مؤشرات لنهاية هدنة إدلب

مؤشرات لنهاية هدنة إدلب

تتصاعد المؤشرات على نيّة النظام السوري وروسيا شنّ عملية عسكرية جديدة في إدلب، مع استئناف الطرفين الغارات الجوية على شمال غربي سورية بعد توقف لنحو 3 أشهر منذ توقيع اتفاق الهدنة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في 5 مارس/آذار الماضي، ويتوازى ذلك مع حشود متبادلة من قوات النظام والمليشيات التي تسانده من جهة، والفصائل المقاتلة من جهة أخرى، فضلاً عن التعزيزات التركية التي تدخل الأراضي السورية بشكل شبه يومي، ليعود إلى المشهد أيضاً نزوح آلاف المدنيين المتخوفين من مواجهات جديدة.


قُتل مدني وأصيب آخرون أمس الثلاثاء جراء قصف جوي روسي على ريف إدلب

“وقُتل مدني وأصيب آخرون، أمس الثلاثاء، جراء قصف جوي روسي على ريف إدلب. وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد” إن الطيران الحربي الروسي شنّ غارات عدّة منذ الصباح الباكر على قرية بليون في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، ما أدى إلى مقتل مدني وإصابة خمسة آخرين، مشيرة إلى أن المناطق التي تعرضت للقصف الروسي ليست بعيدة كثيراً عن نقطة الجيش التركي المتمركزة بالقرب من بيلون، والتي كانت قد تعرضت لقصف من قوات النظام نهاية فبراير/ شباط الماضي، ما أدى وقتها إلى مقتل العديد من الجنود الأتراك، ودفع بتركيا إلى الرد بقصف مواقع للنظام. وذكر مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لـ”فرانس برس” أنه “أول مدني يُقتل جراء غارات جوية” منذ سريان الهدنة.

وكان الطيران الحربي الروسي قد شنّ الإثنين نحو 30 غارة على ريف إدلب الجنوبي، متسبّباً، بحسب الدفاع المدني، بمقتل رجلين وإصابة اثنين آخرين وامرأة. وطاول القصف الروسي الذي ترافق مع قصف مدفعي وصاروخي من قوات النظام بلدات الموزة وكفرعويد والفطيرة وكنصفرة وسفوهن وقوقفين.

وجاء هذا التصعيد عقب هجوم شنّته فصائل مسلحة متشددة منضوية ضمن غرفة “وحرض المؤمنين” التي تقودها “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) على قوات النظام في منطقة سهل الغاب بريف حماة الغربي، أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من عناصر النظام ومقاتلي الفصائل. وتمكنت قوات النظام من استعادة قريتي الفطاطرة والمنارة في سهل الغاب إثر سيطرة الفصائل عليهما لبعض الوقت.

ويتزامن هذا التصعيد مع مؤشرات على نيّة النظام وروسيا شنّ عملية عسكرية جديدة ضد إدلب، وسط تعزيزات جديدة لقوات النظام والمليشيات التي تساندها في المنطقة. وذكرت مصادر عسكرية قريبة من المعارضة لـ”العربي الجديد” أن التحركات العسكرية لقوات النظام وحلفائه تتواصل على محاور التماس في معرة النعمان وكفرنبل، بالتزامن مع استمرار المناوشات على عدة خطوط تماس والقصف المدفعي للنظام على تلك الخطوط. وأوضحت المصادر أن قوات النظام وحلفائه لم تتوقف عن رفع جاهزيتها وإجراء تنقلات للقوات العسكرية على خطوط التماس من كفرنبل جنوباً حتى معرة النعمان وسراقب وريف حلب الغربي شمالاً، مشيرة إلى تعزيزات واستعدادات مماثلة لفصائل المعارضة.

وفي هذا الإطار، أجرت “هيئة تحرير الشام” استعراضاً عسكرياً لقواتها في إدلب، بحسب ما أظهرت صور ومقاطع فيديو نشرتها شبكة “إباء” التابعة للهيئة الإثنين عبر “تلغرام”، وقالت الشبكة إن الصور لأرتال ومؤازرات متوجّهة لدعم جبهات جبل الزاوية. وأظهر الفيديو عشرات العربات العسكرية المصفحة، وجنوداً وأسلحة متوسطة ورشاشة، في طريقها باتجاه مناطق جبل الزاوية وريف حماة الغربي، في وقت ذكرت مصادر من “الهيئة” أنها على أتم الجهوزية للتصدي لأي عمل عسكري باتجاه المنطقة.
وسبق أن أعلنت “الجبهة الوطنية للتحرير”، في وقت سابق، القطاع الشرقي من جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، منطقةً عسكرية، بمنع وصول المدنيين إليها، نظراً لتصاعد خروقات النظام في المنطقة.

من جهته، أرسل الجيش التركي أمس تعزيزات جديدة إلى الأراضي السورية تضمنت جدراناً إسمنتية وآليات هندسية، توجهت نحو معسكر المسطومة في ريف إدلب الجنوبي، والذي يعد حالياً أكبر التجمّعات التركية في المنطقة ويقع على الطريق الواصل بين مدينتي إدلب وأريحا والذي يصل إدلب أيضاً بالطريق الدولي حلب-اللاذقية.

ويتخوّف السكان في إدلب من عودة العمليات العسكرية للنظام السوري وحلفائه على المنطقة، لا سيما تلك التي تقع جنوب الطريق الدولي والتي شهدت عمليات الخرق من النظام والهجمات من “وحرض المؤمنين”. ونزح نحو 6 آلاف مدني من منطقة “خفض التصعيد” جراء قصف الطيران الروسي وقوات النظام وحلفائه. وقال مدير فريق “منسقو الاستجابة المدنية في الشمال السوري”، محمد حلاج، لـ”الأناضول”، إن منطقتي جبل الزاوية وجبل شحشبو شهدتا حركة نزوح جراء القصف، مشيراً إلى أن “5 آلاف و834 شخصاً نزحوا من بلدة كنصفرة وقرى عين الرز والفطيرة والبارة وكفرعويد”.

وعن هذه التطورات، قال القيادي في “الجيش الوطني السوري” مصطفى سيجري لـ”العربي الجديد” إن “هناك حشوداً وخروقات للنظام السوري، وتؤكد مصادرنا أنه والمليشيات الإيرانية، يحشدون القوات والإمكانات بهدف البدء بعدوان على المنطقة”. واستدرك قائلاً: “لكن الواقع يقول إن قرار الحرب بيد الروس وليس بيد إيران أو النظام، ومن جهتنا نأخذ التهديدات والمعلومات على محمل الجد، ونقوم بالتجهيز للمعركة بهدف حماية المنطقة واستعادة ما خسرناه في الفترة السابقة”. وأضاف أنه في حال “خرق النظام الاتفاق وشنّ عملية عسكرية واسعة، فسوف نكون والحلفاء الأتراك في حلّ من اتفاق موسكو، ولن نسمح للنظام وإيران بالسيطرة على المنطقة”.

وحول الأهداف المتوقعة لمثل هذا التصعيد من قِبل النظام وإيران، رأى سيجري أنهما يسعيان إلى تحقيق “ثلاثة أهداف رئيسية مباشرة، تتمثل في السيطرة على جبال الكبينة الاستراتيجية في ريف اللاذقية الشمالي، وجبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، والوصول إلى معبر باب الهوى مع تركيا، وذلك من أجل فصل مناطق غصن الزيتون عن منطقة إدلب”. وأضاف “بعد أن تلقى الروس خسائر كبيرة في ليبيا، من المتوقع أن يدعموا هذا العدوان، فلطالما مثّلت إدلب للروس صندوق رسائل نارية، للضغط على الأتراك، لذلك لا نستبعد أي عملية إرهابية جديدة على المنطقة”.
وطالب سيجري “أهلنا في إدلب وريفها بالالتزام ببيانات وتعليمات الجبهة الوطنية للتحرير بما يخص البقاء في المناطق المهددة أو الإخلاء، لأن الجبهة الوطنية هي الجهة الوحيدة المعنية بهذا الملف على اعتبار أنها من تقوم على حماية وتأمين المنطقة والمشرفة على غرفة العمليات العسكرية”.

وبشأن الدور الذي يمكن أن تقوم به “الفصائل الجهادية” في تفجير الوضع أو هل لها مصلحة في ذلك، اعتبر سيجري أن “هذه الجماعات تقوم بدور مشبوه في المنطقة، وعلى رأسها تنظيم الجولاني، فمسيرة هذه الجماعات تصب كلها في صالح العدو”، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة “تحجيماً لدور هذه الجماعات، تمهيداً لإنهاء أي تنظيم او جماعة خارج المظلة الثورية”، معتبراً أنها “مخترقة على المستوى القيادي وتنفذ أجندات العدو، وبات أهلنا في إدلب ينظرون لها على أنها أدوات العدو داخل المناطق المحررة”.


توقعات بشن النظام هجوماً محدوداً على بعض المحاور لجس نبض جاهزية الفصائل

“وتوقعت مصادر محلية تحدثت لـ”العربي الجديد” أن يبادر النظام إلى شن هجوم عسكري محدود على بعض المحاور لجس نبض جاهزية الفصائل وقوة الجبهات هناك، معتبرة أن أي عمل عسكري واسع ستكون له عواقب تطاول التنسيق التركي الروسي، وقد يؤدي إلى انفلات الوضع برمته عن السيطرة.

ورأى مراقبون أن زيارة وزير الداخلية التركي سليمان صويلو الأحد الماضي إلى منطقة إدلب وإن كان ظاهرها مبادرة إنسانية لمتابعة بناء مساكن للنازحين، لكن مضمونها سياسي، يتعلق بتوجيه رسائل. ولفت هؤلاء إلى أن تركيا حشدت حتى الآن أكثر من 15 ألف جندي، ونشرت أنظمة دفاع جوي في شمالي غرب سورية، ما يعني أنها ليست بوارد التخلي عن المنطقة للنظام السوري وروسيا.

عدنان أحمد

العربي الجديد