خطط بايدن التجارية.. كيف تعزز قوة الصين في آسيا؟

خطط بايدن التجارية.. كيف تعزز قوة الصين في آسيا؟

لخص الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي جو بايدن في 4 فبراير/شباط الحالي ملامح السياسة الخارجية التي ينوي تطبيقها، وأكد أنه لم يعد هناك خط فاصل بين السياسة الخارجية والداخلية.

وفي تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأميركية، قال الكاتب جيمس كرابتري إن المشككين في الجناح اليساري للحزب الديمقراطي يخشون أن تكون هذه الوعود واهية بالنظر إلى حماس بايدن المعروف تجاه التجارة الحرة، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نأخذ هذه الأجندة على محمل الجد، فهي تعكس المخاوف التقدمية التقليدية بشأن تأثير التجارة على معايير العمل والبيئة، وتحثّ مسؤولين مثل مستشار الأمن القومي جيك سوليفان على إعادة النظر في التكاليف التي فرضها عقدان من العولمة المفرطة على المجتمع الأميركي، وفق تعبير كرابتري.

ورغم أهمية هذه المراجعة فإنها تشكل بالنسبة لبايدن معضلة جديدة على مستوى السياسة الخارجية، فالرئيس يريد دعم العمال في الداخل وإعادة تأكيد القيادة الاقتصادية بالخارج في الوقت نفسه، خاصة آسيا، لكن هذين الهدفين متعارضان.

العلاقات الأميركية والصين
في قلب هذه المعضلة توجد علاقة الولايات المتحدة مع الصين، ويريد صنّاع السياسة -على غرار كورت كامبل كبير مستشاري بايدن حول آسيا- التعامل مع بكين من خلال إحياء التحالفات والشراكات الآسيوية التي تضررت في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

استخدمت الولايات المتحدة نفوذها الأمني والاقتصادي لإبرام مشاريع مثل اتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادي، ولكن النفوذ الاقتصادي الأميركي بآسيا آخذ في التراجع، في وقت يتنامى بسرعة هائلة نفوذ الصين التي تبذل جهدا كبيرا لتحل محل واشنطن في الدفاع عن تحرير التجارة الإقليمية والاندماج.

وفي واقع الأمر، فإن تنفيذ أجندة بايدن التي تركز على الداخل من شأنه أن يصعّب دفع السياسات الاقتصادية والتجارية التي قد تجذب الدول الشريكة في آسيا لإعادة بناء النفوذ الاقتصادي الأوسع للولايات المتحدة.

وقال الكاتب إن خطط بايدن تقوم على رفض وتقبل إرث ترامب في الآن ذاته. وكان مستشارو بايدن ينتقدون نهج ترامب، ففي الوقت الذي عمل فيه مسؤولون -كالممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر- على إبرام صفقات مع الصين كان وزير الخارجية مايك بومبيو يفرض قيودا جديدة على بكين.

والآن، ستعمل كاثرين تاي مرشحة بايدن لتمثيل التجارة الأميركية على إصلاح النسيج الاجتماعي المحلي للولايات المتحدة، ووفقًا لما صرحت به العام الماضي -لمجلة فورين بوليسي- جينيفر هاريس المسؤولة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما فإنه “لا يمكن لواشنطن أن تضع إستراتيجية كبرى على أكمل وجه إذا أخطأت في وضع سياسة اقتصادية مناسبة”.

السياسة التجارية
مع ذلك، يقر مستشارو بايدن الآن على الأقل ببعض انتقادات ترامب للعولمة، فكثيرا ما قال الاقتصاديون المحافظون إن التجارة تعزز النمو، مما يترك مكاسب كافية لتعويض الخاسرين جراء المنافسة المتزايدة، لكن عمليا لم يحدث هذا التعويض، حيث كان المستهلكون الأميركيون يتمتعون بسلع مستوردة رخيصة، والفوائد كانت ضئيلة مقارنة بتكاليف المنافسة المرتفعة المفروضة على صناعات ومجتمعات معينة.

اعلان
ورغم دفاع بايدن عنها في ذلك الوقت، يُنظر الآن إلى اتفاقيات -كاتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادي- على أنها تخدم مصالح الشركات والمساهمين بشكل مفرط، وتفتح الأسواق أمام البنوك وعمالقة الأدوية، في حين لا تفعل شيئا يذكر لمنعها من تكديس الأموال في الملاذات الضريبية أو إعادة توطين مقراتها.

وقد تضمنت اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادي تدابير حماية البيئة والعمالة، لكنها لم تتعامل مع قضايا مهمة مثل التلاعب بالعملة أو احترام معايير التكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، لم تساهم السياسة التجارية بالكثير لمقاومة الهياكل المالية الغامضة التي تسهل غسل الأموال والفساد، مما سمح للفاسدين بالازدهار.

ويؤيد الكاتب بشكل عام مراجعة السياسة التجارية، معتبرا الابتعاد عن سياسات ترامب “المدمرة” بمثابة بداية جيدة، خاصة أن تعريفاته الجمركية على الصين كلفت الأميركيين نحو ربع مليون وظيفة، لكن الجدل لا يزال قائما حول ما إذا كانت السياسة التجارية -وليس التكنولوجيا- سبب مشكلات عصفت بالطبقة الوسطى خلال العقود الأخيرة. ومع ذلك، كان من الواضح أن حقيقة ركود الدخل، إلى جانب تصورات السياسة التجارية غير العادلة، كانت من بين أسباب عدم الاستقرار السياسي الذي يعيق النظام السياسي الأميركي.

في المقابل، يُعد الحديث عن هذا الموضوع في آسيا نذير شؤم، فقبل ترامب كانت الولايات المتحدة الشريك الأساسي للتبادلات التجارية مع الآسيويين، وأهمَّ مدافع عن سياسات التجارة الحرة التي شعر العديد من القادة الإقليميين بأنها ستحسن فرصهم في التنمية الاقتصادية.

والآن، تراجع الدور الأميركي بالمنطقة، وفي غضون ذلك ازدهرت الصين بعد تعافيها السريع من تداعيات الوباء، ويُعد إتمام بكين الناجح اتفاقيةَ “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” -التي تضم 15 دولة بمنطقة آسيا والمحيط الهادي دون الولايات المتحدة- تأكيدًا على دور الصين المهم، وعلى أنها بطل تجاري إقليمي.

تراجع الدور الأميركي
ترى دول جنوب شرق آسيا نفسها أكثر اعتمادا على الصين لتحقيق النمو، حتى أن حلفاء الولايات المتحدة المخلصين -مثل اليابان وكوريا الجنوبية- يشعرون بالقلق من القوة الجيوسياسية المتصاعدة للصين، ويعترفون بالاعتماد المالي المتبادل مع بكين، ولا أحد تقريبا يريد أن يكون في موقف أستراليا التي تواجه عقوبات اقتصادية فرضتها عليها بكين بسبب ادعاءات بوجود إهانات أمنية وطنية.

قد يكون بعض شركاء واشنطن في آسيا أكثر استعدادا لدعم محاولات الولايات المتحدة لاحتواء الصين أمنيا في حال كان ذلك مفيدا اقتصاديا، وكثيرا ما رأى محللو السياسة الخارجية الأميركيون أنَّ الاتفاقيات التجارية وسيلة أساسية لدعم العلاقات الأمنية الدائمة، لكن حديث بايدن عن إعادة بناء الطبقة الوسطى فيه إشارة واضحة على أن المعاملات التجارية للصين مع الولايات المتحدة ستصبح أصعب من ذي قبل وليس العكس.

وقليلة هي الدول الآسيوية التي تتحمس لمتطلبات إضافة المزيد من حقوق العمال إلى الصفقات التجارية، أو الرضوخ لمتطلبات أخرى أكثر تقييدا في مجالات أخرى على غرار الشركات المملوكة للدولة، ووفق ديبورا إلمز خبيرة السياسات بمركز التجارة الآسيوي في سنغافورة فإن القادة السياسيين (جنوب شرق آسيا) “يريدون أسواقا جديدة للصادرات، وليس التدخل من الخارج، وهو ما يجعل الصين الآن شريكا يسهل التعامل معه”.

يدرك كل من سوليفان وكامبل أن واشنطن بحاجة الآن إلى تطوير أجندة اقتصادية جديدة تجذب الشركاء الآسيويين، لكن خياراتهم محدودة. ومن جهته يؤكد بايدن أنه لن يبرم أي صفقات تجاريّة جديدة حتى تتم السيطرة على جائحة “كوفيد-19”. لكن حتى ذلك الحين ستكون السياسة محفوفة بالمخاطر. ونهاية المطاف سيستنتج فريق بايدن أنه يجب إعادة الانضمام إلى الاتفاقيات مرة أخرى، نظرا لندرة وجود خيارات أفضل.

المصدر : فورين بوليسي