الإرهاب.. والشفافية

الإرهاب.. والشفافية

الإرهاب1

عندما وقع ذلك الحادث المؤلم منذ ٢١ عاما، وهو حادث الاعتداء على الأستاذ نجيب محفوظ، من شخص لا تُعرف هويته، حيث فاجأ الأستاذ نجيب وهو يركب سيارته فطعنه فى رقبته ويده، لم أصدق قط ما قيل وقتها من أن السبب هو اعتقاد المعتدى أن الأستاذ نجيب قد خرج عن الإسلام، فى كتابه «أولاد حارتنا»، ومازلت لا أصدق هذا الزعم حتى الآن.

كتاب «أولاد حارتنا» مجرد رواية، يمكن أن تفسر بعشرات التفسيرات، وفهمها على أنها تمس عقيدة المسلم، أو أى متدين، فهم سقيم، ولكنه يحتاج أيضا إلى بعض التفكير الذى لا يرجح توفره لدى شخص قادر على ارتكاب مثل هذه الجريمة ولا حتى لدى شخص أصدر أوامره لشخص آخر بارتكابها.

وفضلا عن ذلك فإن الرواية كانت قد نشرت فى ١٩٥٨، أى قبل حادث الاعتداء بستة وثلاثين عاما، وليس من المألوف أن يظل شخص متألما طوال هذه المدة، بسبب ما كتبه روائى عن الدين، ثم يقرر الانتقام منه بطعنه عدة طعنات بعد مرور هذه المدة الطويلة.

الأمر لا يقبله العقل. ثم لفت نظرى توقيت الجريمة، إذ وقعت قبل يوم أو يومين من ذكرى حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل قبل الاعتداء بستة أعوام، أى أن الجريمة وقعت قبيل إعلان أسماء الفائزين بجائزة نوبل للعام الجديد، وهو إعلان تردده وسائل الإعلام فى العالم كله، فإذا بإعلان هذه الأسماء يقترن فى وسائل الإعلام بخبر الاعتداء على الأديب المصرى الذى فاز بالجائزة قبل بضعة أعوام، وأن الاعتداء تم بيد مسلم متطرف. وجدت حينئذ أن العلاقة بين الحادث وبين توقيت إعلان الفائزين بجائزة نوبل، أقوى من العلاقة بين الحادث وبين عاطفة ثارت فى نفس أحد المهووسين ضد هذا الأديب منذ ٣٦ عاما.

سمعنا بعد ذلك عن القبض على المعتدى، ولكننى لم أظفر، ولا توقعت أن أظفر من وسائل الإعلام المصرية ولا من غيرها، بأى تفاصيل عما جرى فى التحقيق معه، رغم الأهمية القصوى لهذه التفاصيل من أجل فهم الدوافع الحقيقية للاعتداء. لم أتوقع ذلك لأننا تعودنا على مثل هذا السكوت فيما ينشر عن أحداث أخرى مهمة، كمقابلات الزعماء السياسيين بعضهم لبعض، أثناء أزمات خطيرة، حيث ينشر عنها ما لا يزيد على القول بأن المقابلات تناولت «العلاقات الثنائية»، أو «تطور الأحداث فى المنطقة».. الخ، فلا يخرج المرء بأى شىء مفيد فى فهم أسباب الأزمة أو مواقف الزعماء منها. لم أتوقع أن ينشر شىء مفيد عن حادث الاعتداء على نجيب محفوظ، وسكت على مضض، كما سكت غيرى على مضض، فى هذا الظرف وغيره.

ولكننى كتبت مقالا فى إحدى الصحف المصرية، بعد الاعتداء ببضعة شهور، عبرت فيه عن شكوكى فيما يروى من أن سبب الاعتداء هو الغيرة على الدين.

ثم فوجئت بأن كاتبا من كتاب مجلة «صباح الخير»، كان يكتب صفحة أسبوعية فى صيغة سؤال يوجهه إلى أحد المشاهير، أشار فى إحدى مقالاته إلى ما عبرت عنه من شكوك حول الاعتداء على نجيب محفوظ، وطلب من الأستاذ نجيب أن يقول لنا رأيه فى هذا الأمر. ولكننا نعرف جيدا أن نجيب محفوظ ليس من عاداته أبدا أن يرد على مثل هذه الأسئلة. إنه يكون رأيه فى مثل هذه الأمور ثم يحتفظ برأيه فيها لنفسه ولا أخفى عن القارئ أننى رجحت (ومازلت أرجح) أن نجيب محفوظ كان رأيه فى تفسير الحادث قريبا من رأيى، كما أستطيع أن أخمن ما يمكن أن يكون قد منعه من التعبير عن ذلك صراحة.

***

ثم مرت أعوام كثيرة، ما أكثر ما حدث فيها من حوادث لا تقل قسوة ووحشية عن حادث الاعتداء على نجيب محفوظ. ومازلنا نسمع أمثالها كل يوم فى منطقتنا السعيدة فى هذه الأيام، مقترنة بأسماء مثل داعش أو أنصار بيت المقدس.. الخ. ومازالت الأخبار تأتينا أيضا على نفس النحو من الغموض، وتُحجب عنا، وعن الرأى العام فى العالم كله، أى تفاصيل قد تساعدنا فى فهم الدوافع الحقيقية لما يحدث، وذلك فى عصر يفاخر غيره من العصور بما يتمتع به من «شفافية» و«ديمقراطية».

من بين هذا النوع من الأخبار، خبر نشر منذ أيام قليلة فى جريدة بريطانية محترمة، جاء فيه أن الشرطة الانجليزية قامت بالقبض على أسرة مكونة من أب وأم وثلاث بنات، بسبب معلومات وصلت عن علاقتها بشخص يقيم فى بلد عربى، وله علاقات بمنظمة إرهابية، ويقوم بتهريب بعض الأشخاص من بريطانيا إلى تركيا ثم إلى سوريا للاشتراك فيما تقوم به هذه المنظمة من أعمال، وأن هذه الأسرة التى تم اعتقالها مشتركة فى هذه الأعمال، هذا هو كل ما احتواه الخبر المنشور: لا شىء عن الشخص ذى العلاقة القوية بالمنظمة الإرهابية، أو صفاته، أو عن اسم هذه المنظمة، ولا عن الدافع الذى يمكن أن يكون وراء علاقة هذه الأسرة بتلك المنظمة، ولا شىء بالطبع عما يمكن أن تكون قد أسفرت عنه التحقيقات الأولية، يتعلق بتاريخ هذه الأسرة أو دوافعها.. الخ

باختصار، لا يكاد أن يكون هناك أى خبر مفيد على الإطلاق يساعد على فهم أى شىء جديد عن ظاهرة الإرهاب، وعما يمكن أن يكون وراء تلك الظاهرة الجديدة التى تتمثل فى سفر مئات من حاملى الجنسيات الأوروبية أو الأمريكية للانضمام إلى منظمات إرهابية فى البلاد العربية، مع غرابة هذه الظاهرة واشتياقنا للعثور على تفسير لها، وصعوبة تصديق أن الدافع الحقيقى لها هو الرغبة فى تحقيق مجد الإسلام.

هذا هو نوع «الأخبار» التى تمتلئ بها الصحف ووسال الإعلام عن الإرهاب أو غيره، ولكن عندما يتعلق الأمر بظاهرة مقلقة جدا وبشعة للغاية، ويترتب عليها مقتل عدد كبير من الأبرياء، وتدمير عدد كبير من المدن الغالية، وقد يترتب عليها تقسيم البلاد العربية «التى هى غالية أيضا» إلى دويلات صغيرة، أصغر حتى مما كانت، فإن الأمر يبعث على مزيد من الحزن، دعونا على الأقل نصف هذا العصر الذى نعيشه بما يستحقه من أوصاف، ولكنه قطعا ليس عصر الديمقراطية أو الشفافية.

جلال أمين

صحيفة الشروق المصرية