تطهير وزارة الصحة العراقية من مافيا الفساد

تطهير وزارة الصحة العراقية من مافيا الفساد

 

 

شذى خليل*

    يعاني القطاع الصحي في العراق منذ التسعينات من القرن الماضي من تدهورٍ كبير ، ثم استمر بعد الاحتلال في ألفين وثلاثة من تداعيات مخطط استهدف مؤسساته الرئيسية وركائز الدولة الأساسية ، التي من بينها البنية التحتية للقطاع الصحي .
يذكر أن الفساد المالي والإداري ينتشر في العراق بشكل كبير ، إذ أن منظمة الشفافية العالمية صنفت العراق من أكثر الدول فساداً في العالم ، إلا أن الحكومة العراقية غالباً ما تنتقد تقارير المنظمة بشأن الفساد ، وتعتبرها غير دقيقة ، وتستند إلى معلومات تصلها عن طريق شركات محلية وأجنبية أخفقت في تنفيذ مشاريع خدمية في العراق .
ويؤكد المختصون أن حالة التردي التي تسيطر على هذا القطاع ، هي جزء من ذلك المخطط الذي أدى إلى إفراغ البلاد من كفاءاتها الطبية بعد أن هاجر أغلبها ، فيما ارتفعت حالات الوفيات ، بسبب الوضع الصحي المتردي.
حقائق خطيرة ، كشف عنها عمر الكبيسي ، استشاري أمراض القلب ، وحمل رتبة لواء طبيب في الجيش العراقي السابق ، ومشرف على الدراسات العليا في أمراض القلب في الهيئة الوطنية للدراسات الطبية التخصصية ، مجموعة من الحقائق التي تشير إلى وجود مخطط خطر وواضح يستهدف تحطيم البنية التحتية للقطاع والنظام الصحي في العراق .
صفقات فساد في وزارة الصحة :
عديلة حمود ، وزيرة الصحة ، التي نخر الفساد بفترة توليها إدارة الوزارة ، إذ تحوم حولها كثير من علامات الاستفهام والاستغراب بتحويلها الى الأقارب والمقربين ، وعقود الفساد ، والفساد المالي والإداري ، إذ أبرمت بملايين الدولارات ، في حين تعاني المستشفيات شحّاً في الدواء ، وحليب الأطفال في مدن هُدمت فوق رؤوس ساكنيها ، لتأتي صفقة النعل البرتغالي بسعر (27) دولاراً ، في الوقت الذي لا يجد فيه المواطن المغلوب على أمره في هذه البلاد ثمن البنادول .
وأكد مراقبون على سلسلةً من الصفقات المشبوهة في وزارة الصحة ، يناط اللثام عنها بين حين وآخر ، في أكثر الظروف صعوبةً في بلاد ينخر الفساد جميع مؤسساتها بحسب جل الإحصائيات العالمية ، حتى أكدت ذلك وزيرة الصحة العراقية عبر استيرادها (26140) نعلاً طبيّاً ، الذي لم تستطع الوزيرة تبريره بشكل مقنع حول شراء نعل لا تساوي قيمته في العراق أكثر من دولارين بقيمة (27) دولاراً ، وبعقد (900) مليون دولار ، كان يمكن أن تبني بهذا المبلغ (20) مستوصفاً صحيّاً ، بأي طريقة تفكر الوزيرة ؟! وهل تصلح لإدارة أهم وزارة في البلد ؟!

وتعاني مستشفيات البلاد من شح الأدوية والأجهزة الطبية المهمة ، ما يشعر العراقيين بحسرة فوق قتلهم اليومي وعيشهم الحرمان والعوز ، بالإضافة إلى إهمال خدمات الرعاية الصحية الأولية والوقائية والمراكز الصحية ، من ضمنها مراكز الأمومة والطفولة وبرامج التلقيحات وتحطيم البنية التحتية للخدمات ذات العلاقة بصحة الإنسان ، وعدم توفير المياه الصالحة للشرب ، وغياب الصرف الصحي ، والتخلص من النفايات ، ونقص تجهيز الكهرباء وخدمات البنية التحتية ، فضلا عن السياسة الدوائية الفاشلة وفقدان الرقابة والتفتيش على الدواء والغذاء وتدهور الصناعة الدوائية .

والعقد المشبوه بـ(23) مليون دولار لشراء أفرشة على أسرّة في بلاد أصبح عدد نازحيها أكثر من عدد الساكنين في بيوتهم .
وكشفت تسريبات سابقة من داخل مكتب وزارة الصحة عن وجود صفقة فساد بقيمة (8) ملايين دولار ، تابعة لشركتي ميديا وكوفيا المرتبطتين بأحد أعضاء لجنة الصحة البرلمانية ، ووزيرة الصحة العراقية عديلة حمود ، بعمولة قيمتها (15%) لتجهيز الوزارة بمستلزمات طبية وأدوية ذات جودة رديئة .
وقد تمت إحالة (12) عرضاً إلى شركة GE بمبلغ (400) مليون دولار ، تتضمن استيراد أجهزة طبية ، بالإضافة إلى عملية الفساد في العرض الخاص بمعامل الأوكسجين بكلفة (45) مليون دولار لإنشاء (22) معمل .

إن إبرام عقود مع شركات تعود لشخص واحد ، حيث وقعت وزارة الصحة عدة عقود مع شركات مختلفة ولكنها تعود الى شخص واحد وهو صاحب مكاتب وشركات نور الشمس ، وبرج الصادق، وبوابة الجنوب ، والصادق ، والگيلاني ، وجاء ذلك بعد ان تم الاتفاق على عمولة الوزيرة ، في العقود التالية:

1. عقد الشاش (45 في 45) حيث تم توقيع اثنان من خمسة أطباء على إحالة العقد وكان احدهم ، الذي تمت مكافئته من قبل الوزيرة ، بتعيينه معاونا لمدير عام مدينة الطب قيمة العقد ابتداء (48) مليون دولار ، وبعد ضجه إعلاميه وشكوى من لجنة الصحة والبيئة تم تخفيض العقد الى (14) مليون دولار ، حيث كانت هناك نسبة من الرشوة الى نائب رئيس لجنة الصحة والبيئة البرلمانية .

2. عقد سيارات الإسعاف أحيل الى نفس صاحب مكاتب وشركات نور الشمس ، اذ أحيلت المناقصة بسعر (117500) دولار للسيارة الواحدة وهي سيارات مصنعه في تركيا بينما السيارات الألمانية من الشركات الأم سعرها (120000) دولار .
3. عقد الزجاجيات المختبرية وتمت إحالته بسعر (3.3) مليون دولار ويوجد تحقيق بالعقد وتوقف العقد لمدة سنوات بسبب التحقيق ، ولكن أتى أمر من الوزيرة بالاستمرار بالإحالة وإطلاق المبلغ بعد التفاهم مع صاحب الشركة أعلاه ، علما ان المواد الموجودة بالعقد أكثر من الاحتياج .

4. عقد گاون بمبلغ (1750000) دولار .
5. عقد خيوط بمبلغ (1750000) دولار .
6. عقد غرف التبريد المركزي بقيمة (14.6) مليون دولار .
7. عقد سرنجات (5 سي سي) بمبلغ (3.5) مليون دولار محالة الى شركة الگيلاني مع العلم ان نسبة الرشوة على العقود أعلاه كانت 15% .

الفساد في العراق ليس كالفساد في غيره من الدول ، لا من حيث الكم ولا من حيث الوزن ولا من حيث الفاعل ولا من حيث النوع ولا من حيث الأسباب ولا من حيث الموقف منه ، فالفساد في العراق ما عاد حالة استثنائية ، إنما بات القاعدة ، والفساد في العراق يُمارس لذاته ويُمارس كسلاح في الحرب المحتدمة على الحكم ، والفساد في العراق يقاس بالمليارات وليس بالمفرد ، والفساد في العراق ليس من جراء إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية كما تقول عنه منظمة الشفافية الدولية ، إنما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة ، والفساد في العراق لم يعد مخجلاً ، فقد بات يشرعن ويقنن ، والذين يمارسونه لا يرمش لهم طرفٌ حياء أو خوف ، بل بات الأمر مغانما بدلا من أن يكون تفانيا .
ولفت بعض أطباء العراق ممن هم خارج الوطن ، إلى أن الاستمرار بمخطط تهجير الكفاءات الطبية والكوادر الصحية واستهدافها جسديا ، يهدف إلى إقصائها ودفعها إلى النزوح ، والتستر على علاقة الارتفاع الهائل في حالات الأورام والتشوهات والإسقاطات والعقم ذات العلاقة باستخدام أسلحة الدمار المحظورة والمعادن الثقيلة والتلوث البيئي والمثبتة في دراسات عراقية وعالمية.
وضمن الأسلوب نفسه تحصل دول غربية وشرقية عديدة على كوادر طبية متخصصة وغير متخصصة بعد التخرج لتغطية احتياجاتها على حساب هجرة العقول الطبية العراقية ، فعلى سبيل المثال تشكل نسبة الأطباء العراقيين في أحد مستشفيات السويد أكثر من (50%) من مجموع الأطباء العاملين فيه.
وأخيرا ، يجب على الوزيرة عديلة ان تعي أن الطب مهنة وعلم وسلوك ، والمواطن العراقي يستحق الحياة بكرامة .
ووزارة الصحة من أهم الوزارات التي لها ارتباط وثيق بالإنسان وصحته وراحته وهناءه وبقائه ووجوده بلا شك ، فمن المؤكد أن تحقيق أي فضيلة وإبداع في تقدمه ، يحسب بكل المعايير أنه نهضة حقيقية بالحياة التي هي جوهر الكون .

 

وحدة الدراسات الاقتصادية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email