نفوذ روسيا في الشرق الأوسط أكبر تحدّ يواجه بايدن لتجديد الدبلوماسية

نفوذ روسيا في الشرق الأوسط أكبر تحدّ يواجه بايدن لتجديد الدبلوماسية

ستجد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال السنوات الأربع المقبلة، نفسها أمام تحديات وعقبات كثيرة في منطقة الشرق الأوسط، من بينها تطويع إيران من خلال إعادتها إلى مفاوضات الاتفاق النووي. لكن هناك ما هو أكثر إثارة للقلق لدوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، ألا وهو النفوذ الروسي المتعاظم في كل من سوريا وليبيا، وهو ما يحتاج بحسب المراقبين إلى دبلوماسية ذات واجهات متعددة.

موسكو – استعادت روسيا تأثيرها الدولي بسرعة رغم مخلّفات تفكيك الاتحاد السوفييتي على وزنها الدولي، وكان “الربيع العربي” فرصة للقيادة الروسية حتى تعيد نفوذها في الشرق الأوسط بأكثر تجذّر خاصة مع تدخلها في سوريا لمنع سقوط نظام بشار الأسد.

وتضع هذه الحقيقة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن وإدارته في وضع صعب خاصة أن موسكو باتت تمتلك الكثير من مفاتيح الأزمات في المنطقة. ومع ذلك فإن واشنطن لديها أيضا أوراق دبلوماسية واقتصادية كثيرة لتطويق التمدد الروسي في أكثر مناطق العالم سخونة.

ولطالما كان الشرق الأوسط موقعا طبيعيا للتنافس بين القوى العظمى بفضل موارده الطبيعية الهائلة وموقعه الجيوسياسي الإستراتيجي وممراته ونقاط عبوره البحرية الدولية المهمة. ومع المتغيرات التي طرأت في السنوات العشر الأخيرة ازدادت رغبة موسكو للظهور كطرف فاعل في المعادلة الدولية في المنطقة.

يمكن النظر إلى سياسة روسيا في الشرق الأوسط باعتبارها إستراتيجية ذات أهداف محدودة وموارد متواضعة نسبيا، لكن من الواضح أن الكرملين يعتبر سلوكه الإقليمي فرصة لبناء مكانة دولية من دون أي انخراط قوي في أي مواجهات محتملة مع الفاعل الرئيسي الأبرز على الساحة الدولية ألا وهو الولايات المتحدة.

وقد ظهر ذلك المنحى في تورط موسكو عسكريا في الحرب السورية حينما ساندت نظام بشار الأسد منذ العام 2015، مع الزج بقوات شبه عسكرية ومرتزقة في البلاد ثم بعد ذلك في ليبيا، وأيضا تعزيز العلاقات الاقتصادية مع مصر والجزائر وزيادة مبيعات أسلحتها لقوى إقليمية أخرى.

وعلاوة على هذا، فإن حضور موسكو الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري في الشرق الأوسط ليس فقط من جهة أنه عبارة عن ردّ على وجود فراغ في السلطة وضعف موقف الأطراف الخارجية في المنطقة، لكنه يأتي في إطار نهجها المدفوع بعوامل محلية تجاه الشؤون الدولية في محاولةٍ من روسيا لاستعادة مكانتها مجددًا كقوة عظمى وإعادة تشكيل النظام الدولي.

ويعتقد المحلل السياسي أليستر نيوتن، الذي أمضى عشرين عاما كدبلوماسي محترف في السلك الدبلوماسي البريطاني، في تحليل نشرته مؤسسة “عرب داجست” الاستشارية أنه رغم النفوذ الأميركي القوي في الشرق الأوسط، المنطقة التي كانت في قلب خطط واشنطن وبرامجها، إلا أن تراجع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما نتيجة الانجرار إلى الحرب في سوريا كان بمثابة هدية قُدّمت إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وسمحت إستراتيجية أوباما في ذلك الوقت لروسيا بتغيير مسار الصراع، وبذلك أظهرت نفسها كوسيط رئيسي وحليف موثوق على عكس الولايات المتحدة، خاصة بعد أن استفادت من التحالف مع إيران، خصم الولايات المتحدة.

وكانت المفاجأة، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين سوريا وروسيا وإيران، هي أن بوتين كان قادرا على القيام بذلك بينما كان يتمتع بعلاقات قوية مع إسرائيل وعلاقات أوثق مع السعودية.

وفضلا عن ذلك، فإنه على الرغم من العداوة التاريخية والصراعات التي نشبت خلال الأيام الأولى للتدخل العسكري الروسي في سوريا، فقد تمكن بوتين أيضا من إيجاد أرضية مشتركة مع الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، مما تسبب في إحداث المزيد من المشاكل لواشنطن.

لكن هذا لا يعني أن تبنّي موسكو لدورها النشط في الشرق الأوسط كان مدفوعا بالتنافس مع الولايات المتحدة فحسب، بل تحكمها الرغبة في إعادة النفوذ الروسي إلى المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية عسكريا واقتصاديا.

ويقول جون ألترمان، الخبير في قضايا الشرق الأوسط، إن بصمة روسيا في الشرق الأوسط في الغالب تتضح في المجال الأمني، حيث تبيع موسكو أنظمة أسلحة بمليارات من الدولارات، إلا أنها لا تستثمر كثيرا في مجالات التجارة أو المجالات غير العسكرية.

وسعت موسكو إلى أن تصبح الملاذ الثاني كمورّد للأسلحة، وتبيعها إلى دول مثل مصر والجزائر عندما رفضت واشنطن ذلك. ويشير ألترمان إلى أنه على عكس الصين، التي تسعى بشكل صريح إلى العمل جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة، يبدو أن جهود روسيا في الشرق الأوسط مصممة بدقة لتحقيق التوازن ضد المصالح الأمنية الأميركية.

بداية فرصة جديدة

يسود اعتقاد بين المحللين منذ فترة بأن الولايات المتحدة ستكون أمام فرصة جديدة للمسك بزمام الأمور، وذلك بالنظر إلى الأسلوب السياسي والعسكري المقترن بالدور الأميركي الدبلوماسي التقليدي القديم في المنطقة ودعم الحلفاء المحليين لها، إذ من وجهة نظر أمنية سيكون من الصعب على أي قوة محلية أو خارجية تحدّي مكانة واشنطن في المنطقة.

وكان يوجين رومر المحلل في معهد كارنيغي قد قال في ورقة بحثية نُشرت في أكتوبر 2019، إنه “لا ينبغي أن نتحمّس كثيرا لعودة ظهور روسيا في المنطقة”.

ويضيف “يشير تقييم لمساعي الكرملين في جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى أن صورة صعود روسيا مبالغ فيها إلى حد ما، وأن الإنجازات الفعلية للدبلوماسية الروسية في جميع أنحاء المنطقة أكثر تواضعا ممّا تبدو عليه للوهلة الأولى”.

لكنه استدرك بالقول “بالطبع لا ينبغي التقليل من إنجازات الكرملين حتى الآن أو تجاهلها. لكن أكبر إنجاز منفرد -وهو تحقيق انتصار مشترك في الحرب الأهلية السورية- جعل روسيا القوة الرئيسية في الدولة المنكوبة، ويأتي مع مجموعة من التحديات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية الرئيسية، والتي تجعل مهمة الفوز بالسلام أكثر صعوبة من كسب الحرب”.

من شأن تصاعد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط أن يجعل من الصعوبة على الأميركيين وضع إستراتيجية تكون قادرة على الحد من حرية تحرك موسكو في المنطقة مثلما تمتعت بذلك في السنوات الأخيرة

ومن شأن تصاعد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط أن يجعل من الصعوبة بمكان على الأميركيين وضع إستراتيجية تكون قادرة على الحد من حرية تحرك موسكو في المنطقة مثلما تمتعت بذلك في السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الصحف كانت أكثر تركيزا على ما قاله بايدن الأسبوع الماضي عن وقف حرب اليمن كقضية رئيسية في أول خطاب له في السياسة الخارجية كرئيس، إلا أن القصة الأكبر قد تكون روسيا، وهو ما وصفه كل من ديفيد إي سانجر وإريك شميدت، الكاتبان في صحيفة “نيويورك تايمز”، بأنه “إستراتيجية جديدة للردع، إن لم يكن الاحتواء”.

ويرى نيوتن أن هذا المسار قد يكون مقترنا ببعض التدابير الأميركية غير العسكرية لاستعادة الدور القيادي في المنطقة، لاسيما وأن روسيا لا تمتلك النفوذ الاقتصادي الذي تمتلكه الولايات المتحدة، وهو ما قد يجعلها عاجزة عن دعم دبلوماسيتها بطريقة تجعلها اللاعب المهيمن.

ويعتقد مراقبون أن إدارة بايدن لا يمكن أن تنجح بسهولة في تعويض التراجع الذي شهدته الدبلوماسية الأميركية في المنطقة، وخاصة في الملف السوري، معتبرين أن الولايات المتحدة قد خسرت أغلب أوراقها في هذا الملف بعد تخليها عن المعارضة بما في ذلك التي كانت توصف بالمعتدلة والتي تمتلك علاقات قوية مع دول حليفة للولايات المتحدة.

كما أن واشنطن تعاملت مع الأكراد في السنوات الأخيرة بانتهازية، فهي تطلق تصريحات داعمة لهم، لكن على الأرض كانت تقبل بمسايرة الموقف التركي ووقفت بسلبية كاملة أمام تقدم الأتراك للسيطرة على مدن وقرى حيوية على الأراضي السورية.

ويشير المراقبون إلى أن الأميركيين سيحتاجون إلى إستراتيجية مغايرة لوقف النفوذ الروسي بدل الإستراتيجية الحالية التي تتعامل معه كأمر واقع وأخلت أمامه الطريق ليتمدد أكثر في سوريا وليبيا.

العرب