احتجاجات جديدة تطالب برحيل الطبقة السياسية في العراق

احتجاجات جديدة تطالب برحيل الطبقة السياسية في العراق

بغداد – سادت العاصمة العراقية حالة من الترقّب، بعد الدعوة التي أطلقها مجهولون للتظاهر في ساحة التحرير وسط بغداد، لكن التطورات التي حملتها الساعات الأخيرة كشفت عن الاستياء العارم لدى غالبية العراقيين من الأحزاب الحاكمة، وجذب الشارع العراقي إلى الاحتجاجات ضد الفساد والبطالة وسيطرة الأحزاب الدينية على مؤسسات الدولة.

وبرغم أن أجهزة الأمن العراقية نجحت في تفريق التظاهرة، صباح الثلاثاء، إلا أنها عانت كثيرا في التعامل مع التظاهرة المسائية في ساحة التحرير، لاسيما مع زيادة أعداد المحتجين وتوجه شبان من مدينة الصدر شرق بغداد لدعم المتظاهرين في ساحة التحرير.

وحاول المتظاهرون عبور جسر الجمهورية نحو المنطقة الخضراء، لكن قوات الأمن منعتهم، واستخدمت الرصاص الحي في تفريقهم، ما أوقع عددا من الإصابات بينهم، فيما أبلغ بشكل غير مؤكد عن مقتل ثلاثة محتجين.

لكن المتظاهرين، وفقا لشهود عيان، تسببوا في إصابات عديدة بين صفوف قوات الأمن، باستخدام الحجارة، فيما أضرموا النار بمبنى مهجور يدعى “المطعم التركي”، بعد منعهم من عبور جسر الجمهورية نحو المنطقة الخضراء.

وقال مراسل “العرب”، إن تظاهرات مماثلة تحركت، مساء الثلاثاء، في مدينتي الناصرية والبصرة وجنوب العراق، لكن أعداد المحتجين كانت قليلة.

وظهرت خلال الأيام الماضية دعوات للتظاهر “الثوري” في بغداد ضد الأحزاب الفاسدة. وحددت الدعوات، صباح الثلاثاء، موعدا للتجمع وسط العاصمة، لكن المثير في الأمر أن الجهات التي عرفت بنشاطاتها الاحتجاجية، لم تكن جزءا من هذه الدعوات.

وأعلن قادة في التيار الصدري، الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وهو أكبر كتلة احتجاجية في البلاد، أن لا علم لهم بالجهات المنظمة لهذه التظاهرة، نافين المشاركة فيها، فيما قال نشطاء في التيار المدني، الذي يشارك الصدريين حركة الاحتجاج منذ أعوام إنهم لم يطلقوا دعوات للتظاهر في هذا التوقيت.

وقال مدونون بارزون في بغداد إنهم تلقوا هذه الدعوات من حسابات مجهولة في فيسبوك وتويتر، ما عزز شعور الريبة المحيط بها.

وبسبب غموض الجهة الداعية للتظاهرة، حذر نشطاء من أنها قد تكون فخا، أو نوعا من المؤامرات، فيما سارع قادة الأحزاب الإسلامية إلى اتهام حزب البعث المحظور بتنظيم هذا الحراك.

وقال شهود عيان إن المئات من المتظاهرين تجمعوا في ساحة التحرير، الثلاثاء، لكن شعاراتهم تنوعت بين المطالبة برحيل الطبقة السياسية ومحاربة الفساد وتوفير فرص العمل.

وهرعت قوات مكافحة الشغب نحو المكان، وطوقته، وقطعت الطرق التي تصل إليه، فيما عمدت إلى تفريق المحتجين عبر رشهم بالمياه الساخنة.

وسخر مدونون من إجراءات الحكومة التي اتسمت بالمبالغة الكبيرة في التعامل مع المحتجين، ما يعكس خشيتها من تطوّر الحركة الاحتجاجية.

ويعاني العراق، الذي أنهكته الحروب، من انقطاع مزمن للكهرباء ومياه الشرب منذ سنوات. فضلا عن فساد متفشّ في مؤسسات الدولة وانعدام فرص العمل للخريجين، واستحواذ طبقة سياسية مرتبطة بالأحزاب الدينية الحاكمة على غالبية ثروات البلد.

وردد المتظاهرون شعار “باقونا (سرقونا) الحرامية”، في إشارة إلى الطبقة الحاكمة في البلد الذي يحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فسادا في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية.

وبحسب تقارير رسمية، فمنذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق.

وتعتبر هذه التظاهرة أول التحركات المطلبية التي تواجهها الحكومة الحالية التي تتم عامها الأول في السلطة في نهاية أكتوبر الحالي.

وإضافة إلى الهتافات المطالبة بالخدمات وتوظيف الشباب الذين تطالهم البطالة بنسبة 25 في المئة وهو ضعف المعدل العام، حمل آخرون لافتات داعمة لقائد قوات مكافحة الإرهاب الفريق عبدالوهاب الساعدي.

وأثار قرار رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي، الأسبوع الماضي، استبعاد الفريق الساعدي، الذي اضطلع بدور كبير في المعارك ضد تنظيم داعش، غضبا في البلاد وسط علامات استفهام عن أسباب القرار.

وأثار تسجيل مصور وزعه أحد النشطاء، تضمن إعلانا “ثوريا” عن حكومة إنقاذ وطني. سخرية في الأوساط العراقية.

ورغم أن الإعلان، الذي صوره شاب يدعى أحمد الحلو، تضمن خليطا من الشخصيات لتشكيل حكومة الإنقاذ، يعكس تركيبة المجتمع العراقي طائفيا وقوميا، إلا أنه قوبل بسخرية كبيرة، في وسائل التواصل الاجتماعي.

ووفقا للإعلان “الثوري”، فإن حكومة الإنقاذ الجديدة، يجب أن تكون بقيادة الجنرال المنقول حديثا من جهاز مكافحة الإرهاب إلى وزارة الدفاع، عبدالوهاب الساعدي، أو زميله السابق في جهاز مكافحة الإرهاب الجنرال عبدالغني الأسدي.

كما تضمن الإعلان، تسمية مسرور نجل مسعود البارزاني، الزعيم الكردي المعروف، نائب رئيس لحكومة الإنقاذ لشؤون الأقاليم، فيما سمي الشريف علي بن الحسين وزيرا للخارجية.

ولم يفت منظمو الإعلان وضع شخصيات بارزة في عهد النظام العراقي السابق، من قبيل وزير التجارة الأسبق محمد مهدي صالح، الذي حافظ على الحقيبة نفسها في حكومة الإنقاذ المفترضة.

واستقبل بعض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في قائمة حكومة الإنقاذ الإعلان بقلق. وقال القاضي منير حداد، الذي اختاره الإعلان الثوري ليكون رئيسا لمجلس القضاء الأعلى، إنه لا يعرف المنظمين، ولم يتواصل معهم، معتبرا أن استخدام اسمه بهذه الطريقة “يفتح باب الفتنة”.

ويقول مراقبون إن الشارع العراقي، ربما تكيف مع حالة الفشل التي تكرسها الأحزاب الإسلامية التي تقود الدولة، لذلك فإن ردود الأفعال الشعبية نحو حديث شيوع الفساد وسوء الإدارة، ليست أكثر من كلمات غاضبة.

وخلال الأعوام الماضية، حاول نشطاء تنظيم الشارع العراقي لبناء حركة احتجاجية ضاغطة، لكن الانقسامات سرعان ما ضربت المتظاهرين، والمنظمين أنفسهم، إذ انقسموا إلى فريق يوافق على التنسيق مع أي شريك شعبي كبير الحجم، حتى إذا كان من خلفية إسلامية، على غرار التيار الصدري، وبين فريق آخر يرفض التعامل مع أي فصيل إسلامي، مهما كانت الظروف.

وعبر الكاتب السياسي العراقي فاروق يوسف عن صعوبة إعطاء تفسير لما وصفه “فشل الشعب العراقي في تنظيم نفسه والدفاع عن حقوقه ومصالحه وأوضاعه المعيشية من خلال حركة احتجاج سلمية تكون قادرة على بلورة رؤية مضادة للواقع الرث والمزري الذي صنعته الأحزاب الإسلامية المهيمنة على الدولة منذ عام 2005”.

وتوقع يوسف في تصريح لـ”العرب” استمرار هيمنة تلك الأحزاب إلى وقت غير معلوم.

وبغض النظر عن أسباب تظاهرة الأمس فإن حالة الاستسلام التي يعيشها العراقيون في مواجهة الفقر والعوز والفساد والاستقواء بالسلاح وغياب العدالة وتخلي المؤسسات عن واجبها الخدمي وانعدام القدرة على التغيير هي حالة فريدة من نوعها في التاريخ.

وعزا يوسف كل ذلك إلى أن العراق لم يشهد طوال عقود قيام حياة سياسية سليمة. وما شهده يمكن اعتباره صراعا بدائيا تميز بالعنف والقسوة بين أحزاب سعت إلى الاستيلاء على السلطة أو الحفاظ عليها.

وقال “ذلك الإرث هو ما ساعد الأحزاب الإسلامية على أن تفرض وجودها على شعب مستضعف أقام فهمه للسياسة على أسس قبلية وطائفية وجهوية. كما أن سنوات ما بعد الاحتلال الأميركي التي تمتعت تلك الأحزاب فيها بحماية مزدوجة أميركية وإيرانية في الوقت نفسه كانت مجالا خصبا لتطبيع الفساد بمختلف صوره.

وسهلت الحماية الأميركية الإيرانية على رجال الدين أن يتحولوا إلى واجهات سياسية مقبولة وأن يلعبوا دورا خطيرا في غسيل العقول بحيث صارت مطالب الشعب الخدمية تخضع لشروط وتفسيرات طائفية كما لو أنها مطالب تتعلق بممارسة الطقوس الدينية.

وانتشرت شائعات التخوين والتآمر مما أحدث تمزقا مضافا للنسيج الاجتماعي الممزق أصلا. وتم إضعاف المجتمع بطريقة ممنهجة، بحيث صار من غير الممكن التعرف على المصلحة الوطنية الجامعة للمواطنين.

العرب