقناع، بدلا من الإجبار، ويختار البعض الآخر أن يقر جدول أعمالها. وبهذا المعنى، تعمل القوة الناعمة كبديل ومكمل للقوة الصلبة.

ولكن للقوة الناعمة حدود، حتى في أميركا. في أعقاب الهجمات الأميركية الإرهابية في 11 سبتمبر/أيلول 2001، كان هناك تدفق للنوايا الحسنة نحو الولايات المتحدة. ثم بدأت البلاد حربها على الإرهاب الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على القوة الصلبة. ولم يستسغ المجتمع الدوليوسائل تلك السلطة: غزو العراق واحتجاز “المقاتلين الأعداء” وغيرهم من المشتبه بهم في سجن غوانتانامو إلى أجل غير مسمى، وفضيحة أبو غريب، كشف “المواقع السوداء” لوكالة المخابرات المركزية، وقتل المدنيين العراقيين من قبل المتعاقدين الأمنيين من القطاع الخاص الأميركي.

وكانت أصول القوة الناعمة الأميركية غير كافية للتعويض عن أوجه القصور في نهج قوتها الصارمة. وكانت الجماهير المتعاطفة مع الثقافة الأميركية غير مستعدة للتغاضي عن تجاوزات غوانتانامو. فاستخدامك مايكروسوفت ويندوز لا يهيئك لقبول التعذيب من قبل الدولة التي تنتجه. ولذلك انخفضت قوة أميركا الناعمة بشكل حاد، مما يدل على أن الطريقة التي تُمارس بها القوة الصارمة تؤثر على مدى فعالية القوة الناعمة بشكل سلبي.

وسرعان ما تغلب السرد المحلي في أميركا على نكسات سياستها الخارجية، وذلك جزئيا بفضل التواصل غير المسبوق اليوم. في عالم الاتصالات الجماعية الفورية، يتم الحكم على الدول من قبل المجتمع الدولي الذي يتغذى بأنظمة إخبارية متنوعة على الانترنت، وأشرطة الفيديو الذكي وتويتر.

وقد كتب ناي، في عصر المعلومات هذا، أنه من المرجح أن تكسب ثلاثة أنواع من الدول القوة الناعمة: “تلك التي تتوفر على ثقافات ومُثل عليا سائدة قريبة إلى المعايير الدولية التي تؤكد الآن على الليبرالية والتعددية والاستقلالية. وتلك التي لديها قنوات الاتصال المتعددة، وبالتالي المزيد من التأثير على كيفية تأطير القضايا. وتلك التي لها مصداقية تُعزز أداءها المحلي والدولي”. وقد نجحت الولايات المتحدة بشكل جيد على جميع هذه الجبهات.

في الواقع، وصلت ثقافة أميركا ومُثلها العليا إلى مستوى رفيع، واعتمدت مصداقيتها الدولية على ترتيباتها الداخلية. واستطاعت التغلب على قرون من العبودية والعنصرية بانتخابها رئيسا أسود في عام 2008 ومرة أخرى في عام 2012، مما يجسد قدرة البلاد على إعادة تجديد نفسها.

صعود ترمب إلى السلطة حطم تلك الصورة وشجع ميولات لم تشهدها الولايات المتحدة: كراهية الأجانب، كره النساء، والتشاؤم، والأنانية. وندد القادة السياسيون بنظام يَعِد بتكافؤ الفرص للجميع من أجل تحقيق طموحاتهم، مُحبطا تطلعات المواطنين العاديين. وفي دولة تحث الآخرين على الممارسة الديمقراطية تم انتخاب رئيس قال إنه إذا خسر لن يعترف بالنتيجة.

وأكد ناي أنه في عصر المعلومات، تتراكم القوة الناعمة في كثير من الأحيان في البلاد الذي تمتاز بقصة أفضل. ولقد كانت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة “ذات قصة أفضل”، لديها صحافة حرة ومجتمع منفتح، ترحب بالمهاجرين واللاجئين؛ وتتعطش لأفكار جديدة ومواهب الإبداع. وقد أعطى كل هذا للولايات المتحدة قدرة خارقة للعادة لسرد القصص التي هي أكثر إقناعا وجاذبية من منافسيها.

ولكن قد خفضت قصة هذه الانتخابات الأميركية بشدة القوة الناعمة، وتحول الأمل إلى خوف، وأصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا. في نظرنا، فإن أميركا لن تظل هي نفسها، ولم يبدأ بعد حكم ترمب.

شاشي ثارور

الجزيرة