الصراع الخفي بين مرجعية النجف وإيران يخرج إلى العلن: لكم حشدكم ولي حشد

الصراع الخفي بين مرجعية النجف وإيران يخرج إلى العلن: لكم حشدكم ولي حشد

الخلاف الحادّ بين الحشدين الولائي والمرجعي في العراق والذي وصل حدّ “الطلاق” النهائي خلال المؤتمر الذي انعقد مؤخّرا في مدينتي كربلاء والنجف تحت عنوان “حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة” ليس سوى صدى لصراع أعمق وأطول مدى، وإن كان مكتوما في أغلب الأحيان، بين مرجعية علي السيستاني وإيران التي ما انفكت تحاول تطويع هذه المرجعية لخدمة مشروع الهيمنة الإيرانية على البلد.

النجف (العراق)- لن يكون الحشد الشعبي المؤلّف من العشرات من الميليشيات الشيعية العراقية، قادرا في المستقبل المنظور على التمادي في حجب خلافاته الحادّة وانقساماته الداخلية وتسويق نفسه ككتلة كبيرة متجانسة، وذلك بعد أن أعلنت أربع من الميليشيات المكوّنة له، بشكل لا لبس فيه، تمايزها عن باقي مكوناته عقيدةً وهدفا وولاء ومرجعية، في خطوة اعتبرها أغلب الملاحظين إعلانا للانفصال عن هذا الجسم شبه العسكري الدخيل على أجهزة الدولة العراقية، والذي تشكّل بادئ الأمر بهدف محدّد وواضح وهو مواجهة تنظيم داعش لدى غزوه ثلث مساحة العراق قبل أكثر من ست سنوات، ثم تشعّبت نشاطاته واتسعت طموحات قادته وامتدت إلى عالم السياسة ولم تستثن ميدان الاقتصاد والمال.

وظهر التباعد الكبير بين مكوّنات الحشد، جليا عندما عقدت التشكيلات التابعة للعتبات المقدسة في العراق، مؤخّرا، مؤتمرا لها هو الأوّل من نوعه، مؤذنة بتشكيل حشد “مرجعي” نسبة إلى مرجعية النجف بهوية محلية مختلفة عن هوية الحشد “الولائي” نسبة إلى الولي الفقيه والذي انتهى به المطاف حشدا إيرانيا خالصا في تبعيته لطهران وخدمته لأهدافها وخوضه لصراعاتها على أرضية تبنّي قادته للنظرية المعتمدة كنظام للحكم في إيران.

وانتظم المؤتمر الذي عقده كلّ من لواء جند المرجعية، ولواء علي الأكبر، وفرقة العباس القتالية وفرقة الإمام علي القتالية، تحت شعار “حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة”، وذلك في حرص واضح على إعلان وجود هذا الحشد المتمايز من جهة، وارتباطه بفتوى المرجع الشيعي علي السيستاني، التي أطلقها في يونيو 2014 تحت مسمّى “فتوى الجهاد الكفائي” من جهة ثانية، إضافة إلى الإيحاء بارتباط هذا “الحشد المصغّر” بالدولة العراقية وأهدافها السياسية والأمنية.

أبرزت فكرة عقد المؤتمر مجدّدا ما يجري تداوله في العراق بشأن وجود حالة من الغضب والامتعاض المكتومين لدى مراجع النجف وعدد من السياسيين والعسكريين العراقيين الموالين لمرجعية علي السيستاني، من “الانقلاب” الذي نفّذته إيران عن طريق قادة الميليشيات المرتبطة بها واستولت به على الحشد الذي ترجع “براءة اختراعه” إلى السيستاني، ويعتبر في حدود المهمّة الأصلية له والمتمثّلة في مواجهة داعش عندما كانت القوات العراقية في حالة من الارتباك والتراجع الأقرب إلى الانهيار، “نجاحا” لم تتوان طهران في تجييره لمصلحتها بدخولها على خطّ الحشد الشعبي والتحكّم فيه عبر إشراف مباشر عليه عن طريق كبار ضباطها وعلى رأسهم قاسم سليماني القيادي الكبير في حرسها الثوري والذي قتل في ضربة جوية أميركية قرب مطار بغداد مطلع العام الجاري.

ولا يرى المطّلعون على الشأن العراقي في الخلاف القائم حول الحشد الشعبي وبانتمائه وهويته والذي يسير به نحو انقسام شبه مؤكّد، سوى مظهر على صراع أقدم وأبعد مدى بين إيران ومرجعية النجف في العراق، والتي تعمل طهران على إدخالها تحت جناحها والتقليل من قيمتها باعتبارها مجرّد فرع يمكن استخدامه في توثيق نفوذها في البلد وتهيئة الأرضية الفقهية والمذهبية لترويض شيعة البلاد واستخدامهم في تنفيذ السياسات الإيرانية في المنطقة.

ويقلد الملايين من العراقيين الشيعة مرجعية علي السيستاني في النجف، ويطيعون أي أوامر يصدرها بشأن الوضع السياسي، فيما يحظى علي خامنئي ببعض المقلدين العراقيين، وأبرزهم زعماء فصائل مسلحة ترفع شعار “المقاومة الإسلامية”، وانخرط الجزء الأكبر منها في قوات الحشد الشعبي.

ويقول ساسة عراقيون مطلعون على تفاصيل هذه “الحرب الباردة” إنّ الصراع بين المرجعيتين وإن كان قديما، فقد اتّخذ خلال السنوات الأخيرة التي ارتفع فيها سقف الطموح الإيراني في التمدّد بالمنطقة طابعا سياسيا بعيدا عن الاختلاف في التعريف الإيراني لمبدأ ولاية الفقيه، إذ تخطّت القضية الخلاف الفقهي حين بدا واضحا أن إيران تسعى إلى الهيمنة على قرار المرجعية الدينية في النجف بعد أن نجحت في الهيمنة على القرار السياسي في العراق.

وخلال سنوات الحرب ضدّ داعش تمكنت إيران من تحقيق نصر هام في صراعها ضدّ مرجعية النجف بأن جيّرت الفتوى التي أصدرتها المرجعية نفسها لمصلحتها بالكامل، حيث أن استيلاءها على الحشد الشعبي أتاح لها امتلاك جيش رديف على الأرض العراقية مختلف هذه المرّة عن الميليشيات “المتناثرة” التي تمكّنت منذ سنة 2003 من زرعها في الجسد العراقي.

مكسب غير متوقّع
اكتست ورقة الحشد الشعبي أهمية بالغة لإيران وأصبحت وسيلة ناجعة للحفاظ على نفوذها الكبير في العراق، ومنع تفلّته من يدها. ولا يضمن الحشد لإيران سيطرة موضعية على مناطق شاسعة في العراق من خلال حضور مقاتليه على الأرض ومشاركتهم في مسك الأراضي المستعادة من تنظيم داعش في محافظات بابل وديالى وصلاح الدين والأنبار ونينوى، فضلا عن حضوره داخل أحياء العاصمة بغداد وعدد من مدن جنوب البلاد، فحسب، بل ثبت منذ انتخابات سنة 2018 أنّه قابل للاستخدام كقوّة سياسية ضاغطة على سلطة اتخاذ القرار العراقي وتجييره في ما يخدم المصلحة الإيرانية.

ففي تلك الانتخابات ترشّح الحشد ضمن تحالف نيابي أطلق عليه اسم تحالف الفتح وتمكّن من تشكيل كتلة برلمانية كثيرا ما استخدمت في تمرير قوانين متلائمة مع المصلحة الإيرانية على غرار، القرار الذي نصّ على إخراج القوات الأميركية من الأراضي العراقية، وهو أمر مطلوب من قبل طهران بشكل صريح ومعلن.

وفي تأكيد على فكرة “عراقية” الحشد يقول اللواء علي الحمداني قائد لواء علي الأكبر التابع للعتبة الحسينية “نحن الحشد ونحن أبناء الفتوى ونحن أبناء المرجعية وهذه الألوية انبثقت من رحم العتبات المقدسة وعرفت في الساحة بالتزامها وبقتالها وعملها.. فالحشد حشد المرجعية ونحن أبناء الحشد وأبناء الفتوى”.

يقلد الملايين من العراقيين الشيعة مرجعية علي السيستاني في النجف، ويطيعون أي أوامر يصدرها بشأن الوضع السياسي، فيما يحظى علي خامنئي ببعض المقلدين العراقيين

إنّ فكرة فصل الحشد الولائي عن الحشد المرجعي، لم تغب عن أذهان قادة الميليشيات الأربع والسياسيين الداعمين لهم، وقد سبق للفكرة أن حقّقت قفزة هائلة عندما أعلن عن انفصال لوائي وفرقتي العتبات عن هيئة الحشد الشعبي المعلنة بشكل صوري “مؤسسة” أمنية تابعة للدولة العراقية، وارتباطها بشكل مباشر برئاسة الوزراء.

وتؤكّد مصادر عراقية أنّ مرجعية النجف، إضافة إلى الحشديين والسياسيين المرتبطين بها، استشعروا خلال الفترة الأخيرة خطرا حقيقيا تعاظم ولم يعد من المناسب السكوت عنه ويتمثّل في التغوّل الاستثنائي لبعض أشرس الميليشيات التابعة لإيران في العراق وأكثرها تطرّفا.

وتشرح المصادر ذاتها أن تسريع خطوات فصل الحشد المرجعي عن الحشد الولائي، تتصل مباشرة باختيار عبدالعزيز المحمّداوي المعروف بـ”أبو فدك” ليخلف أبومهدي المهندس الذي قتل مع قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في الضربة الجوية الأميركية، في منصب المشرف على العمليات الميدانية للحشد.

وينظر إلى المحمّداوي باعتباره مواليا بشكل كامل لعلي خامنئي حدّ التشكيك في مرجعية السيستاني ودعوته في مجالس خاصّة إلى سحب الاعتراف به وإلغاء الموالاة له.

خلال المؤتمر المذكور جرى التأكيد على نحو خاص على فكرة “عراقية” الحشد، في إشارة ضمنية إلى رفض هويته الإيرانية. وفي هذا السياق يقول اللواء علي الحمداني قائد لواء علي الأكبر التابع للعتبة الحسينية “نحن الحشد ونحن أبناء الفتوى ونحن أبناء المرجعية وهذه الألوية انبثقت من رحم العتبات المقدسة وعرفت في الساحة بالتزامها وبقتالها وعملها.. فالحشد حشد المرجعية ونحن أبناء الحشد وأبناء الفتوى”.

وعلى الرغم من صعوبة تحديد عدد المقاتلين المنتمين إلى ميليشيات الحشد الشعبي بالنظر، وتكتّم الميليشيات على عدد منتسبيها، فإنّ عدد الفصائل المشكّلة للحشد يقدّر بستة وستين فصيلا غالبية الولاء داخلها لإيران إذ يبلغ عدد الفصائل التي تتخذ من علي خامنئي مرجعية لها واحدا وأربعين فصيلا، بينما تتوزّع فصائل أخرى بين الولاء للسيستاني وللصادق الشيرازي ولكمال الـحيدري ولمقتدى الصدر ولكاظم الـحائري ولمحمد اليعقوبي، وغيرهم.

وأكدت الألوية الأربعة المنفصلة عن هيئة الحشد الشعبي خلال مؤتمرها التزامها الكامل بالقانون والدستور ومنع مقاتليها من القيام بأي إجراء يخالفهما ومن ذلك الدخول في النشاط السياسي أو الارتباط الحزبي أو الاستغلال الوظيفي. وطالبت تلك الألوية الجهات المعنية في البرلمان والحكومة بالاهتمام بموضوع الاستقرار الإداري لأبناء الحشد، وإعادة المفسوخة عقودهم ومساواتهم مع أقرانهم في القوات الأمنية الأخرى.

وأصدرت الفصائل الأربعة بيانا مشتركا خلال مؤتمرها أشارت فيه إلى حصول خروقات أمنية في الفترة الأخيرة ما يهدد أمن البلاد والعباد، مؤكّدة أنّ “ألوية حشد العتبات ستبقى المدافع الأصيل والحامي الأكيد عن الوطن وشعبه متسلحة بالتطبيق الحرفي للفتوى وتوجيهات المرجع الديني الأعلى علي الحسيني السيستاني”.

مرجعية النجف، إضافة إلى الحشديين والسياسيين المرتبطين بها، استشعروا خطرا حقيقيا تعاظم ولم يعد من المناسب السكوت عنه ويتمثّل في التغوّل الاستثنائي لبعض أشرس الميليشيات التابعة لإيران في العراق

كما ورد في ذات البيان أنّ “الحفاظ على المنجزات المتحققة من النصر على داعش له أولوية أولى وغاية مثلى عندنا، وما يعزز هذا النصر ويصون مكتسباته هو الحفاظ على سمعة الجهاد والمجاهدين، وإبعادهم عن كل ما يلوث توجهاتهم ويحرف مسارهم وهذا ما سعت إليه قواتنا خلال فترة تحرير المدن، وما لمسته من تفاعل كبير وتوافق عميق مع أبنائها الذين كانوا يرفضون مغادرة قواتنا لمدنهم بعد إنجازها الواجب”.

وكان لافتا في البيان تأكيد “حشد العتبات المقدسة التزامه الكامل بالقانون والدستور العراقيين، ومنع مقاتليه من القيام بأي إجراء يخالفهما ومن ذلك الدخول في النشاط السياسي أو الارتباط الحزبي أو الاستغلال الوظيفيّ بكل أشكاله”. كما أكّد حشد العتبات ارتباطه بالقائد العام للقوات المسلحة الذي هو رئيس الوزراء نفسه.

وكثيرا ما يمثّل “تمرّد” السيستاني على إيران مبعث سعادة لأتباع المرجعية، وبعض العراقيين الناقمين على الدور الإيراني السلبي في بلادهم، الأمر الذي يفسّر الاحتفاء بفصل الحشد المرجعي عن الحشد الولائي، لكنّ آخرين يقولون إنّ الخطوة أصغر من أن تكون مؤثّرة على الوضع العراقي المتردّي وعلى تغوّل الميليشيات وانفلات سلاحها، إذ أنّ خطوة الفصائل الأربعة تعني في المقابل تمسّكا بهذه الأجسام الدخيلة والطارئة على الدولة العراقية. وكان أدق تعليق على انقسام الحشد قول أحد الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي “كل شيء ينقسم في العراق.. حتى اللاّدولة تنقسم”.

العرب