في وداع دبلوماسية ترامب في سوريا

في وداع دبلوماسية ترامب في سوريا

في شهر أغسطس من العام 2016 أطلقت خمسون شخصية أميركية من رجال الدولة والدبلوماسيين المخضرمين رسالة للرأي العام الأميركي، كان أحد الموقّعين عليها السفير الأميركي الأسبق لدى العراق وتركيا جيمس فرانكلين جيفري.

جاءت الرسالة في حينها لتحذّر من انتخاب دونالد ترامب الذي كان مرشحا للرئاسة ومنافسا لهيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي. جاء في متن الرسالة “نحن الموقعون على الرسالة لدينا قناعة بأنه في حال وصول المرشّح الجمهوري دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي، سيكون الرئيس الأكثر تهورا في التاريخ الأميركي”.

إلا أن جيفري، وبعد عامين من إطلاق الرسالة الآنفة الذكر، قبل تكليف إدارة الرئيس ترامب التي عينته بمنصب الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون سوريا والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لهزيمة داعش.

وفي شهر أغسطس من العام 2018 أعلنت وزارة الخارجية الأميركية رسميا عن تعيين السفير جيفري في منصبه الجديد في الإدارة الجمهورية التي ينتهي عهدها في 20 يناير من العام المقبل، في حين يدخل عهد الديمقراطيين مع الرئيس المنتخب جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس.

ويعرف السفير جيفري على أنه دبلوماسي أميركي مخضرم، يتمتع بخبرة في القضايا السياسية والأمنية وشؤون الطاقة في منطقة الشرق الأوسط عامة، وفي تركيا وألمانيا ومنطقة البلقان على وجه الخصوص. ولديه تجربة في الحياة العسكرية تعود إلى سنوات خلت، وذلك من خلال انضوائه في المهمات التي خاضتها الولايات المتحدة في الخارج؛ وقد خدم في الجيش الأميركي بألمانيا وأيضا خلال حرب فيتنام برتبة ضابط مشاة.

وقع اختيار وزارة الخارجية الأميركية على السفير جيفري بالذات لقيادة هذه المهمة الصعبة في ملف هو الأكثر تعقيدا وتشابكا وحساسية في الدبلوماسية المعاصرة، لخبراته التي ذكرناها آنفا ولإلمامه العميق بتفاصيل المنطقة الجيوسياسية، من خلال الدراسات الأكاديمية التي اختصّ بها عن منطقة الشرق الأوسط. فقد كان جيفري باحثا في معهد واشنطن للشرق الأدنى، وهو المعهد المعني بتقديم دراسات معمّقة ورؤية مستقبلية لمفاصل الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية للولايات المتحدة.

ينظر إلى جيفري على أنه واحد من الصقور الأشداء في إدارة الرئيس ترامب وصاحب موقف متشدد جدا من إيران وروسيا ومن توغلهما السياسي والعسكري في سوريا. كما يعرف عن جيفري معارضته لقرار ترامب بالانسحاب من سوريا، وذلك يعود إلى قناعات قديمة لديه. فقد كان معارضا قويا لانسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، وهو قرار منفرد اتخذه باراك أوباما في ذلك الوقت.

رؤية جيفري قامت على قناعة خالصة تكوّنت لديه بأنه من غير تواجد أميركي فاعل ونافذ على الأرض عبر استمرار القوات المتواجدة هناك للقيام بمهماتها في القضاء على الإرهابيين والمسلحين المتطرفين ومقاتلي داعش وتمكين الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن كل فراغ ستتركه الولايات المتحدة سيتم ملؤه من قبل الميليشيات الإيرانية العابرة للحدود.

إلا أن السفير جيفري كان يدرك تماما أن نظريته تلك مرتبطة بقدرته على عقد تفاهمات على الأرض لحماية القوات الأميركية من هجمات يمكن أن تتعرض لها من أي جهة تعارض تواجدها في سوريا، وبالأخص الميليشيات الإيرانية التي تعادي أي نفوذ للولايات المتحدة في المنطقة.

ويُحسب لجيفري أنه تمكّن من إقناع إدارة الرئيس ترامب بتجميد تمويل واشنطن لأي عملية إعادة إعمار في سوريا إلى أن يتم تطبيق القرارات الأممية وتحقيق الانتقال السياسي الكامل. وبناء عليه، ألغت وزارة الخارجية الأميركية تحويل مبلغ 230 مليون دولار إلى صندوق تمكين الاستقرار، بعد أن اقتنعت واشنطن بأن المساهمة في الإعمار لا تزال سابقة لأوانها طالما أنها لم تحقق هدفها في دحر الميليشيات الإيرانية، ووضع الشروط القوية والملزمة على الدول التي ستساهم في إعادة الإعمار بألا يكون النظام الحالي شريكا في العملية، وأن لا إعادة إعمار قبل انتقال سياسي عادل حسب القرار 2254.

استقال جيفري من مهمته في سوريا إثر خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية، وقرر العودة إلى العمل الأكاديمي الذي كان يمارسه من خلال مراكز البحوث الأميركية التي عمل فيها باحثا وخبيرا دبلوماسيا.

يشهد التاريخ للدور اللافت الذي لعبه جيفري لجهة دحر المنظمات الإرهابية، وأكثرها غلوا داعش، والقضاء على رأس المنظمة أبوبكر البغدادي في غارة أميركية نوعية على مقرّه في ضواحي إدلب. كما أن جيفري كان راديكاليا في ضرورة إخضاع النظام السوري، ودونما شروط مسبقة، للقرارات الأممية. وكان داعما قويا لهيئات المعارضة ومؤسساتها وقيادييها لتمكينهم من الدخول في عملية الانتقال السياسي بقوة وقدرة كاملة على حفظ حقوق الشعب السوري دون إنقاص.

ولعلنا سنحفظ في ذاكرتنا لفترة ليست بالقصيرة زيارة جيفري مع سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة كيلي كرافت إلى الحدود السورية المتاخمة للأراضي التركية ودخولهما المعبر الحدودي السوري، في رسالة قوية لنظام الأسد وحلفائه، حيث تابعا ميدانيا سير عمليات توزيع المساعدات الإنسانية للنازحين السوريين وتفقدا المركز اللوجيستي التابع للأمم المتحدة، واطلعا على سير عمليات الإغاثة من قبل مارك لوكوك، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.

الزيارة كانت تحدّيا كبيرا للنظام السوري ولروسيا وإيران، ورسالة لهم مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على إبقاء الحدود السورية مفتوحة وآمنة من أجل تقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين من ضحايا الأسد وحلفائه.

العرب