الخلاف بشأن مواجهة موجة الاحتجاج يشق الرئاسات في العراق

الخلاف بشأن مواجهة موجة الاحتجاج يشق الرئاسات في العراق

حركة الاحتجاج غير المسبوقة التي شهدها العراق مؤخّرا، وإن قُمعت بعنف شديد من قبل السلطات، فإنّ لها فضل إعادة لفت الانتباه إلى قصور العملية السياسية وفساد النظام الذي بدأت أركانه تستشعر الخطر على استمراره وتفكّر في طريقة إنقاذه.

بغداد – دفعت الاحتجاجات الشعبية العارمة التي شهدها العراق مؤخّرا الطبقة الحاكمة إلى التفكير في أنجع الطرق لتهدئة غضب الشارع حماية للنظام القائم الذي بدت مظاهر النقمة عليه والدعوات إلى إسقاطه ورحيل جميع رموزه، جليّة في الشعارات التي رفعها المحتجّون في ساحات الاعتصام والتظاهر، وروّجوا لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويعني سقوط النظام القائم على المحاصصة الحزبية والعرقية والطائفية بقيادة الأحزاب الدينية، ضياع مصالح حيوية للقائمين على ذلك النظام، وأيضا لإيران التي تعاونت بفعالية مع الولايات المتحدة لإنشائه على أنقاض نظام حزب البعث، ثمّ نجحت لاحقا في الإمساك بزمامه عن طريق قادة أكبر الأحزاب الشيعية والميليشيات المسلّحة وتسخيره بالكامل لخدمة أهدافها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وظهر اتجاهان في كيفية إنقاذ النظام من غضب الشارع، يعتمد الأول تحقيق مكاسب مادية عاجلة للطبقات الشعبية التي تعتبر خزّان الغضب ومصدر النقمة على رموز الحُكم وقادته، ويقوم الثاني على تجاوز الطابع الآني العاجل لإجراءات تهدئة الشارع بإدخال إصلاحات أعمق تطال بعض أسس النظام دون تغيير طبيعته.

ويقول ساسة عراقيون ونواب في البرلمان إن الرئيس العراقي برهم صالح ينحو في مساره للتعامل مع التظاهرات الشعبية ضد النظام السياسي وفساده، بعيدا عن خطط رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي.

وبدا واضحا أن التظاهرات التي انطلقت بعفوية مطلع الشهر الجاري في بغداد وانتشرت سريعا في محافظات الوسط والجنوب، تجاوزت في شعاراتها الجريئة فكرة “الإصلاح الداخلي” الذي تتبناه المنظومة السياسية العراقية لصالح فكرة أوسع تصل حد المطالبة بإسقاط النظام السياسي برمّته.

وبينما يوجه صالح الأنظار نحو ركائز مؤثرة في النظام القائم كقانون الانتخابات وبيئة العمل السياسي، مقترحا تعديلها ما قد يقود نحو تغيير حقيقي في بنية الدولة على أمل أن يؤدي إصلاحها بشكل حقيقي إلى تهدئة المحتجين الغاضبين الذين يستعدّون لجولة تظاهرات جديدة في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، يفضل عبدالمهدي والحلبوسي العمل من داخل المنظومة من خلال دفع المبالغ النقدية للمحتجين أو التعهد بتوظيفهم أو منحهم قطع أراض سكنية وإقراضهم لبنائها، وهي إجراءات قد يكون لها مفعول قريب المدى لكنها تورّط الدولة في التزامات مالية تعجز واردات البلاد عن مجاراتها ما يعني زيادة في العجز الذي تعاني منه خزينة الدولة.

لذلك تشير المصادر إلى أنّ الرئاسات الثلاث؛ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب انقسمت إلى “معسكرين” بسبب موجة الاحتجاجات الأخيرة، يقود المعسكر الأول برهم صالح، فيما يقود الثاني كلّ من عادل عبدالمهدي ومحمّد الحلبوسي.

وتؤكد المصادر أن عبدالمهدي والحلبوسي ينسقان بشكل فعّال جميع التحركات الإجرائية الموجهة نحو احتواء غضب المتظاهرين وهو الأمر الذي يقابل بفتور من قبل صالح الذي يرى أن الإصلاح يجب أن يصل إلى الأركان الأساسية للمنظومة السياسية.

ويعود ذلك، وفقا لمراقبين، إلى أن عبدالمهدي والحلبوسي يترجمان التزامهما بالاتفاقيات التي أوصلتهما إلى منصبيهما مع مختلف الأحزاب ولاسيما تلك الموالية لإيران التي تريد عدم المساس بقواعد العمل السياسي التي أنتجت شكل النظام القائم. ولهذا السبب يتجاهل عبدالمهدي والحلبوسي حديث صالح عن أن “العراق مقبل على تحولات كبيرة ونحن بحاجة إلى إصلاحات بنيوية تعيد الثقة بمنظومة الحكم في البلاد ومن أهمها مراجعة المنظومة الانتخابية بشكل جدي وهادف يؤَمِّن للعراقيين فرصة مضمونة للتعبير عن إرادتهم دون انتقاص وتلاعب”.

تقديم مكاسب مادية عاجلة للفئات الغاضبة حل سطحي ذو نتائج ظرفية ويرتّب على الدولة التزامات مالية تفوق قدراتها

وتؤكد مصادر “العرب” أن البرود في العلاقة بين رئيس الجمهورية من جهة ورئيسي البرلمان والحكومة من جهة ثانية قد يتحول إلى خلاف علني في أي لحظة.

وتشير المصادر إلى أن صالح يخطط للتقدم بمشروع قانون إلى البرلمان يقترح تنظيما جديدا للعملية الانتخابية التي تصنع مجلس النواب (البرلمان) ومجالس المحافظات المحلية.

ومنذ العام 2005 جرى تفصيل القوانين الانتخابية بما يحفظ للأحزاب المتنفّذة ذات الخلفيات الطائفية والقومية، مصالحها وحظوظها في البرلمان والمجالس المحلية حتى شاع في أوساط العراقيين أن تغيير الطبقة السياسية الجاثمة على صدور الناس منذ نحو 16 سنة هو ضرب من الخيال.

ومن شأن قانون انتخابات عادل في العراق تسهم في تطبيقه الأمم المتحدة، كما يريد رئيس الجمهورية، أن يفتح الباب على إمكانية إحداث خرق في التمثيل السياسي أمام احتكار أحزاب محددة لمعظم مصادر السلطة في البلاد.

ووفقا للدستور فإن من حق رئيس الجمهورية اقتراح مشروعات القوانين وعرضها على البرلمان، وهو الإجراء الذي يخطط له صالح من دون تحديد مستوى جديته بالنظر إلى أنه يتبنى أمرا قد يزلزل مواقع الأطراف التي تمثل المصالح الإيرانية في العراق.

ووفقا لبعض التسريبات فإن التعديل الذي يدور في ذهن الرئيس العراقي ينطلق من فكرة تغيير قانون الانتخابات الحالي ليصبح متعدد الدوائر داخل كل محافظة بما يضمن وصول نائب عن كل دائرة وهو ما ينسف مكاسب الأحزاب الكبيرة التي تراهن في كل انتخابات على قائمة موحدة في كل محافظة، من دون وجود أي اعتبار لكفاءة أو شعبية المرشحين الذين تقدّمهم لأنهم مجرد ممثلين لمصالح هذا الحزب أو ذاك.

العرب

Print Friendly, PDF & Email