في أول اختبار للحكومة الجديدة: الزيدي ينتزع عودة الدولار إلى بغداد ويشعل ترقب الأسواق

في أول اختبار للحكومة الجديدة: الزيدي ينتزع عودة الدولار إلى بغداد ويشعل ترقب الأسواق


الباحثة شذا خليل*

في أول اختبار اقتصادي للحكومة العراقية الجديدة، نجح رئيس الوزراء المكلف علي فالح كاظم الزيدي في انتزاع استجابة سريعة من الولايات المتحدة بعد مطالبته بإعادة استئناف إرسال شحنات السيولة النقدية بالدولار إلى بغداد. التحرك حمل دلالة سياسية واقتصادية معاً، إذ عكس قدرة الحكومة الجديدة على فتح قنوات تفاهم مبكر مع واشنطن بشأن ملف حساس يمس الاستقرار النقدي اليومي للعراق. كما أن الاستجابة الأمريكية السريعة أوحت بأن العلاقة المالية بين الجانبين ما زالت قائمة على التنسيق رغم التوترات الإقليمية. وصول الشحنة الأولى لم يكن مجرد إجراء مصرفي، بل رسالة ثقة مبكرة للحكومة الجديدة ورسالة طمأنة للأسواق العراقية. وفي بلد ترتبط فيه حركة الأسعار وسعر الصرف بتوفر الدولار، فإن أي انفراج في هذا الملف يتحول فوراً إلى حدث اقتصادي من الدرجة الأولى.

بغداد، العراق – وصول أول شحنة من السيولة النقدية بالدولار من الولايات المتحدة إلى بغداد بعد فترة توقف لم يكن حدثاً مصرفياً عادياً، بل لحظة اقتصادية تحمل رسائل أكبر بكثير من قيمة الشحنة نفسها. ففي دولة يعتمد اقتصادها بصورة شبه كاملة على النفط، يصبح مسار الدولار جزءاً من الأمن المالي اليومي، وأي انقطاع فيه كفيل بإثارة قلق الأسواق ورفع حساسية سعر الصرف.
الحكومة العراقية أكدت أن الشحنة وصلت بعد استقرار حركة الملاحة الجوية وهدوء التوترات السياسية في المنطقة، في إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد العراقي لا يتأثر فقط بعوامل العرض والطلب، بل أيضاً بالتطورات الجيوسياسية والممرات الجوية والقرارات الدولية.
ورغم أن المسؤولين أوضحوا أن هذه الشحنات تمثل نحو 5% فقط من إجمالي الكتلة النقدية المطلوبة، وأن البنك المركزي العراقي يحتفظ بالنسبة الأكبر داخل خزائنه، إلا أن أهمية الخبر تكمن في الرمزية الاقتصادية أكثر من الرقم نفسه. فاستمرار تدفق الدولار يعني بقاء شريان التجارة الخارجية مفتوحاً، لأن العراق يعتمد على العملة الأمريكية في تمويل الاستيراد، وتسوية المدفوعات، وتهدئة سوق الصرف.

اقتصادياً، يبعث استئناف الشحنات ثلاث إشارات رئيسية. الأولى أن البنك المركزي ما زال يمتلك قدرة تشغيلية على إدارة السيولة ومنع أي نقص مفاجئ في السوق. الثانية أن الطلب التجاري على الدولار سيبقى مغطى، ما يقلل فرص توسع السوق الموازية. أما الثالثة فهي نفسية بامتياز، إذ تمنح الأسواق رسالة طمأنة بأن العلاقة المالية مع واشنطن ما زالت مستقرة.

لكن خلف هذا الهدوء تكمن معضلة أعمق. فارتباط جزء من السيولة العراقية بآليات خارجية يكشف مدى اعتماد البلاد على نظام مالي لا تتحكم به بالكامل. أي اضطراب سياسي، أو توتر إقليمي، أو تغير في قواعد الامتثال المصرفي، قد يتحول سريعاً إلى ضغط داخلي على الدينار والأسعار.
هذا هو التحدي الحقيقي أمام العراق: ليس فقط تأمين الدولار، بل بناء اقتصاد لا يهتز كلما تأخرت طائرة نقدية أو توترت منطقة. فالدول القوية لا تُقاس فقط بحجم احتياطياتها، بل بقدرتها على الوصول إليها دون قلق.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية