من ديميريل إلى أردوغان …. هل تصدعت علمانية أتاتورك؟

من ديميريل إلى أردوغان …. هل تصدعت علمانية أتاتورك؟

د.معمر فيصل خولي

إن “الزنا من الكبائر وإن المثلية من الأمور المحرمة، والحكمة من ذلك أن هذه الأمور تجلب الأمراض، وتقطع أواصر المجتمع، وهي من أكبر أسباب البلاء والفيروسات.. تعالوا نقاتل معا لحماية الناس من هذا الشر”. جاءت هذه الموعظة لعلي أرباش رئيس الشؤون الدينية التركية في سياق خطبة الجمعة في شهر رمضان الفائت.

ولم تفوت نقابة المحامين في أنقرة وأزمير الفرصة حيث شنت حملة ضد علي أرباش، مطالبة إياه بالاستقالة من منصبه وتقديم الاعتذار للشعب التركي.  اعتبرت خطبته وما جاء فيها يمثل خطابًا رجعيًّا وقديمًا من عصور ماضية ويخالف الدستور التركي، ويسلب المثليين حقوقهم.!

وأيّد حزب الشعب الجمهوري نقابة المحامين، وأكد المتحدث الرسمي باسم الحزب فايق أوزتراك، دعم حزبه المطلق للنقابة، معتبرًا أن خطاب أرباش يحتوي على لغة الكراهية والعداوة.

في المقابل، لم يقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان متفرجًا بل بيّن موقفه من ذلك قائلًا :”  “الهجوم على رئيس الشؤون الدينية هو هجوم على دولتنا”.

وهذا الرد ليس مستغربًا من قبل رئيس الدولة التركية، فمن جهة هو  رئيس لشعب يعتنق معظمه الدين الإسلامي منذ قرون عديدة، ومن جهة أخرى يدرك الرئيس التركي بأن الدين الإسلامي يعطي القيمة المعنوية للإنسان على أساس من الأخلاق والفضيلة. أعاد هذا الجدل مجددًا مركزية السياق بين الأسلاميون والعلمانيون في تركيا.

أولًا- بداية العلمانية في الدولة العثمانية

بدأت حركة التغريب في عهد السلطان محمود الثاني الذي تولى الحكم في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث قام بإنشاء جيش جديد على غرار الجيوش الأوروبية، واستبدل بالقوانين الإدارية قوانين جديدة على غرار القوانين الأوروبية، كما أصدر قوانين تتعلق باللباس وأجبر الموظفين والعسكريين على لبس الطربوش وحلق اللحية، وقد لاقت هذه التغييرات معارضة قوية من قبل الشعب حيث أطلق على السلطان لقب (السلطان الكافر).

وفي مراحل تالية خلال القرن التاسع عشر جرت محاولات أخرى لمحاكاة الغرب فيما عرف بعهد التنظيمات الذي لقي دعما كبيرا من طبقة الشباب المثقفين، وفي العام 1860 تبين أن التنظيمات ليست كافية لجعل الدولة العثمانية دولة متقدمة في مصاف الدول الأوروبية وكان لا بد من القيام بثورة جديدة من أجل تحقيق ذالك.

وقد قاد المعارضة للنظام السياسي نامق كمال وضياء كوك ألب باش، كما أن الشباب الذين تأثروا بالثقافة الفرنسية أثناء وجودهم في فرنسا لطلب العلم شكلوا جمعية الشباب العثماني عام 1865 وقاموا بإعداد دستور جديد وطالبوا بفتح البرلمان وإعطاء السيادة في الحكم للشعب، ونتيجة لعملهم السري والمعلن في الخارج والداخل استطاعوا الوصول لبناء أرضية للنظام البرلماني والسياسي الجديد الذي شكل القاعدة للنظام العلماني في البلاد.

وإذا كان ما سبق يمثل الإرهاصات الأولى للعلمانية في إمبراطورية إسلامية فإن تولي مصطفى كمال الحكم بعد حرب التحرير وضع للعلمانية قواعد وأسسا ظلت راسخة حتى الآن بشكل أو بآخر(1).

ثانيًا- علمانية كمال أتاتورك

شكّل المشروع الكمالي الإطار التأسيسي للمسألة العلمانية في تركيا الحديثة. فبحسب “الكمالية” ومنذ سنة 1923م اعتبرت العلمانية هي المسار السياسي الناهض الذي يقطع مع الدين وينهي النمط التقليدي السياسي والاجتماعي الذي وسم الدولة العثمانية في حقبة ترهلها وسقوطها(2).

كان اتاتورك فيما يبدو متأثرًا بمفهوم ” العلمانية الثورية” التي قال بها فلاسفة مثل ماركس وفيورباخ في أواخر القرن التاسع عشر والني كانت تستهدف هدم الدين وتخليص الدولة والمجتمع من تأثيراته تمامًا. في حين أن منشأ العلمانية كان بغرض الحد من أثر الدين والكنيسة على شئون المجتمع وسياسة الدولة فقط، فالعلمانية كانت تعني الخلاص من ظروف الحروب الدينية والتي طالما اصطلت بها شعوب أوروبا. وليست من الدين. وتطورت فأصبحت تضمن حرية العقيدة والتعبير ولا تأخذ موقفا مناوئا للدين وشعائره كما فهمها وطبقها هو(3).

بينما هناك من يرى في علمانية كمال أتاتورك بأنها علمانية منسجة مع الحتمية التاريخية، قائلًا:” يبدو لي أن المرحلة الأولى من العلمانية التركية كانت حادة وراديكالية، وهذه مسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة لرؤية الأوضاع الاجتماعية التركية، وهل كانت توجب هذه الصدمة من التغيير، أذكر بعض التحديات التي واجهت مصطفى كمال:

التحدي الأول هو وضع  مشيخة الإسلام ومؤسساتها؛ فهذه الأخيرة كانت تعاني اهتراء، وتشكّل معوقات في طريق التحديث، منذ مرحلة الإصلاح والتنظيمات العثمانية، حتى الانقلاب الكمالي.

التحدي الثاني هو وضعية طرق الصوفية، التي انتشرت في المجتمع التركي، ومنها المجتمعات العربية العثمانية، التي أضحت في أواخر العهد العثماني حالة من حالات الاستلاب الثقافي والاجتماعي والنفسي، استلاب يغيب معايشة الحياة والواقع عبر الطقوس والأساطير، وعبر نشر خرافات الأولياء. وذلك عبر كتاتيب وأساطير، سيطرت على كل أحياء المدن.. فماذا يفعل حاكم يريد أن ينقل تركيا (المجتمع والدولة) إلى صيغة دولة حديثة؟ يبدو لي أن خطوات مصطفى كمال الأولى، كان لابد منها لإحداث نوع من الهزة النفسية التي تسمح بالتغيير”(4). وما علاقة تحديث الدولة بما أقدم عليه مصطفى كمال أتاتورك من إجراءات قسرية تتعلق بالدين والهوية الإسلامية لشعب اعتنق الإسلام منذ قرون؟!

يمكن القول أنه مصطفى اتبع أسلوبًا تدريجيًا في تطبيق علمانيته حيث عرف الدستور الذي وضعه عام 1924م أكثر من عشرة تعديلات دستورية كلها كانت تسعى لإلغاء أي تعبير عن الإسلام في البنى القانونية والسياسية والإجتماعية للدولة.

وهي على النحو الآتي: ألغى الخلافة عام 1924م، ووزارة الشريعة والأوقاف وألغى المدارس الدينية، وحل المحاكم الإسلامية، وطرد جميع أعضاء الأسرة العثمانية من الدولة إلى الخارج بعد إزاحة السلطان عبد المجيد آخر سلطان عثماني، ثم حل منصب( شيخ الإسلام) وجميع الأجهزة المرتبطة به سواء أكانت شرعية أم قضائية وحلت المدارس الدينية، وألحقت المدارس كافة بوزارة مدنية، كما ربطت المؤسسة الوقفية بكل ملحقاتها وأبنيتها وأموالها غير منقولة إلى دائرة ترتبط مباشرة برئيس الحكومة، كما أن جميع المحاكم الدينية أغلقت وتوقف العمل بالفضاء الديني. وتبنى التعليم العلماني عام 1924، وحظر الطربوش والحجاب وأي لباس ديني، وفرض القبعة واللباس الأوروبي، وأغلق التكايا والزوايا والطرق الدينية التي كان لها دور كبير في حرب التحرير الوطنية، ومنع إنشاء الجمعيات الدينية، ووصف منشئيها والمشتركين بها بالخيانة العظمى عام 1925!.

ومع بداية عام 1926، بدأت تركيا العمل بالتقويم الميلادي، المستخدم في الغرب وألغى رسميًا العمل بالتقويم الهجري الإسلامي، وتبنى القانون المدني السويسري الذي راح يعلن المساواة بين الجنسين( المساواة في الميراث، الزواج المدني، حرية اختيار الدين، وإلغاء تعدد الزوجات)، وفى نهاية ذلك العام فرض أتاتورك السفور على النساء وحظر عليهن لبس الجلباب وألزمهن ارتداء الفساتين، والا قدم أزواجهن وأقاربهن للمحاكمة. وألغىت  الإشارة إلى الإسلام كدين الدولة الدستور عام ، وألغى استخدام الحروف والأرقام العربية وقرر عوضاً عنها استخدام الحروف اللاتينية وأرقامها عام 1928.

ومنذ بداية عام 1932 بدأ قراءة القرآن الكريم في عموم تركيا باللغة التركية ولاسيما في استانبول، وفي عام 1933 أصبح الأذان للصلاة يُرفع باللغة التركية  و في عهده مُنع الحج إلى مكة المكرمة لغاية عام 1947، وطبق القانون الجنائي الإيطالي والقانون التجاري الألماني محل القوانين الإسلامية عام1933.

وفي الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية التركية جُمعت المصاحف والكتب الدينية ووضعت على ظهور الإبل ليقودها رجل يرتدي الزى العربي متجها بها نحو الجزيرة العربية وعُلقت على رقابها لافتة تقول :” جاءت من الصحراء ولتعد إلى الصحراء وجاءت من العرب فلتذهب إلى العرب” وكأن الإسلام من اختصاص الأمة العربية ومنسجماً مع مشاعرها القومية وليس مع مشاعر الأتراك القومية.

وفي عام 1934 أغلق جامع أيا صوفيا التاريخي في وجه المصلين، ليصبح مجرد متحفاً، وحوّل مسجد الفاتح إلى مستودع!! وفي عام 1934 تم سن قانون الألقاب، وأصبح مصطفى كمال يلقب نفسه” أتاتورك: أبو الأتراك” وفي عام 1935، جرى تبديل يوم العطلة الأسبوعية من يوم الجمعة الذي له قدسية في الدين الإسلامي، إلى العمل بأسبوع عطلة نهاية الأسبوع الأوروبية، أي اعتبارًا من ظهر يوم السبت إلى صباح يوم الاثنين، واستكمل أتاتورك علمانيته الشاملة عام 1937،  عندما أدخل لأول مرة مصطلح العلمانية إلى الدستور التركي وصيغت على النحو التالي:” إن تركيا هي جمهورية ملية شعبية دولتيه علمانية ثورية، لغتها الرسمية التركية ومقرها أنقرة(5).

وقد وصف الدكتور أحمد داود أوغلو عملية التغيير التي رافقت إنشاء الدولة التركية الحديثة بالانكسار التاريخي الذي لم يتعرض له أي مجتمع آخر، والذي سبب أزمة بين النظام السياسي الجديد وبين هوية المجتمع ومؤسساته. الأزمة التي وصلت إلى مستوى إقصاء الهوية الإسلامية والتأكيد فقط على الهوية القومية(6).

فالجمهورية التي أسسها كمال أتاتورك في تركيا كانت ضد مجتمعها تبنت العلمانية كعقيدة ثيوقراطية لا تعرف التعدد وترفض الدين الإسلامي وتوقن أن التقدم هو عند الغرب ولذا فكل التماثيل المنصوبة لأتاتورك في العاصمة السياسية للدولة “أنقرة” أو العاصمة الإقتصادية والثقافية “اسطنبول” تشير ناحية الغرب، الجمهورية الأولى التي أسسها ” أتاتورك” جاءت على أسنة العنف والقسر استنادًا إلى ثقافة دولتية لا تعرف الرحمة، وكانت نموذجًا لدولة من بنات أفكار مؤسسها ولم يكن لها وجود في أرض الواقع، إذ ظل المجتمع مغاضبًا لها رافضًا لمنهجها وأسلوبها الفوقي الحاد الذي أسس لقطيعة روحية ومعرفية مع التراث السابق للجمهورية، استمرت حتى بعد وفاته، ومثّل “عصمت إينونو” خليفة “الباش معلم” كما كان يطلق على أتاتورك استمرارًا لتقاليد الجمهورية العلمانية التي العلمانية فيها فكرة متعصبة(7).

لكن “فوقية ” المشروع لم تعن أيضًا عدم مغازلة الإسلام وتوظيفه في مراحل متعددة. ففي لحظة التأسيس وخلال حرب الإستقلال “1919م- 1922م” لم تتصادم الكمالية تمامًا مع الحركة الصوفية النقشبندية الواسعة الإنتشار، بل كان ثمة تصالح ملحوظ خاصة على خلفية “حررب الإستقلال” وإنقاذ تركيا من المجهول. وقد كان الشيخ سعيد النورسي أكبر رموز تلك الحركة منضويًا في الحركة الكمالية آنذاك وصار عضوًا في ” الجمعية القومية الكبرى” بناء على طلب أتاتورك، رغم خلافه معه حول مسائل جوهرية أهمها تحييد الإسلام من الهوية التركية. لكن تلك الخلافات اشتدت واستقال النورسي من الجمعية القومية وانتقل إلى الأناضول مسقط رأسه.

لكنه مارس الشيخ سعيد النورسي دوره الديني في  استجابة للتحدي العلماني، فهو أحد أهم رموز الطريقة النقشبندية، ثم مؤسس حركة النور الإيمانية والاجتتهادية فيما بعد.  فقد تفرغ النورسي للكتابة العلمية لمحاولة دحض وتفكيك المشروع العلماني وطروحات الحداثة الأوروبية من ناحية عقلية. وهذا استلزم، واستمر على مدار العقود التالية، المساجلة على مستوى المنطق والنقاش العقلي، وأنتج عودة إلى النصوص الدينية، القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وإعادة النظر فيها وتفسيرها في ضوء التحديات الجديدة(8).

يمكن القول أن العلمانية التي طبقها أتاتورك واستمرت في عهد إينونو كانت تقليد المظاهر الغربية دون تطبيق ديمقراطية الغرب؛ إذ بينما فهمت العلمانية في الغرب بمعاني فصل الدين عن الدولة، وضمان الأخيرة الحرية الدينية للأفراد، وعدم تدخلها في شؤون العبادة، وتوفيرها المساواة لكل المواطنين أمام القانون، وعدم إرغام الناس على السير في نهج تراه الدولة هو الأفضل، فإن” العلمانية الكمالية” فهمت، بالإضافة إلى فصل الدين عن الدولة، بمعان معادية للدين، وشل دور علماء الدين في المجتمع، وقمعهم ومحاولة إزالة الموروث الديني الثقافي الحضاري للدولة، وإجبار الناس على السير في نهج علماني مضاد للدين رأت الدولة أنه أفضل. في حين امتزجت : العلمانية الغربية” بالأفكار الديمقراطية التي تحترم مشاعر الإنسان وآراءه، وتسمح بإيجاد أحزاب وديمقراطية مسيحية، فإن” العلمانية الكمالية” طبقت عن طريق استخدام القوة، وديكتاتورية الحزب الواحد.

فالفرق واضح بينهما، فالعلمانية الغربية كالعلمانية البريطانية تعايشت مع الكنيسة الإنغليكانية والعلمانية الأمريكية تعايشت مع تعدد الكنائس وتعدد الإثنيات والثقافات في حين علمانية كمال أتاتورك كانت متطرفة معادية للدين، تسعى للسيطرة عليه(9) .

ثالثًا- العلمانية ما بعد أتاتورك

بوفاة كمال أتاتورك عام 1938م كان المشهد يبدو وكأن تركيا بأكملها قد تحولت إلى كيان علماني بحت، وأن الإسلام اختفى من أجل الصالح العام إلا أن الوضع لم يكن كذلك، فعلى الرغم من كون الجزء المسيطر من النفوذ المتعلمة تحول تمامًا باتجاه الأفكار وأنماط الحياة الغربية، إلا أن العامة ظلت محافظة وقريبة بطبعها من الإسلام. وبما أن العلمانية في تركيا فرضت بالقوة كان لا بد من وجود مؤسسات تقوم على حمايتها والمحافظة عليها، ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات المؤسسة العسكرية التي  تعتبر حامي حمى العلمانية حيث تدخل أكثر من مرة لمنع حدوث أي اختراق في النظام العلماني.

دفعت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية إلى تحول تركيا إلى التعددية الحزبية وانتهاء فترة الحزب الكمالي الحاكم وقبضته الصارمة على الفضاء السياسي والتحول تجاه الإسلام، أما عن الداخلية يمكن رصدها على النحو التالي:

أولًا- ظهور قوى اجتماعية واقتصادية جديدة مناوئة للتحالف العلماني الجمهوري.

ثانيًا- انتشار الفساد والانتهازية وتغليب والنهب وتغليب المصالح الشخصية بين أعضاء حزب الشعب الجمهوري.

ثالثًا- قناعة بعض أعضاء حزب الشعب الجمهوري أن السياسة المعادية للدين من جانب الحكومة تدمر الأخلاق، فالدين أهمية في حماية السلوك الأخلاقي.

أما خارجيًا، شكّل بروز الاتحاد السوفييتي الشيوعي كقوة شرقية عظمى  في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تحدي حقيقي اجتماعي وسياسي للدولة التركية، اضطرت على أثره  العودة إلى الدين لاستخدامه في بث الروح الوطنية في مواجهة الشيوعية السوفيتية.

ونتيجة هذين العاملين وعلى الجانب السياسي، تأسس الحزب الديمقراطي بتاريخ 7 كانون الثاني/ يناير 1946، من قبل كل من الاقتصادي المؤسس لخطط الاقتصاد التقدمي الخاص بتركيا جلال بيار والسياسي عدنان مندرس والخبير في الشؤون الخارجية فاتن رشدي زورلو. والتحقت التيارات الإسلامية بهذا الحزب لتعبر عن معارضتها للكمالية والعلمانية. كما انضم له كذلك رموز متدينة مثل الجنرال فوزي جاقماق الذي سرعان ما استقال بسبب غموض موقف الحزب من الدين وأسس حزبًا مستقلًا أسماه “حزب الأمة” عام 1948م، انضمت إليه التيارات المتدينة في الحزب الديمقراطي.

أما على الجانب الديني، حدث تحول في سلوك حزب الشعب الجمهوري تجاه الإسلام عندما أدرك حجم الفراغ الذي لم يستطع النظام السياسي التركي أن يملأه في المجال الديني فاقترح السماح بإجراء تعليم ديني بشرط أن يكون تحت حكم وسيطرة الدولة. وفي عام أيلول/سبتمبر 1947م سمح للمدارس الدينية الخاصة بمباشرة عملها وفق قانون المدارس الخاصة، وقررت وزارة التعليم أن فتح مثل هذه المدارس يكون بناء على طلب رسمي، وأنه لا توجد مقررات أكثر من تلك التي تفرضها الحكومة، وأن اللغة التركية هي التي تستخدم داخل هذه المدارس بما في ذلك قراءة القرآن والصلاة، وحذرت وزارة التعليم من أولئك الذي يحاولون استخدام الدين بطريقة أو أخرى في التأثير على المواطنين.

وفرض قرار وزارة التعليم الذي جعل من مادة الدين اختيارًا في المدارس الأولية قيودًا مثل ألا تكون حصة الدين خصمًا من وقت حصص المواد الأخرى، وأن الرسوب في مادة الدين أو النجاح لا يؤثر في الانتقال إلى الصفوف الأعلى، ومن الضروري لالتحاق الطلبة بفصول تعلم الدين أن يكتب أحد والديه طلبًا رسميًا بذلك إلى إدارة المدرسة، وتعتمد المقررات على كتب منشورة من قبل رئاسة الشؤون الدينية وأجازتها للدراسة وزارة التعليم التركية.

وفي أيار/ مايو عام1948م قررت وزارة التعليم فصولًا دراسية للأئمة والخطباء، وبدأت في كانون الثاني/ يناير عام 1949م بأنقرة وأسطنبول، وتبعتها بعد ذلك مدن أخرى. وفي حزيران/يونيو عام 1949م وافقت الجمعية الوطنية على تأسيس كلية الإلهيات في أنقرة. كل هذه القرارات المتصلة بالدين تتم في سياق علماني صارم من قبل أنصار الكمالية الذين حرصوا على ألا تكون هناك أية قرارات وقوانين دينية متعارضة مع العلمانية.

في 14 أيار/مايو عام 1950م، جرت الانتخابات النيابية في تركيا، وبدأ الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري يتنافسان على أصوات الجماهير بقرارات الانفتاح الديني وسط جو حماسي لم تعرفه تركيا من قبل، فأسفرت نتائج الإنتخابات عن فوز ساحق للحزب الديمقراطي. ويرجع هذا النصر إلى عاملين أساسيين، الأول: موقف الحب الديمقراطي من مبدأ تدخل الدولة في الاقتصاد، ورؤيته الاقتصادية الجديدة عقب الحالة الاقتصادية السيئة التي كانت تتخبط بها تركيا بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، والعامل الثاني، والذي أدى دورًا أكبر، هو مفهوم الحزب الديمقراطي ونظرته الجديدة للحريات الدينية.

مثلت الفترة 1950م-1960م ” حكم عدنان مندريس وحزبه الديمقراطي” نسخة كمالية معدلة في مجال العلمانية؛ إذ شهدت القيم الفكرية تعديلًا بإعادة الاعتبار إلى الدين، فعصر العلمانية الشاملة انتهى، وبدأ النظر للإسلام كهوية لتركيا كما هو الحال بالنسبة للمسيحية في الدول الغربية. وبدأت العلمانية تطرح كنظام للحكم وليست دينًا سياسيًا يؤمم كل الفضاءات لصالح الدولة.

وفي تلك الفترة التي وصفت على أنها فترة من ” الإحياء الإسلامي” صدرت عدد من القرارات تعززه في تركيا، منها: ففي 16 أيار/ مايو عام 1950م افتتح معهد الدراسات الإسلامية في جامعة إسطنبول، وفي 29 أيار/ مايو من ذات العام، تم بناء كوادر جديدة في كلية الإلهيات في أنقرة، والإعلان عن إلزامية الدروس الدينية، وفي 16 حزيران/ يونيو عام 1950م، إعادة الأذان باللغة العربية، وبعد ثلاثة أيام، سمح ببث البرامج الدينية عبر الراديو، وفي عام 1951م أعيد افتتاح سبع مدارس للأئمة، وفي عام 1952م تم إدخال التعليم الديني في معاهد القرى. وفي كانون الثاني/ يناير 1956م أعيد إعطاء الدروس الدينية في المدارس المتوسطة. وفي حزيران/يونيو من ذات العام، تم افتتاح معهد العلوم الإسلامية، ومعهد للتاريخ والفنون الإسلاميين التركيين بكلية الأديان في أنقرة، وفي 10 حزيران/يونيو 1959م، أنشىء معهد عال للإسلام في إسطنبول، وترميم المساجد، وأصبح النشاط الإسلامي مسموحًا به بعد أن كان محظورًا(10).

غيّر أن هذه القرارات والتوجهات السياسية ذات البعد الاجتماعي الخطير والتي أحدثت أول ثغرة في جدار القهر الأتاتوركي، لم تستطع النخب العلمانية الشرسة احتمالها واستخدمت عصاها الغليظة. فقامت المؤسسة العسكرية بقيادة جمال جورسيل بانقلابها الأول في 27 أيار/ مايو 1960م باعتبارها الحامية لمبادىء أتاتورك العلمانية وحامي الجمهورية وتم إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس(11).

مع الإنقلاب بدأت تبرز ظاهرتان متصلتان بالظاهرة الإسلامية في تركيا الأولى وهي التراجع العلماني مع وجود ميل رسمي أكثر نحو التكيف مع الإسلام، والثانية هي رسوخ قدم الظاهرة الإسلامية بشكل أكبر وأوسع وتقدمها نحو الانتقال من الهامش إلى القلب والمركز، ذلك لأن الانقلابيين حاولوا قدر إمكانهم تبني مفهوم” تتريك” الإسلام، إي جعله منسجمًا مع المزاج والطبيعة التركيين. وقد بدأت في تلك الفترة بعض الأفكار الخاصة بعلاقة الإسلام بالمجتمع التركي في الانتشار بالتدريج، من ذلك فكرة أن الإسلام مُكون من مكونات الهوية التركية، وأنه نموذج صالح لتسيير الحياة، وأنه يمكن التوفيق بينه وبين العلمانية، وأنه ليس قوة رجعية على ما يشاع، كما يمكنه أن يتجاوب مع مدنية الغرب(12).

وفي عام 1961م انشق حزب العدالة عن الحزب الديمقراطي ووصل إلى الحكم عام 1965م وحدث تحول تحول آخر مهم داخل حزب الشعب الجمهوري بتولي بولند أجاويد رئاسة الحزب واعترف لأول مرة أن الصراع لم يكن بين الطربوش والقبعة بل بين الفقر والإستغلال وأن كل الأحزاب استغلت الدين لإخفاء عجزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ثالثًا- العلمانية والأحزاب الإسلامية في تركيا

  شهدت فترة الستينيات تحولات خطيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فتغيرت كثير من أنماط الحياة. وعلى المستوى السياسي انتشرت الأحزاب اليسارية في صفوف الطلاب والمثقفين وظهرت أيضًا في تلك الفترة توجهات سياسية “إسلامية” واضحة وصريحة فظهر نجم الدين أربكان الذي كان عضوًا في حزب العدالة حتى عام 1969م، وكان يعبر هو وأنصاره عن تيار إسلامي معتدل داخله، وأدى وصوله عام 1968م إلى فرع اتحاد غرف التجارة والصناعة والبورصة إلى فزع العلمانيين، وقد ضغط  الجناح الإسلامي داخل الحزب على رئيس الحزب سليمان ديميريل لاتخاذ خطوات أكثر للاقتراب من الإسلام لكنها لم تفلح،  وقد رفض ديميريل ترشيح أربكان على قوائم الحزب في انتخابات عام 1969م، وهنا ترشح أربكان مستقلًا في محافظة قونية ونجح ومعه سبعة وعشرون نائبًا يعبرون عن التيار الإسلامي في ذلك الوقت، وهؤلاء مثلوا أضخم تجمع للمستقلين عرفته الانتخابات التركية. وحسمت الانتخابات لصالح حزب العدالة(13).

في كانون الثاني/يناير 1970م، أسس يونس عارف إمره حزب النظام الوطني، وكان الزعيم الفعلي لهذا الحزب نجم الدين أربكان. وقد شكّل هذا الحزب تحولًا في موضوع الدين في تركيا. وقد عبّر برنامج هذا الحزب عن مزاج ديني واضح فهو يريد إلغاء الربا وتغيير نظام الضرائب والقروض وهاجم الماسونية والشيوعية والإلحاد(14).

ونظرًا للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وعجز رئيس الوزراء سليمان ديميريل في التصدي لها، وهو ما دعا المؤسسة العسكرية في 12 آذار/مارس 1971م إلى توجيه مذكرة إنذار له تدعوه فيه إلى إجراء إصلاحات سريعة من أجل القضاء على أسباب هذه الأزمات وإلا فإن المؤسسة ستمارس حقها الدستوري وتتولى مقاليد الحكم وعُرف هذا الانقلاب في الحياة السياسية التركية “انقلاب المذكرة” فاستقالت الحكومة و بعد شهرين، حظر حزب النظام الوطني في 12 أيار/ مايو وأغلقت مقراته ومكاتبه وأضطر نجم الدين أربكان لمغادرة البلاد حتى تهدأ الأمور(15).

وفي 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1972، أسس فريد ملان حزب السلامة الوطني، على نفس نهج حزب النظام النظام وبقي نجم الدين أربكان في الظل بعد عودته إلى البلاد. وخاض الحزب الإنتخابات النيابية في أكتوبر /تشرين الأول 1973م وحصل على 48 مقعدًا ليصبح القوة السياسية الثالثة في البلاد، ودخل  في إئتلاف مع حزب الشعب الجمهوري عام1974م وأصبح أربكان نائب رئيس الوزراء في حالة فريدة من نوعها، إذ للمرة الأولى يشكل العلمانيون والإسلاميون معًا حكومة واحدة على قاعدة احترام الدولة للمعنويات والأخلاق وعدم معاداة الدين من جانب العلمانيين(16).

وكانت هذه المشاركة أيضًا خطوة واسعة بالنسبة للحركة الإسلامية التي حصلت على مكاسب مهمة في حقيقة الأمر من هذا الإئتلاف مثل فتح عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء وكانت أهم إنجازات هذه الوزارة إقناع قيادة الجيش التركي بإنزال قواتها في جزيرة قبرص واحتلال أكثر من ثلثها لحماية المسلمين القبارصة الأتراك وأصبحت الحركة الإسلامية المتمثلة في حزب السلامة الوطني رقمًا مهما في الحياة السياسية التركية. وهو ما لم يكن مقبولًا من النخب العلمانية التي زادت مخاوفها أكثر وأكثر فافتعلت أزمة سياسية واستقال أربكان ومؤيدوه من الوزارة.

واستمر حزب السلامة الوطني المشاركة في الإنتخابات النيابية والحكومات الإئتلافية من  كانون الثاني/ يناير 1974 وحتى كانون الثاني/يناير عام 1978م، وكانت تلك المشاركة ذات أثر حاسم، فاقتصاديًا، تبنى الحزب في هذه الفترة قضايا ذات طابع اقتصادي بالأساس(17) وكان أربكان مسكونًا بتجربة النهوض العظيم في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فقام الحزب بحملة قومية لإنشاء صناعات كبرى خاصة في مجال الأسلحة الثقيلة فافتتح في عام 1976م أكثر من مائة مؤسسة صناعية كبرى وعمل على إصدار قانون يُلغي الفوائد الربيوية على القروض الزراعية تيسيرًا على الفلاحين وتم إحلال زراعة الحبوب محل زراعة الدخان(18).

أما دينيًا، فقد احتكر الحزب شيئًا فشيئًا كل تعبير ديني، وجمع بين قيم إسلامية وأخرى وطنية، اندرجت في إطار مبادىء الحزب وأهدافه. ومن منطلق توجهاته الإسلامية دعا حزب السلامة الوطني إلى نهوض تركيا بدور قيادي في إقامة كتلة إسلامية، وتعميق علاقات تركيا مع الدول الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

وتسبب الحزب في إسقاط إرطغرل أكرم جيحون وزير الخارجية التركي، وهو من حزب العدالة، في 5 أيلول/سبتمبر 1980م، حيث “اتهم  الوزير بتورطه في توثيق علاقات تركيا مع إسرائيل”. وبعد يوم من طرد الوزير عقد حزب السلامة الوطني في مدينة قونية 6 أيلول/سبتمبر تجمعًا شعبيًا مؤيدًا لأربكان وحزبه تحت شعار “أنقذوا القدس”، واشترك في ذلك التجمع الحاشد نحو 40 ألف مواطن تركي، ونادى المتظاهرون بتأسيس دولة إسلامية، واستهزؤوا بكل ما يؤمن به أتاتورك والمؤسسة العسكرية. وهتف المتظاهرون بالشعارات الدينية، واحتجوا على ضم إسرائيل للقدس، ونادوا بقطع العلاقات معها،  ودعا نجم الدين أربكان في هذه التظاهرة إلى بدء الصراع لإنهاء العقلية الغربية الزائفة التي تحكم تركيا، وكانت هذه التظاهرة واحدة من مجموع التظاهرات في محافظات تركيا، وبدا أن الحركة الإسلامية تتمرد على ذاتها وتستولد لها حجمًا جديدًا ولم يكن الزمن مواتيا ولا الريح موافقة بعد لمثل ذلك.

وكان ذلك التطور في الأحداث قد تزامن مع مجريات الثورة الإيرانية، وترافق مع تصاعد أعمال العنف الداخلي بين المليشيات المسلحة للتنظيمات القومية المتطرفة، وأهمها منظمة الذئاب الرمادية التابعة لحزب الحركة القومية والتنظيمات اليسارية الماركسية وأكبرها منظمة اليسار الثوري. وأدت كل تلك الأحداث إلى الإنقلاب العسكري الثالث في غضون عشرين سنة حيث تسلمت المؤسسة العسكرية مقاليد الحكم في 12 أيلول/سبتمبر 1980م، ووصف قائد الانقلاب العسكري كنعان إفرين تظاهرة قونية بأنها كانت قمة استعراض القوة من قبل الرجعية، وأن الجيش تدخل لوقف المد الإسلامي.

 وتم حل الأحزاب ومن بينها حزب السلامة، وسجن نجم الدين أربكان أربع سنوات، وقيدت الحريات العامة. وخلال فترة 1980م-1983م ظلت المؤسسة العسكرية تدير الحياة السياسية في تركيا، وفي عام 1982م صدر دستور تركي جديد، نصت المادة الثانية منه على أن ” تركيا جمهورية، ديمقراطية، علمانية، اجتماعية”. وتم تشكيل مجلس الأمن القومي برئاسة قائد الإنقلاب كنعان إفرين الذي أصبح رئيسًا للجمهورية، وفُرض حظر على ممارسة الأحزاب المحلة وقياداتها أي نشاطات سياسية حتى عام 1992م، وفرضت الأحكام العرفية في البلاد، التي لم ترفع إلأا في 19 تموز/يوليو1987م .

رابعًا- تورغوت أوزال وعلمانية أتاتورك

وفي تشرين الثاني/نوفمبر عام 1983م، عادت الحياة النيابية في تركيا، وسمح لثلاث أحزاب المشاركة فيها:  وحزب الشعب الجمهوري، وحزب الديمقراطي الوطني، وحزب الوطن الأم برئاسة “تورجت أوزال”، الذي فاز بالانتخابات (19).

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحزب كان عبارة عن ائتلاف من عدة قوى أبرزها التيار الإسلامي ويمثلهم في ذلك الوقت محمد جندز. وينتمي تورغت أوزال إلى التيار الإسلامي حيث سبق له أن ترشح على قوائم حزب السلامة الوطني عام 1977م بمطقة أزمير ولكنه لم يوفق(20).

الجمهورية الثانية كما تعرف في الجدالات السياسية التركية تنتمي لمن أرسى تقاليدها هو “تورجت أوزال” الذي حمل برنامجًا اقتصاديًا متكاملًا حرر به الاقتصاد التركي من هيمنة الدولة والقطاع العام وهو ما فتح الباب واسعًا أمام تركيا لتصبح قوة اقتصادية إقليمية، لقد كانت رؤية “أوزال” الثاقبة لاستعادة الوجه المدني للدولة التركية لا تعتمد على إجراءات سياسية فقط بل على إدخال المجتمع في دورة حياة اقتصادية ليبرالية على النمط الغربي بحيث يستحيل تلقائيًا تدخل الجيش، وكان “أوزال” يعتبر نفسه المؤسس الثاني للدولة التركية، وهو أول مسؤول رسمي تركي يدعو علانية إلى انتقاد الكمالية وطرح العلمانية على بساط البحث ونقدها طالما أن قطاعًا من الشعب يرفضها، وكان أول رئيس جمهورية تركي يثابر علنًا وبصورة منظمة على أداء الفروض الدينية وزيارة أضرحة الأولياء وأدى فريضة الحج، وهو من وصف الدولة التركية بأنها علمانية وإسلامية وديمقراطية، وقال ماذا لو انتهكنا الدستور ولو لمرة واحدة؟ وأوزال هو أول رئيس تركي يتحدى الجيش ويقيل رئيس الأركان واستخدم على نطاق واسع علاقاته الدولية وخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية ليحجم سطوة المؤسسة العسكرية وتدخلها في الحياة العامة والسياسة(21).

وفي عهد أوزرال -سواء كان في رسائة الوزراء أو في رئاسة الجمهورية- تمتعت الحركة الإسلامية بحرية كبيرة واحتلت مساحة أكبر في الشارع التركي، فقد كان أوزال يرى أن الإسلام المعتدل كإطار فكري مهم للحد من تطرف الأتاتوركية التي أضرت بالأمة التركية. وأيضًا لمنع نمو الأفكار المتطرفة خاصة بعد نجاح الثورة الإيرانية. لذلك تبنى سياسات إسلامية معتدلة مقارنة بسابقيه فدعم المدارس التي تخرج الأئمة والخطباء لتصل نسبة خريجيها إلى 20% من خريجي المدارس المتوسطة وسمح بالدعوة الإسلامية في الإذاعة والتلفزيون وسمح للفتيات بارتداء الحجاب بعد أن كان ممنوعًا وسمح بقيام مؤسسات الأوقاف كما سمحت السياسات الاقتصادية التي تبناها بوجود شركات ومشروعات إسلامية التي عرفت باسم ” رأس المال الأخضر”(22).

أهم ما طرحته الجمهورية الثانية هو أن العلمانية الكمالية ليست مقدسة وأنها لم تعد صالحة للتعايش مع حقائق العصر الجديد وأن التطور الإجتماعي والثقافي في تركيا والعالم لم يعد يقبل بفكر جامد متصلب أصبح في مقام العقيدة السياسية ومن ثم لابد للبحث عن تأويل جديد للعلمانية يتجاوز التفسير الكمالي ويعطيها وجهًا إنسانيًا يجعله تقبل التعددية والتسامح مع الآخرين المختلفين مع الكمالية وخاصة الإسلاميين، ومن ثم لابد من احترام اختيارهم وأخذ رغباتهم الدينية في الحسبان(23).

رابعًا- التشدد الإسلامي وعلمانية أتاتورك 

في ظل هذه البيئة الإيجابية نحو الحركة الإسلامية في تركيا، أسس نجم الدين أربكان في 19تموز/يوليو 1983م، حزب الرفاه، وكان الحزب يهدف إلى إلغاء العلمانية الثورية، ومع تنامي القاعدة الإجتماعية لحزب الرفاه وخاصة في أسطنبول وأنقرة، تمكن الحزب من خوض غمار الانتخابات النيابية والبلدية وتحقيق نتائج ملفتة، ففي الانتخابات النيابية التي جرت عام 1991م، حصل الحزب على 62 مقعدًا، بينما في الانتخابات البلدية التي جرت عام 1994م، فاز الحزب برئاسة 15 بلدية من ضمنها بلدية أنقرة وأسطنبول معقل العلمانية(24)، حيث عالج الحزب الكثير من مشاكلها المتعلقة بالخدمات، وحارب الفساد المالي والإداري، وبذلك انتقل الحزب من شرعية المسجد إلى شرعية المجتمع بهدوء وقوة وثبات فحقق شعبية كبيرة رغم ما واجهه من حملات لتشويه أدائه والتقليل من أهميته(25). وتوج الصعود السياسي لحزب الرفاه في 29 حزيران/يونيو 1996م، عندما شكلت حكومئة إئتلافية برئاسة نجم الدين أربكان(26).

وقد عجلت مجموعة من الأسباب الداخلية والخارجية إلى إجبار نجم الدين أربكان على تقديم استقالته في 18 حزيران/يونيو 1997م، فيما عرف بانقلاب ما بعد الحداثة، داخليًا انتهج أربكان خط المواجهة مع المؤسسات العلمانية “القضاء والمؤسسة العسكرية لمستوى استفزازهم، فقد اتخذ موقفًا سلبيًا من العلمانية، فقد كانت “معركة الحجاب” هي الساحة الأشهر للصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، المعركة التي رأي فيها العلمانيون أن الإسلاميون يسعون إلى أسلمة الدولة، وقد فشل أربكان بهذه المعركة، ففي تلك الفترة من تاريخ تركيا المعاصر كانت اليد العليا للعلمانيين استنادًا إلى قوة المؤسسة العسكرية والقضاء على الرغم من تفوق الإسلاميين على مستوى الشارع. كما أنه اقتراب نجم الدين أربكان من بعض القضايا الشائكة في تركيا- وعلى رأسها القضية الكردية- لحلها أستفزت المؤسسة العسكرية التي رأت في ذلك تجاوز للخطوط الحمر!! وأنها هي معنية فقط في إيجاد الحل لها.

خارجيًا، كان نجم الدين أربكان منذ بداية تأسيس الحركة الإسلامية في تركيا في بناء تحالف إسلامي، وسلك لذلك المسالك التقليدية. فكانت زيارته الأولى لطهران، ثم تبعها بزيارات لعدة دول إسلامية أسس خلالها مجموعة الدول الصناعية الإسلامية الثماني. ولا يخفى عن ذي لب حجم التغيرات التي يحتاجها المسرح الدولي قبل السماح بظهور مثل القوى الإسلامية، خاصة إذا كانت تضم بين أعضائها إيران.

بيد أن الآثار السلبية للزيارة لم تبرز على المستوى الدولي فحسب، بل كانت سببًا في زيادة الاحتقان بين أبناء مشروع علماني يريد يريدون الانفصال بتركيا عن ماضيها الإسلامي والانطلاق نحو أوروبا، وهؤلاء ليس من الممكن الاستهانة بهم في الواقع السياسي التركي، إلا أن أربكان لم يأبه بهم، وكان واضحًا في اختيار السير شرقًا ليزيد المساحة بينه وبين فصيل من أبناء شعبه إتجه غربًا(27).

كما زادت مسافة تضارب الرؤى بين أربكان والمؤسسة العسكرية، حينما حاول تحسين علاقة تركيا مع سوريا مؤكدًا ” أن سوريا لا تقدم الدعم الفعال إلى حزب العمال الكردستاني”. متحديًا بذلك المؤسسة العسكرية التي زودته بتقارير استخباراتية معادية لسوريا. وحينما رفض أربكان التعامل مع إسرائيل قبل أن تجبره المؤسسة العسكرية على توقيع اتفاقيات عسكرية معها. وحينما التزم أربكان سياسية اقتصادية منغلقة أمام الغرب فلم يعد الباب مفتوحًا أمام استيراد المنتجات الغربية كما كان من قبل، وهو ما شكّل تهديدًا لمصالح الغرب الإقتصادية، هذا بالإضافة إلى التهديد الأمني والسيياسي الذي رآه البعض بسبب الموقع الإستراتيجي لتركيا وكونها “بوابة أوروبا الشرقية”.

ولم يقتصر السلوك الداخلي والخارجي لأربكان على اسقاط حكومته فقط، بل أصدرت المحكمة الدستورية في كانون الثاني/يناير 1998م حكمًا حظرت نشاط حزب الرفاه، ومنعه من العمل السياسي لمدة خمس سنوات(28). واضطر أنصار حزبه إلى تشكيل حزب جديد لهم باسم “الفضيلة”، ولم يستمر هذا الحزب طويلًا بسبب المشكلات الداخلية هذه المرة وحظره فيما بعد، وقد ترتب على ذلك تأسيس الجناح المقرب من نجم الدين أربكان حزب السعادة برئاسة رجائي قوطان. بينما الجناح التجديدي أسس حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان.

خامسًا- القيم المحافظة “المرنة” وعلمانية اتاتورك

في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002م، جرت الإنتخابات النيابية، استطاع الحزب العدالة والتنمية الفوز بها، وتشكيل حكومة تركية بمفرده، لينهي بفوزه هذا، عهد الحكومات الإئتلافية. كما تمكن الحزب عن طريق الاستحقاقات الدستورية” الانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية بعد تعديل الدستور التركي” المتتالية من إدارة السلطة التنفيذية والتشريعية في الدولة التركية حتى يومنا هذا، واستطاعت الحكومات المتعاقبة لحزب العدالة والتنمية من تحقيق العديد الإنجازات الدستورية والاقتصادية والخدمية، واكتسب بذلك قاعدة جماهيرية عريضة مكنته من الإستمرار، وما أدل على ذلك فشل محاولة الإنقلاب العسكري على الرئيس رجب طيب أردوغان في تموز/يوليو 2016م، وهو أول انقلاب يفشل في تركيا المعاصرة. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: كيف تعامل حزب العدالة والتنمية  مع واقع الدولة العلمانية ومؤسساتها؟

اعتمد حكومات حزب العدالة والتنمية في حكم الدولة التركية على التسليم بمعطيات الواقع السياسي لها(29)، فالحزب من الناحية السياسية والفكرية لا يُعرف عن نفسه بأنه حزب إسلامي. بل ابتعد عن كل ما قد يفهم منه أن للحزب برنامجًا إسلاميًا، ولا تظهر أدبياته أية إشارة دينية، بل على العكس من ذلك هناك توكيد على نوع من “العلمانية المؤمنة” غير الصارخة، عن طريق رفع شعار “الديمقراطية المحافظة”.

والمقصود بتعبير “العلمانية المؤمنة” والذي لا يستخدمه الحزب، هو محاولة الجمع بين الأسس العلمانية للدولة ومجموعة من القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يُجملها برنامج الحزب تحت شعار “الديمقراطية المحافظة”، على غرار “الديمقراطية المسيحية” في بعض الدول الأوروبية. لكن هي حل وسطي فضفاض للهروب من الاتصاف بالإسلامية ولإيجاد هوية خارجية للحزب يسهل تداولها وتسويقها عند الآخرين. وهي، أي “الديمقراطية المحافظة”، تتعرض لنقد وتحليل وتشكيك من قبل خصوم الحزب بكونها تخفي وراءها أجندة سياسية إسلامية(30).

فلذلك لم يتخذ الحزب موقفًا سلبيًا من العلمانية الكمالية، فالحزب تجنب ورئيسه رجب طيب أردوغان صراعًا مع المؤسسة العسكرية في معركة هامشية، خاضها قبله نجم الدين أربكان فاستزفت مجهوده بشكل كبير وخرج منها مهزوم. كما اعتمد تلك الحكومات في الحرص على وحدة الوطن التركي، وعدم الالتفات لاستفزازات من شأنها زيادة الاستقطاب بين مواطنيه. ومن ذلك رفض رجب طيب أردوغان النزول للشارع بمظاهرات ردًا على المظاهرات العلمانية الرافضة لترشيح عبدالله جل رئيسًا للجمهورية، وكان رفضه حتى لا تزيد رقعة الاستقطاب في الشارع التركي بين المشروع الإصلاحي الإصلاحي المدني، وبين المشروع العلماني.

كما أن حكومة حزب العدالة والتنمية  رفضت خوض “معركة الحجاب” بشكلها التقليدي، لإدراكها أن محاولة تغيير الواقع قبل تغيير معطياته هي معركة خاسرة، وإنما خاضها بأشكال أخرى، فلتجنبها أرسل رجب طيب أردوغن رئيس وزراء تركيا -آنذاك- ابنتيه للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية لأن الجامعات التركية تحظر على الطالبات ارتداء الحجاب، وقد كسب بتلك الخطوة الكثير بعد أن خسر نجم الدين أربكان بسبب المعركة ذاتها الكثير أيضًا.

ولكي لا تستفز حكومة العدالة والتنمية الخصوم، والتركيز على مواطن الإجماع الشعبي والانطلاق منها، لذلك لم تلتفت إلى التصريح المستفز لأحمد سيزر رئيس الجمهورية آنذاك عندما قال أن قصر الرئاسة ليس المكان المناسب لوجود المحجبات. وقد جاء هذا التصريح قبل حفل كان من المفترض أن يستقبل فيه القصر الوزراء وزوجاتهم المجبات، فذهب الوزراء من دون زوجاتهم لتجنب الاستفزاز، ولم يسمحوا للموقف أن يكون استفزازًا يدفعهم لزيادة الاستقطاب بين المشروعين الإسلامي والعلماني بتنمية نقاش حول أحقية الزوجات المحجبات في الحضور، فلم تكن تلك القضية الجزئية تشغل تفكير حزب العدالة والتنمية، ولم تكن معطيات الواقع تقول أن تحقيق مكسب جزئي في هذه الجزئية يصب في مصلحة المشروع الإسلامي بأبعاده المستقبلية.

أن وضوح الرؤية الكلية لحكومة العدالة والتنمية كان المعيار الرئيسي الذي حدد أسلوب الرد ووقي من الاستفزاز. فقراؤتها للواقع الواقع السياسي للدولة التركية جعلها تدرك أن معركة الإسلام الحقيقية هي معركة الدفاع عن الديمقراطية وتوسيع قاعدتها وليس مواجهتها، فعندما قدّم حزب العدالة والتنمية مشروع قانون الزنى للجمعية الوطنية التركية” المجلس النيابي” أثار ذلك خلافًا مجتمعيًا حادًا، وبدأت المؤسسة العسكرية تتحدث ” وهي الخطوة السابقة للتحرك” دفاعًا عن العلمانية من التهديد الإسلامي، وزاد هذا من حالة الاستقطاب الشعبي خاصة مع تربص العلمانيين بالحزب، فقررت قيادته سحب المشروع من الجمعية الوطنية على الرغم من امتلاك الأغلبية النيابية اللازمة لتمريره، لعدم وجود توافق مجتمعي عليه، وقد أثارت هذه الخطوة حفيظة الإسلاميين التقليديين في تركيا، لكن سحبه عزز حالة الاستقرار التي مكنت الحزب من المضي قدمًا في إصلاحاته الحقيقية، العميقة والهادئة في آن واحد.

أن تسليم حكومة العدالة والتنمية بمعطيات الواقع السياسي في تركيا، هذا يعني أن حكومة الحزب تعلمت من أخطاء الأحزاب الإسلامية السابقة وفي مقدمتها حزب الرفاه، فالحكومة لم تتخلى عن حلمها الإسلامي ولكنها سعت لتحقيقه بطريقة أكثر فعالية، وبأدوات أكثر عصرية، وأكثر حفاظًا على مصالح شعبها، فهي أدركت أن ميزان القوة ليس في صالحها لا داخليَا ولا خارجيًا، أي أنها غير قادرة على مواجهة المؤسسة العسكرية والدول الغربية بسلك طريق حزب الرفاه فسلكت طريقًا آخر يؤدي للمقصد ذاته.

فالعدالة والتنمية حافظ على قرب المساحة بينه وبين العلمانيين بأن قرر السير نحو أوروبا على عكس حزب الرفاه، فقد كانت رحلة رجب طيب أردوغان الأولى  إلى بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، وهو بتلك الخطوة حقق ما يريد. فهو أولًا بعث رسالة طمأن بها شعبه على حرصه على الوحدة، ثم أنه جسد الحلم التركي بالانضمام للاتحاد الأوروبي فصار يحمل مشروعًا وطنيًا تركيا جامعًا لا مشروعًا إسلاميًا. والأهم أنه يعلم أنه في طريق سير تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون مطلوب منها القيام ببعض الإصلاحات السياسية الديمقراطية هو في أشد الحاجة إليها، وتقف المؤسسة العسكرية عثرة في طريق تطبيقها، ولكن إذا كانت الإصلاحات هي ثمن الانضمام للاتحاد الأوروبي، فإنها لن يكون أمامها إلا الرضوخ، لأن المطالب في تلك الحالة ليست مطالب الإسلاميين أو الحكومة، وإنما هي مطالب الشعب بأسره.

أول هذه المطالب كان القيام بإصلاحات ديمقراطية، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي، وتقليص قوتها في المشهد السياسي التركي، وهو مكسب كبير ولاشك للدولة بأسرها، وللحركة الإسلامية فيها على وجه الخصوص. من مطالب الاتحاد الأوروبي كذلك ما يتعلق بحقوق الإنسان، وهو ما استخدمه حزب العدالة والتنمية للضغط في مسألة الحجاب أحيانًا، ولكن ظل حريصًا على عدم جعلها معركته الأساسية، وعدم اتخاذ أي قرار جذري في هذه المسألة حتى يتحقق التوافق الجمعي، ومسألة حقوق الإنسان كانت هامة كذلك في معالجة القضية الكردية بعيدًا عن المؤسسة العسكرية، وإن بقي حزب العدالة والتنمية مضطرًا للتقارب معها أحيانًا في هذه القضية(31).

ومن الشىء المهم في فهم حزب العدالة والتنمية الواقع الداخلي للدولة التركية هو التحول من مسار “سياسات الهوية” إلى “سياسات الخدمات”، بمعنى أنه فكك تقيد البرامج الإسلامية السابقة وغرقها في مسائل الهوية والثقافة ونقلها إلى المسائل السياسية والاجتماعية والخدماتية والاقتصادية. ويمكن القول إن هذا هو المفصل التاريخي والفكري الأهم خلال الستين سنة الماضية في الفكر السياسي للإسلاميين الأتراك، وقد أتاح هذا الانتقال من الانشغال والانغماس بقضايا الهوية إلى الانخراط في قضايا الخدمات(32).

اقتصاديًا، وجدت حكومة العدالة والتنمية حلولًا جذرية لمعضلات اقتصادية واجعت تركيا على مدى عقود مثل الفساد والتضخم وتردي الخدمات العامة، فخفضت النفقات الحكومية إلى أبعد مدى وخفضت عدد الوزراء وباعت ألاف السيارات الحكومية والفيلات الفاخرة التي كانت مخصصة للنواب وشكلت لجانًا نيابية لتعقب الفاسدين الذين سرقوا المصارف الحكومية والخاصة وأصدرت قانونًا يسمح للحكومة بوضع اليد على أموال أصحاب ومديري هذه المصارف وأموال أقاربهم من الدرجة الأولى والثانية واسترداد قيمة ما نهب من هذه الأموال، واستطاعت الحكومة في دورة توليها الحكم الأولى أن تسترد 46 مليار دولار أمريكي.(33) وهو ما أدى إلى أشاعة جو الثقة والأمان.

واهتمت حكومة العدالة والتنمية بمعالجة مشكلة البطالة عن طريق تشجيع الاستثمار الإنتاجي، وفتح المجال أمام إقامة المصانع والشركات، التي تنتج للتصدير، وإنشاء مصانع للسيارات والنسيج والآلات، وهو ما وفر فرص عمل كثيرة أسهمت في تخفيض نسبة البطالة التركية إلى حد كبير(34). واستقطب رجال الأعمال الوطنيين، بأن فتح أمامهم سبل الاستثمار وتحقيق الأرباح، وكان من نتيجة ذلك أن نجح حزب العدالة والتنمية أيضًا في استقطاب قطاع كبير من الفقراء، بعد أن توفرت فرص كبيرة للعمل، وزاد الدعم الحكومي بسبب توفر قدر كبير من الأموال نتيجة لترشيد الإستهلاك الحكومي. فالنجاحات الاقتصادية لحكومة العدالة والتنمية انعكست بشكل ايجابي على حياة المواطن التركي من خلال توفير الخدمات بكافة القطاعات، والتي كانت سببًا في التفاف الكثير غير الإسلاميين حولها.

ونتيجة هذه النجاحات توسعت قاعدة مؤيدي حزب العدالة والتنمية، واستطاع جذب أنصار من خارج التيار الإسلامي ، يؤمنوت بحكومته وبرنامجه ويدافعون عنه، في تجسيد علمي لمفهوم الشريعة التي جاءت لخير وسعادة الإنسانية، فقد كان هؤلاء لا يؤمنون بالفكرة الإسلامية يرون الخير في حكومة العدالة والتنمية وبرنامجها.

فالانجاز السياسي الذي تحقق في هذا السياق هو الانفتاح السياسي الذي شهدته قوائم حزب العدالة والتنمية الانتخابية، التي ضمت بعض رموز العلمانية المعتدلة، وهو ما شكل ضربة قاصمة للسجال والاستقطاب الإسلامي العلماني الذي كانت تدفع باتجاهه قوى المعارضة أملا في حدوث اضطرابات تدفع المؤسسة العسكرية للتحرك، الحكمة هنا تكمن في إدراك حزب العدالة والتنمية أن مطالبه في زيها الوطني لا تتعارض مع مطالب المعتدلين العلمانيين، وإنما الصدام واقع لا محالة بين الغلاة في الطرفين الإسلامي والعلماني. ثم آنه يدرك أن معركة الإسلام الحقيقية – كما سبق- هي معركة توسيع قاعدة الديمقراطية وجعلها أكثر تمثيلًا، وهو المطلب الذي سيلتف حوله معتدلي العلمانية، حتى لو تم توافق مآلاته أهدافهم(35).

هذه الانجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، صبت لصالح حزب العدالة والتنمية بالفوز في الانتخابات النيابية اللاحقة، وتشكيل حكومات بمفرده، الأمر الذي مكنه بما يمتلكه من رصيد شعبي و الاستفادة من اشتراطات الانضمام للاتحاد الأوروبي “سلة شروط كوبنهاجن”  للمضي في تنفيذ إصلاحات في حقوق الإنسان والمؤسسة العسكرية، ففي الأولى سن قوانين توسع نطاق الحريات الفردية وشدد العقوبة على التعذيب سواء في السجون أو في أقسام الشرطة وسن حرية التجمعات والمظاهرات وسن قانون حق الفرد في الحصول على المعلومات وحق التعبير السلمي عن الرأي بجميع أشكاله وحق الأقليات العرقية في تعلم وتعليم لغاتها كما أصدر قانون العفو العام عن التائبين من حزب العمال الكوردستاني الانفصالي  وفي عام 2013 رفع الحظر رسميا وتم السماح للموظفات في الحكومة بارتداء الحجاب أثناء ساعات العمل، وكذلك للمجندات التركيات وطالبات المدارس العسكرية بارتداء حجابهم أثناء أدائهم للخدمة العسكرية

أما عسكريًا، فقد سنت قوانين، منها إلغاء صفة التنفذية والرقابية للجنة الأمن القومي وهي تسيطر على المؤسسة العسكرية التركية وتضم قادة أقسام من الجيش البرية والجوية والبحرية والشرطة العسكرية، وأعطت لها صفة استشارية فقط، وسحب صلاحيات تدخل هذه اللجنة في الهيئات والمؤسسات المختلفة والوزرات وحصر عملها ومهمتها في إطار تقديم الإستشارة إلى الحكومة التي لها مطلق الحرية في الأخذ أو عدم الأخذ بها كما لم يعد هناك شرط كون السكرتير العام للجنة شخصًا عسكريا، ويُعين من قبل رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية وليس كما كان من قبل رئيس الأركان العامة،  بالإضافة إلى قيام لجان من الجمعية الوطنية التركية” مجلس النواب” ووزارة المالية بمراجعة نفقات المؤسسة العسكرية. وبهذه الاصلاحات العسكرية تحولت المؤسسة العسكرية التركية من مؤسسة تتحكم بالنظام السياسي في الدولة التركية إلى مؤسسة تابعة له (36).

هذه الإصلاحات أظهرت أن حزب العدالة والتنمية المتهم بالرجعية لكونه ذا جذور إسلامية- أكثر تقدمية وانفتاح من أي حزب آخر وأقرب إلى المدنية المعاصرة من جميع الأحزاب الأخرى وأثبت ذلك عمليًا على الأرض وبين المواطنين. إن الإنجازات الكبيرة التي حققتها حكومات العدالة والتنمية في مختلف المجالات كانت نابعة من الفهم الجيد لواقع النظام العلماني في تركيا والمقاصد المرجو تحقيقها. وأثبت تجربة العدالة والتنمية نجاعتها(37).

الخاتمة:

أخطأت علمانية أتاتورك في حق الشعب التركي حين اعتبر الإسلام عقبة في طريق التقدم والنهوض ناسيًا أن الدين فطرة ومشاعر حقيقية من حقائق الحياة وهو “مركب الحضارة” الذي يمزج ” الإنسان والتراب والوقت” فالفكرة الدينية رافقت دائمًا تركيب الحضارة عبر التاريخ كما يقول مالك بن نبي أو كما قال برتراند رسل “الدين كلمة لها تاريخ طويل وحقيقة الناس هي العقل والدين والغريزة”(38)،  فالإسلام ليس كما يظن اتاتورك أنه دين معادي للعلم والتقدم وأنه دين رجعي، فحضارة الإندلس قامت على الدين الإسلامي وملأت الدنيا نور،وفي هذا السياق يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون “إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا وإن جامعات الغرب لم تعرف مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدنوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه إن أوروبا مَدينة للعرب بحضارتها وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين فهم الذين علموا الشعوب النصرانية، وإن شئت فقل: حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبةً(39).

في أيار/مايو 1999م، وافق رئيس الجمهورية سليمان ديمريل على إسقاط الجنسية عن النائبة المحجبة عن حزب الفضيلة مروة قاوجي بحجة حملها الجنسية الأمريكية، بينما، في تشرين الثاني/نوفمبر 2019م، دافع رجب طيب أردوغان عن نائبة محجبة أوزلام زينغين في الجمعية الوطنية “مجلس النواب التركي” التي تعرضت لإساءة من نائب عن حزب الشعب الجمهوري كونها محجبة، وقال أردوغان:” إنه “لا صمت بعد الآن، ولن نسكت عن مسؤولي حزب الشعب الجمهوري الذين يتصرفون بوقاحة”.

هذا التحول الكبير الذي يصب في صالح تعزير الحريات الفردية في الدولة التركية لقضية جوهرية كالحجاب وهي من قضايا الشائكة بين الإسلاميون والعلمانيون منذ تأسيسها يدفعنا إلى التساؤل: من كمال إلى أردوغان …. هل تصدعت العلمانية أتاتورك؟

الهوامش:

1-فكري شعبان، نشأة العلمانية وقواها في تركية، موقع الجزيرة الإلكتروني ، ينظر الرابط التالي
https://www.aljazeera.net/2006/10/31/%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7
2-خالد الحروب، تركيا إسلامية علمانية، وجهات نظر، العدد117، أكتوبر 2008م، ص7.
3-هشام الحمامي، تركيا الجديدة!، وجهات نظر، العدد105، أكتوبر 2007م، القاهرة، ص 26.
4-وجيه كوثراني “في محمد جمال باروت”، الاتجاهات الدينية والحركات الإسلامية في الوطن العربي، في الحوار العربي- التركي بين الماضي والحاضر، مركز دراسات الوحدة العربية، تشرين الثاني/نوفمبر2010م، ص 446.
5- وليد رضوان، تركيا بين العلمانية والإسلام في القرن العشرين، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2006م، ص ص 46-53، ينظر أيضًا، خليل إبراهيم الطيّار، الصراع بين العلمانية والإسلام في تركيا، دراسات استراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 99، 2004م، ص ص 19-26.
6- محمد ثلجي، أزمة الهوية في تركيا .. طرق جديدة للمعالجة، في : تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج، مركز الجزيرة للدراسات، 2010م، ص 90.
7- كمال حبيب، الجمهورية” الثالثة”، وجهات نظر، العدد105، القاهرة، أكتوبر 2007م، ص32.
8- خالد الحروب، مصدر سابق، ص ص 7-8.
9- خليل إبراهيم الطيّار، مصدر سابق، ص 71.
10- المصدر نفسه، ص27-35، وينظر أيضًا، د. وليد رضوان، مصدر سابق، ص ص 68-75.
11- هشام حمامي، مصدر سابق، ص 27.
12- كمال السعيد حبيب، الإسلاميون الأتراك.. من الهامش إلى المركز، في : تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج، مركز الجزيرة للدراسات، 2010م، ص113.
13- هشام حمامي، مصدر سابق، ص 27.
14- كمال السعيد حبيب، الإسلاميون الأتراك..، مصدر سابق، ص 113.
15- هشام حمامي، مصدر سابق، ص 27.
16- كمال السعيد حبيب، الإسلاميون الأتراك..، مصدر سابق، ص 114.
17- خليل إبراهيم الطيّار، مصدر سابق، ص 43.
18- هشام حمامي، مصدر سابق، ص28.
19- خليل إبراهيم الطيّار، مصدر سابق، ص 43.
20- كمال السعيد حبيب، الإسلاميون الأتراك..، مصدر سابق، ص 114.
21- كمال حبيب، الجمهورية” الثالثة”،ص 32.
22- هشام حمامي، مصدر سابق، ص28.
23- كمال حبيب، الجمهورية” الثالثة”،ص 32.
24- خليل إبراهيم الطيّار، مصدر سابق، ص ص 50-51.
25- هشام حمامي، مصدر سابق، ص28.
26- خليل إبراهيم الطيّار، مصدر سابق، ص52.
27- إبراهيم هضيب، أردوغان والإخوان، وجهات نظر، العدد 114، يناير 2011، القاهرة، ص ص 45-46.
28- خليل إبراهيم الطيّار، مصدر سابق، ص ص 54-56.
29- إبراهيم هضيب، مصدر سابق، ص 45.
30- خالد الحروب، مصدر سابق، ص 6.
31- إبراهيم هضيب، مصدر سابق، ص ص 46-47.
32- خالد الحروب، مصدر سابق، ص 6.
33- حلمي محمد القاعود، أعوذ بالله من الشيطان والسياسة: اسطنبول 555سنة، وجهات نظر، العدد 117، اكتوبر 2008م، القاهرة، ص 14.
34- إبراهيم أوزتورك، التحولات الاقتصادية التركية بين عامي 2002م-2008م، في : تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج، مركز الجزيرة للدراسات، 2010م، ص ص 47-55.، وينظر أيضًا، حلمي محمد القاعود، ص 14.
35- إبراهيم الهضيب، مصدر سابق، ص 48.
36- هشام الحمامي، مصدر سابق، 31.
37- إبراهيم هضيب، مصدر سابق، ص 49.

38- هشام الحمامي، مصدر سابق، ص 26.

39-أحمد مجاهد، رحلة سفر عبر الزمن إلى حضارة الأندلس، موقع الجزيرة الإلكتروني، ينظر الرابط التالي

https://www.aljazeera.net/blogs/blogs/2016/12/25/%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%B3%D9%81%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3