خطة واشنطن لتقليص نفوذ حزب الله: العقوبات ودعم المؤسسة العسكرية

خطة واشنطن لتقليص نفوذ حزب الله: العقوبات ودعم المؤسسة العسكرية

260


بيروت – يتخذ مسار الدعم الأميركي للجيش اللبناني منحى تصاعديا مع توالي زيارات قائد القيادة المركزية الأميركية جوزيف فوتيل إلى لبنان، وما نقل عنه من تقدير كبير لعقيدة الجيش القتالية وحرصه على محاربة الإرهاب ضمن الإمكانيات المتاحة ونجاحه الاستثنائي في هذه المهمة والذي يجعل منه أفضل الجيوش في المنطقة وأكثرها فعالية في هذا المجال.

ولم تقتصر إشارات الدعم الأميركية على تقديم مساعدات عسكرية نوعية إلى الجيش اللبناني، ولكنها اتخذت طابع إدراجه ضمن منظومة الحضور الأميركي في المنطقة وضمه إلى دائرة الحماية الأميركية وإبلاغ جميع القوى الإقليمية في المنطقة بهذا الأمر ومن ضمنهم إسرائيل. وتأتي التطمينات الأميركية بعدم شن حرب إسرائيلية على لبنان في إطار نزع إمكانية لجوء حزب الله إلى خيار افتعال حرب مع إسرائيل لكسر دائرة الحصار التي يعاني منها.

شرعيات متضاربة

تحرص الإدارة الأميركية على فصل دعمها للجيش اللبناني عن مسار التعامل مع الأزمات السياسية اللبنانية أو الموقف من وجود حزب الله في الحكومة وما يفرضه هذا الواقع من ضرورة مراعاة الخصوصية اللبنانية ووضع البلاد الحرج في ما يخص التأثير المتوقّع للحزمة الجديدة من العقوبات التي تنوي فرضها على حزب الله.

وكانت الوفود البرلمانية اللبنانية قد طلبت من الجهات الأميركية خلال زيارتها إلى واشنطن مؤخرا العمل على ضبط إيقاع العقوبات، بحيث تقتصر على أشخاص ولا تطال مؤسسات أو كيانات، ولكنها لمست ميلا أميركيا إلى التشدد في محاصرة أيّ مؤسسة أو شخصية تدور في فلك حزب الله، بغض النظر عن تداعيات هذا الموضوع على الداخل اللبناني.

وفي موازاة وتيرة الدعم الأميركي المتصاعدة للجيش اللبناني برز توجه أميركي يعلن بوضوح أن المؤسستين اللتين تتمتعان بشرعية في نظرها هما مؤسسة الجيش اللبناني ومؤسسة مصرف لبنان.

شرعية الجيش ومصرف لبنان في القراءة الأميركية تعود إلى كونهما يشكلان أسس الاستراتيجية الأميركية للحرب على الإرهاب وتجفيف مصادر تمويل حزب الله
ولا يعني ذلك أن أميركا تنظر إلى المؤسسة السياسية اللبنانية بوصفها غير شرعية بل يعني أن معايير الشرعية اللبنانية الداخلية مختلفة تماما عن معاييرها الخاصة للشرعية، وأنها لا تهتم إطلاقا بالمعايير والسياقات التي تحكم اللعبة السياسية الداخلية اللبنانية إلا بقدر علاقتها بموضوع الحرب على الإرهاب والذي يضم ضمن سياقاته المتشعبة موضوع تمويل حزب الله والجماعات الإرهابية.

من هنا نفهم أن شرعية الجيش ومصرف لبنان في القراءة الأميركية تعود إلى كونهما يشكلان أسس الاستراتيجية الأميركية للحرب على الإرهاب وتجفيف مصادر تمويل حزب الله.

سياسة واحدة بوجوه كثيرة

يقف العقل اللبناني السياسي عاجزا عن فهم منطق الإدارة الأميركية في التعامل. وتبرز إشارات عامة تفيد بأنه يسيطر بشكل تام على طريقة مقاربتها للملفات ليس في لبنان وحسب بل في كل العالم. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الفصل بين السير في صفقة بيع طائرات أميركية حربية لقطر واتهامها بدعم الإرهاب ووقف نشاطاتها في تمويله.

وتكرر واشنطن هذه السياسة في ما يخص فرض عقوبات جديدة على روسيا وإيران، فلم يمنع التنسيق الأميركي الروسي الدائم بشأن العديد من الملفات في سوريا الولايات المتحدة من توجيه ضربات مؤذية في حق إيران حليفة روسيا الأساسية في سوريا، والعمل على محاصرة أذرعها والحد من نشاطاتها وتجفيف مصادر تمويلها، ولم يمنع كذلك من فرض عقوبات أميركية جديدة على روسيا.

تقوم السياسة الأميركية إذن على التركيز على عنوان أساسي واحد ووضع كل التفاصيل الأخرى في خدمته، من هنا فإن ما يبدو للوهلة الأولى تضاربا وتناقضا في المواقف الأميركية، يكشف عندما يتم ربطه بالعنوان الأساسي الخاص بالحرب على الإرهاب عن منطق متكامل ومتناسق ومتصل، ويشكل عصب السياسة الأميركية في مرحلة الرئيس دونالد ترامب.

وفتحت الإدارة الأميركية منذ عدة أشهر تحقيقا حول وصول مساعدات أميركية كانت قد أرسلتها للجيش اللبناني في يد حزب الله، وكان ما يشاع عن سيطرة لحزب الله على قرار الجيش اللبناني، السبب الرئيسي الذي دفع بالمملكة العربية السعودية لوقف هبة المليارات الثلاثة التي كانت تنوي تقديمها إليه في سبيل تحسين قدراته القتالية.

يبدو الدعم الأميركي المتزايد للجيش اللبناني في ظل الحديث عن خروقات كبيرة لحزب الله لهذه المؤسسة مستغربا وغير منسجم مع مشروع الحرب على الإرهاب.

وتحرص الإدارة الأميركية على إطلاق رسائل مغايرة لما يتم تداوله لبنانيا وما تعمد الصحافة اللبنانية والدولية إلى تكراره في هذا الصدد، ما يطرح سؤالا حول المعطيات المؤكدة التي تستند إليها والتي جعلتها لا ترفع التحفظ عن دعم الجيش اللبناني وحسب بل تجعله جزءا من استراتيجيتها في محاربة الإرهاب في المنطقة وتمنحه شرعية تشكل حاليا المفهوم النهائي الذي تتكرس من خلاله الشرعيات في كل العالم.

كذلك قد يكون للشكل الذي تتخذه العقوبات تأثيرا على الجيش الذي يضم في صفوفه الكثير من اللبنانيين الشيعة الذين تحسبهم الثنائية الشيعية المؤلفة من حزب الله وحركة أمل موالين لها.

ينتج التوفيق بين وظيفة الجيش في محاربة الإرهاب وبين احتواء احتمال اختراقه من قبل حزب الله معادلة محفوفة بالمخاطر، إذ أنها تنطوي على احتمال نشوء شبكة تأثيرات سلبية تعطل جهود الجيش في محاربة الإرهاب من جهة، ومنح حزب الله الفرصة لاستغلال حضوره داخل هذه المؤسسة في توجيه الأمور بشكل يتلاقى مع مشروعه من جهة أخرى.

لا يمكن أن يكون هذا السيناريو غائبا عن الإدارة الأميركية لذا لا شك أنها تعتمد على استراتيجية تجعل من دعم الجيش مدخلا لإقصاء حزب الله عن معادلة الحرب على الإرهاب، والدفع في اتّجاه إقامة فصل تام بين نفوذه في الوسط الشيعي والتأثير على الشيعة في صفوف الجيش.

قطع مصادر تمويل الحزب الموالي لإيران
وتعمل الاستراتيجية الأميركية على إقامة نوع من التوأمة بين دعم الجيش اللبناني وفرض العقوبات المتشددة على كل مصادر تمويل الحزب وعلى كلّ العمليات المالية التي يقوم بها مناصروه أو أيّ جهات مؤيدة.

تنتج هذه التوأمة حالة حصار خانقة على الحزب في ظل الأزمة المالية الكبيرة التي يعاني منها والتي دفعته إلى محاولة إدخال الجمهور في معادلة التمويل من خلال حملات تجهيز المجاهدين وغيرها، وذلك لأنها تجعل من عملية دعمه بأيّ شكل من الأشكال بمثابة انتحار مالي، وتؤدي إلى تفكيك دائرة الوصل التي يقيمها بينه وبين جمهوره والتي يحرص من خلالها على خلق حالة من وحدة المصير.

يضاف إلى ذلك أن اشتداد الحصار على الحزب يساهم بشكل واضح في تظهير الفرز الداخلي في صفوف الحزب الذي كانت معالمه بدأت تتضح مؤخرا والذي يكشف عن وجود تمايز حاد في الامتيازات والتقديمات بين القيادات الحزبية وبين الجمهور والمؤيدين، إذ أنه في اللحظة التي يطلب الحزب فيها من الجمهور والمناصرين دعمه بالمال لتجهيز المقاتلين في سوريا وغيرها تفوح روائح الفساد المالي في وسط القيادات الحزبية العليا.

العرب اللندنية

Print Friendly, PDF & Email