الثقافة تعاضد التمدد الروسي في أفريقيا

الثقافة تعاضد التمدد الروسي في أفريقيا

إلى جانب التمدد العسكري الروسي في أفريقيا، تسعى موسكو إلى نشر ثقافتها لدى الأجيال الأفريقية من خلال فتح مدارس لتعلم اللغة الروسية والمشاركة في صياغة البرامج التعليمية بما يخدم مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.

إلى جانب التمدد العسكري الروسي في أفريقيا من خلال إبرام اتفاقيات أمنية مع دول المنطقة، تعمل موسكو أيضا على تعزيز نشر لغتها القومية في القارة الأفريقية عبر اتفاقيات تتعلق بـ”التعاون” في مجالات التعليم والتربية والتبادل الثقافي.

ويرى محللون أن النفوذ الثقافي التي تسعى روسيا إلى تكريسه داخل الدول الأفريقية الحليفة من شأنه معاضدة تمددها الإستراتيجي والجيوسياسي في المنطقة التي تشهد تحولات عميقة تبعد العديد من دولها عن المحور الغربي.

وأجرى وزير التربية الوطنية ومحو الأمية وتعزيز اللغات الوطنية البوركينابي جاك سوستين دينغارا مؤخرا مناقشات مع وفد روسي متخصص في التعليم، حول مجموعة من مجالات التعاون التي تهدف إلى رفع نظام التعليم في بوركينا فاسو إلى آفاق جديدة من الجودة .

وتشمل مجالات التعاون إدخال اللغة الروسية كلغة للتعليم في المدارس في بوركينا فاسو.

وبحسب إدارة الاتصال بوزارة التربية والتعليم فإن “هذه المبادرة الطموحة تهدف إلى فتح آفاق ثقافية ولغوية جديدة للطلاب، مع تعزيز العلاقات بين البلدين”.

ومن النقاط الأساسية الأخرى للتعاون المشترك إنشاء منصة رقمية تتكيف مع الاحتياجات التعليمية المحددة لبوركينا فاسو، وهي مبادرة تهدف إلى تحديث التعليم وتعزيز الوصول إلى التعليم الجيد للجميع.

المرحلة القادمة ستشهد اتساع تدريس اللغة الروسية في القارة السمراء في سياق تكامل آليات النفوذ الروسي

وبالإضافة إلى ذلك، تخطط روسيا، بالتعاون مع الفنيين البوركينابيين، للتدخل في إنشاء مواد تعليمية تهدف إلى تعزيز الإعداد المهني للطلاب، مع مراعاة الواقع المحلي، كما تعمل على تدريب المعلمين على الاستخدام الفعال للمواد التعليمية، وتعزيز القيم الوطنية داخل مدارس بوركينا فاسو، وكذلك إعداد المدراء التنفيذيين في قطاع الطيران، في قلب المناقشات.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعا في يوليو الماضي إلى استكشاف إمكانية افتتاح مدارس في أفريقيا لدراسة المواد باللغة الروسية، حيث أن دراسة اللغة الروسية وإدخال معايير التعليم الروسية في أفريقيا سيضعان الأساس لتعزيز المزيد من التعاون، مبرزا أن روسيا ستساعد أفريقيا على تطوير التعليم الثانوي والعام، وتدريب المعلمين.

وقال بوتين إن ما يقرب من 35 ألف طالب من أفريقيا في الجامعات الروسية وأعدادهم في تزايد مستمر، مشيرا إلى أن أكثر من 10 آلاف طالب من القارة السمراء يدرسون في المعاهد الطبية الروسية.

وتطرق بوتين إلى اتساع برامج التبادل ما بين الشباب في روسيا وأفريقيا، وأكد اعتزام بلاده تطوير التعاون في مجال الإعلام لاسيما في مجال المضمون الإعلامي، معلنا عن وجود خطط لافتتاح عدد من القنوات الروسية في أفريقيا.

وتعمل مراكز تعلم اللغة الروسية في أكثر من نصف دول القارة، وتقدم دروسًا ليس فقط بالتنسيق التقليدي ولكن أيضا عبر الإنترنت مع مواقع الجامعات المحلية.

وفي كينيا، بدأت الدروس في الربيع وفقًا للسفير الروسي دميتري ماكسيميتشيف، فبفضلهم، زاد عدد متعلمي اللغة الروسية في البلاد بمقدار عشرة أضعاف، وقد بدأ الكثيرون في تلقي الدروس، أي ما يقرب من ألف طالب.

كما قام المئات من الطلاب بالتسجيل في دورات في غانا وساحل العاج ونيجيريا. وتم افتتاح مراكز التعليم المفتوح العام الماضي في مصر وزيمبابوي وأوغندا وإثيوبيا وتنزانيا وتونس وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقامت مجموعة من أساتذة اللغة الروسية بزيارة تونس من 29 أكتوبر إلى 11 نوفمبر الماضيين لإلقاء الدروس ودروس الماجستير مع زملائهم التونسيين من المعاهد الثانوية ومؤسسات التعليم العالي، فضلا عن طلاب اللغة الروسية.

وكانت جامعة إيفسيفييف موردوفيان التربوية الحكومية قد افتتحت في مايو الماضي مركزا للتعليم المفتوح وتعليم اللغة الروسية في تونس بدعم من المركز الثقافي الروسي وبتمويل من وزارة التعليم الروسية.

وبيّن رئيس المركز الروسي للعلوم والثقافة في تونس، يوري زايتسيف، أن تونس هي حاليا الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا التي تتمتع فيها اللغة الروسية بالصفة الرسمية كلغة التعليم الإضافي في نظام التعليم الثانوي، وأضاف “في مايو 2023، افتتحت جامعة إيفسيفييف موردوفيان التربوية الحكومية، مركزا للتعليم المفتوح وتعليم اللغة الروسية في تونس تحت رعاية منحة من وزارة التعليم الروسية، ثم قامت مجموعة من أساتذة اللغة الروسية بزيارة إلى الدولة الواقعة في شمال أفريقيا لإلقاء الدروس ودروس الماجستير مع زملائهم التونسيين من المعاهد الثانوية ومؤسسات التعليم العالي، فضلا عن طلاب اللغة الروسية”.

واحتضنت ضاحية المرسى التونسية على مدى ثلاثة أيام، من 16 إلى 18 أبريل الجاري، المنتدى الدولي “تيرا روستيكا” الذي يعد أكبر حدث في مجال تعليم وتعلم اللغة الروسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحضور أكثر من مئة مشارك من مدرسي اللغة الروسية ورؤساء الهيئات التعليمية وممثلي الجمعيات غير الربحية ودور النشر من تونس، وروسيا، والجزائر، ومصر، وليبيا، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة.

وتولى فلاديمير تولستوي مستشار رئيس روسيا ورئيس الجمعية الدولية لمدرسي اللغة الروسية وآدابها ورئيس مجلس إدارة مؤسسة “العالم الروسي” رئاسة الوفد الروسي إضافة إلى علماء بارزين يمثلون جامعة موسكو الحكومية، وجامعة سانت بطرسبرغ الحكومية، والجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب، والمعهد الحكومي للغة الروسية باسم ألكسندر بوشكين، وجامعة قازان (الفيدرالية)، ومعهد الأدب الروسي (بيت بوشكين) التابع لأكاديمية العلوم الروسية، ومعهد الأدب باسم مكسيم غوركي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدعو إلى استكشاف إمكانية افتتاح مدارس في أفريقيا لدراسة المواد باللغة الروسية

وقالت الجمعية الدولية لمدرسي اللغة والآداب الروسية إن اختيار تونس كمكان لعقد المؤتمر ليس عشوائيا “إذ تعتبر إلى هذه اللحظة البلد الوحيد في شمال أفريقيا الذي يتم فيه تدريس اللغة الروسية كمادة لغوية اختيارية ضمن المناهج الدراسية للمدارس العامة الإعدادية والثانوية، ويتلقى التعليم فيها حوالي 1200 تلاميذ. وفي تونس تعمل مؤسسة وطنية متخصصة في تحضير خبراء في اللغة الروسية حيث يقدم المعهد العالي للغات بتونس التابع لجامعة قرطاج تأهيلًا للخبراء ومعلمي اللغة الروسية”. وشهد العام 2022 تأسيس الجمعية التونسية لأساتذة اللغة والآداب الروسية.

والقطاع التعليمي الدوري ممثل على نطاق واسع في تونس أيضا، فقد جرى تنظيم دورات اللغة الروسية لأكثر من 50 سنة تحت رعاية المركز الروسي للعلوم والثقافة، ويجري افتتاح مدارس التعليم الخاصة التي تعلم الأطفال الناطقين باللغتين (الروسية من ضمنهما).

وتعتبر أفريقيا الوسطى أول دولة أفريقية تقر إلزامية اعتماد اللغة الروسية كلغة رسمية للدراسة في جامعات البلاد منذ العام 2022 وفق مرسوم وقعه الرئيس فاوستين أرشانغ تواديرا، وقامت موسكو بالمساعدة على تنفيذه بإرسال معلمين متخصصين الى البلد الأفريقي الذي كان مستعمرة فرنسية حتى العام 1960.

وفي الأثناء تقوم جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية بتنفيذ أعمال واسعة النطاق لتدريس اللغة الروسية في أفريقيا.

وتم تنفيذ هذا العمل بشكل منهجي ومستمر منذ عام 2021؛ ويتزايد عدد البلدان التي تجري فيها جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية دوراتها. وفي عام 2023 وحده، أعرب أكثر من 2500 شخص عن اهتمامهم بهذه الأحداث.

وبحسب المراقبين، فإن المرحلة القادمة ستشهد اتساع الحاجة إلى معلمين مدربين على تدريس اللغة الروسية التي بدأت في الانتشار في القارة السمراء في سياق تكامل آليات النفوذ الروسي المتنامي.

العرب