التكنولوجيا الحيوية.. الثورة الاقتصادية القادمة التي قد تصنع أثرياء جدداً وتغيّر مستقبل الطب

التكنولوجيا الحيوية.. الثورة الاقتصادية القادمة التي قد تصنع أثرياء جدداً وتغيّر مستقبل الطب

الباحثة شذا خليل*
على مدار العقود الماضية، شهد العالم عدة ثورات اقتصادية غيرت شكل الثروة العالمية. بدأت بثورة النفط التي صنعت إمبراطوريات مالية كاملة، ثم جاءت ثورة الإنترنت التي حولت شركات ناشئة صغيرة إلى عمالقة تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات. وبعدها ظهرت ثورة الذكاء الاصطناعي التي أعادت رسم خريطة الاستثمار والتكنولوجيا في العالم.

اليوم، يعتقد عدد متزايد من الخبراء أن العالم يقف على أعتاب ثورة جديدة قد تكون أكثر تأثيراً من جميع ما سبق، وهي الثورة التي تجمع بين التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والطب التجديدي.

في الأسواق المالية، تتمتع شركات التكنولوجيا الحيوية بخصوصية لا توجد في معظم القطاعات الاقتصادية الأخرى. فبينما تحتاج الشركات التقليدية إلى سنوات طويلة لتحقيق نمو تدريجي في الإيرادات والأرباح، يمكن لشركة صغيرة تعمل على علاج مبتكر أن تضاعف قيمتها السوقية عدة مرات خلال فترة قصيرة جداً بمجرد الإعلان عن نتائج سريرية إيجابية أو الحصول على موافقة تنظيمية حاسمة.

السبب في ذلك يعود إلى أن المستثمرين لا يشترون الحاضر فقط، بل يشترون المستقبل المحتمل. فعندما تنجح شركة في تطوير علاج قادر على معالجة مرض مزمن أو مستعصٍ، فإن السوق لا ينظر إلى أرباحها الحالية، بل إلى مليارات الدولارات التي يمكن أن تحققها خلال السنوات المقبلة.

ومن هنا تأتي أهمية قطاع الخلايا الجذعية الذي بدأ يخرج تدريجياً من نطاق الأبحاث العلمية إلى نطاق التطبيقات الطبية الفعلية. فالعلاجات المعتمدة على الخلايا الجذعية أصبحت تستخدم بالفعل في بعض الأمراض الخطيرة، بينما تتوسع التجارب السريرية في مجالات تشمل إصابات الأعصاب وأمراض المناعة والاضطرابات التنكسية المرتبطة بالتقدم في العمر.

لكن العامل الذي قد يسرّع هذه الثورة بصورة غير مسبوقة هو الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من استغراق سنوات طويلة في تحليل البيانات السريرية واكتشاف المركبات الدوائية الجديدة، أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على اختصار جزء كبير من الوقت والتكلفة. وهذا التطور لا ينعكس فقط على سرعة الاكتشاف، بل أيضاً على دقة اختيار المرضى وتصميم العلاجات الشخصية وتحسين نتائجها.

اقتصادياً، يمثل هذا التحول فرصة ضخمة في ظل التغيرات الديموغرافية العالمية. فعدد كبار السن في العالم يرتفع بوتيرة متسارعة، بينما تتزايد معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والتنكسية. ومع ارتفاع الإنفاق الصحي عالمياً إلى مستويات قياسية، تبحث الحكومات وشركات التأمين والأنظمة الصحية عن حلول أكثر فعالية وأقل تكلفة على المدى الطويل.

لهذا السبب تتدفق مليارات الدولارات سنوياً إلى شركات التكنولوجيا الحيوية الناشئة. فالمستثمرون يدركون أن الشركة التي تنجح في تقديم علاج ثوري واحد قد تتحول من مشروع صغير إلى مؤسسة عالمية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

ومع ذلك، فإن الوجه الآخر للصورة لا يمكن تجاهله. فالتكنولوجيا الحيوية هي أيضاً من أكثر القطاعات خطورة في الأسواق المالية. فالفشل في تجربة سريرية واحدة أو رفض جهة تنظيمية لدواء جديد قد يؤدي إلى انهيار قيمة الشركة خلال ساعات. ولهذا فإن العوائد المرتفعة المحتملة تقابلها مستويات مرتفعة من المخاطر.

السؤال الحقيقي الذي يواجه المستثمرين اليوم ليس ما إذا كانت التكنولوجيا الحيوية ستغير مستقبل الطب، بل أي الشركات ستكون قادرة على تحويل الاكتشافات العلمية إلى نجاحات تجارية مستدامة. فالتاريخ يعلمنا أن الثروات الكبرى لا تُصنع عندما تصبح الفرصة واضحة للجميع، بل عندما يكون عدد قليل فقط قادراً على رؤية التحول القادم قبل أن يدركه السوق بأكمله.

وفي عالم يتقاطع فيه الذكاء الاصطناعي مع الطب والخلايا الجذعية والبيانات الضخمة، قد تكون السنوات القادمة شاهدة على ولادة جيل جديد من الشركات العملاقة، تماماً كما حدث مع شركات الإنترنت قبل عقدين من الزمن. أما المستثمرون الذين يراقبون هذا التحول عن كثب، فهم يدركون أن المنافسة لم تعد تدور حول التكنولوجيا وحدها، بل حول من يمتلك القدرة على استشراف المستقبل قبل الآخرين.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية