أوركسترا في ميونخ تدعو إلى التهدئة مع إيران والمصالحة مع قطر

أوركسترا في ميونخ تدعو إلى التهدئة مع إيران والمصالحة مع قطر

 

ميونخ – مثلت الحلقة النقاشية “سد المياه المضطربة: خفض التصعيد في الخليج” التي أقيمت على هامش مؤتمر ميونخ للأمن السادس والخمسين، أوركسترا متناغمة للتهدئة مع إيران، وإنهاء عزلة قطر في محيطها الخليجي، والإيحاء بأن السعودية والإمارات تتحملان مسؤولية تصاعد الأزمات في المنطقة، وليس إيران وقطر.

وشارك في الحلقة النقاشية وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي والقطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني والكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح والتركي مولود جاويش أوغلو، إضافة إلى كريس ميرفي عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي.

ولوحظ عدم مشاركة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في ندوة “خفض التصعيد في الخليج” بينما تعد بلاده محورا أساسيا في ترتيبات أمن المنطقة، على الرغم من مشاركته في فعاليات مؤتمر ميونخ.

وأجمع المتحدثون في رسائل “تخويف وقلق” على رسم صورة سوداوية في المنطقة تحذّر من مغبة التصعيد مع إيران، رغم أن إيران تلقت واحدة من أقوى الضربات باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ولم تنفذ أيًّا من تهديداتها الكبرى.

ووصف وزير الشؤون الخارجية العماني إيران بالبلد الكبير داعيا إلى عدم تحديها خدمة للاستقرار والسلام في المنطقة.

وحذّر بن علوي من أنّ عمان قلقة “من احتمال وقوع أي خطأ من قبل القطع البحرية في مضيق هرمز، ما قد يخلق مشكلة كبرى”. مستبعدا في الوقت نفسه حصول أي مواجهة عسكرية في الوقت الراهن.

وقال إنّ “سلطنة عمان لا ترى نضوج الظروف حاليا للتقارب بين الولايات المتحدة وإيران، لسبب بسيط وهو أن العلاقات بين البلدين مقطوعة منذ ثورة 1979، وأن تطبيعها يتطلب إرادة الطرفين”.

ورغم متانة العلاقات العمانية الإيرانية، فإن سلطنة عمان تجاهلت، مثلها مثل باقي دول الخليج ذات العلاقات المتوتّرة مع إيران وعلى رأسها السعودية، مقترحا إيرانيا يقضي بأن يتمّ تأمين الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي بجهود دول الإقليم وذلك في إطار مبادرة طرحها الرئيس الإيراني حسن روحاني تحت عنوان “مبادرة هرمز للسلام”.

واكتفى وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح الذي تقوم بلاده بدور الوسيط بين قطر من جهة ودول المقاطعة السعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى، بالتأكيد على أن الكويت مستمرة في خفض التصعيد والسعي للمصالحة، مشيرا إلى محورية مجلس التعاون لدول الخليج العربي في أمن واستقرار المنطقة على مر العقود.

وقال الشيخ أحمد خلال مؤتمر ميونخ إن المنفذ الوحيد “للكويت والبحرين وقطر هو مضيق هرمز وإذا أُغلق فسنكون جميعا في مشكلة ولذلك فإن من المهم مواصلة تأمين الملاحة البحرية”.

واختار وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، أن يعلن أن جهود المصالحة بين قطر ودول المقاطعة علقت مطلع يناير.

وقال الوزير القطري في مداخلته “لم نكن المسؤولين ونحن منفتحون على أي جهد لحل هذه المشكلة”، مضيفا “للأسف الجهود لم تنجح وعُلقت مطلع يناير وقطر غير مسؤولة عن ذلك”.

وطالب الشيخ محمد بن عبدالرحمن بالتحاور مع إيران معتبرا أن المعادلات الصفرية لا تنجح في العمل الدبلوماسي، خاصة في الشرق الأوسط، فبدلا من فرض أقصى قدر من الضغط أو القمع أو القهر هناك فرص أوسع لتحقيق الأمن على المدى الطويل عن طريق التعاون المباشر والمسؤول والحوار في إطار منظومة إقليمية للأمن.

وفضل وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو التركيز على الأزمة الليبية في مداخلته، وهي نقطة خلاف متصاعدة بين تركيا من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى.

واعتبرت مصادر سياسية خليجية أن تصريحات وزراء خارجية عمان وتركيا وقطر غمزت بشكل واضح في قناة السعودية والإمارات لأنهما تقاطعان قطر وتواجهان التدخلات الإيرانية في المنطقة، بغية تصوير صورة سوداوية لأمن منطقة الخليج العربي.

واعتبر دبلوماسي عربي حضر الحلقة النقاشية في ميونخ السبت أن هذا التجمع ليس بريئا ويفهم على أنه عملية تخويف من عواقب التصعيد في المنطقة سواء ضد قطر أو ضد إيران.

وتساءل الدبلوماسي في تصريح لـ”العرب” متهكما على غياب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن هذه الجلسة المتناغمة ضد السعودية والإمارات.

ولا تجمع رسائل وزراء خارجية الدول الثلاث، عمان وتركيا وقطر، في هذا اللقاء على موقف يساعد الدوحة في الخروج من أزمتها المستمرة في محيطها الخليجي، فيما فشلت إلى حد الآن وساطة الكويت بين طرفي الأزمة، في وقت تستمر إيران في الهروب إلى الإمام عبر التدخل في شؤون بلدان المنطقة.

ويقول دبلوماسي خليجي سبق له العمل في سلطنة عمان إنّ “مسقط تحتفظ بعلاقات جيدة مع إيران لم تتأثّر بمختلف الهزّات التي عرفتها العلاقات بين طهران وعواصم الخليج، وتبدي استعدادا دائما للتوسّط بين الإيرانيين وخصومهم الإقليميين والدوليين في أعقد القضايا والملفّات، لكنها غير مستعّدة لترهن أمنها واستقرارها بإيران، وترى في الولايات المتحدة وحلفاء غربيين آخرين على رأسهم المملكة المتحدة شركاء ضروريين في هذا المجال لا يمكن التخلّي عنهم”.

وأضاف الدبلوماسي “أن مسقط تعتقد أنّها باحتفاظها بعلاقات جيدة مع طهران، وجدت الطريقة الأفضل لتحييد الخطر الإيراني وتجنّب التعرّض للسياسة العدوانية الإيرانية تجاه جيرانها”.

وقطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر في يونيو 2017 علاقاتها الدبلوماسية مع قطر. واتهمت الدول الأربع الدوحة بدعم جماعات إسلامية متطرفة وبالتقارب مع إيران وتركيا على حساب أمن المنطقة، وترافق قطع العلاقات مع إجراءات اقتصادية بينها إغلاق الحدود البرية والطرق البحرية، ومنع استخدام المجال الجوي وفرض قيود على تنقلات القطريين.

وكانت الرياض قد خيرت الدوحة بين تغيير علاقاتها الخارجية المناوئة لدول المجلس، وخاصة علاقتها بتركيا وإيران، أو الاستمرار في العزلة، خلال مباحثات عرضية سبقت القمة الخليجية التي عقدت في الرياض في ديسمبر الماضي.

وقال أندرياس كريغ، الأستاذ المساعد في جامعة “كينغز كوليدج” في لندن، إن السعوديين “لم يكونوا مسرورين” بطلب القطريين “مؤشرات حسن نوايا” قبل بدء جهود المصالحة.

ولا توجد مؤشرات على جدية الدوحة في العودة إلى الصف العربي والبيت الخليجي، وهو ما عكسته تصريحات وزير الخارجية القطري في ميونخ، واختارت قطر أن تسلك طريق اللاعودة في ملف المصالحة والمضي قدما في تنفيذ سياساتها التي تعزز عزلتها، خاصة وأنها لم تقدم أي تحرك حيال مُطالبةِ الدول المقاطعة بضرورة التزام الدوحة بعدم دعم الإرهاب وجماعاته، وتقديم التزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الحد من التقارب مع إيران، التي تعمل على نشر الفوضى في أكثر من بلد عربي.

وسبق أن ذكرت مصادر دبلوماسية أن المحادثات بين السعودية وقطر التي كانت محدودة وعلى مستوى منخفض انهارت عقب بدئها ليستمر سريان مقاطعة سياسية وحظر تجاري على الدوحة، وسط اتهامات لقطر بأنها كانت تسعى للحصول على تنازلات مجانية من دول المقاطعة مقابل إطلاق وعود غامضة وتعهدات تعمل مع الوقت على إفراغها من أيّ التزام عملي.

العرب