الإعلام الإيراني في اليمن… كل شيء مباح

الإعلام الإيراني في اليمن… كل شيء مباح

لم تكن الخطوة التي اتخذتها وزارة العدل الأميركية، أواخر يونيو/ حزيران الماضي، بالسيطرة على 36 موقعاً إلكترونياً مرتبطاً بإيران، كافية لمحاصرة خطاب الكراهية. إذ استأنفت تلك المنصات نشاطها كرأس حربة في معركة التضليل التي تستهدف عدداً من البلدان المضطربة في المنطقة وعلى رأسها اليمن.
وكما هو الحال مع القنوات الإيرانية التي شملتها العقوبات الأميركية، نجحت طهران في إعادة تفعيل الموقع الإلكتروني لقناة “المسيرة” الحوثية، عبر عنوان نطاق جديد ينتهي بـ”دوت نت” بدلاً من “دوت كوم”. وطيلة الفترة الماضية، استمر تسويق الإعلام الحوثي للعنوان الجديد على كل المنصات التابعة له، بما فيها صفحات خاصة بالأخبار العاجلة، ما يشير إلى تراجع كبير للزيارات اليومية من المتصفّحين.

وسائل إعلامية بالجملة
ومنذ الاجتياح الحوثي للعاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، والانقلاب على السلطات الشرعية، سخّرت إيران عشرات القنوات والمواقع الإلكترونية لدعم التمرد وتبييض جرائم المليشيا وشيطنة خصومها.
صاغت طهران الخطاب الإعلامي للحوثيين بشكل كامل، ابتداء من ابتكار الأوصاف التي تحمل إساءة إلى كل المناهضين للانقلاب، فكانت تصفهم تارة بـ”المرتزقة”، وتارة أخرى بـ”الإرهابيين الدواعش”، وصولاً إلى الإشراف على تأسيس إمبراطورية إعلامية حوثية.
أسندت الأمانة العامة لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية في طهران مهمة الإشراف على وسائل الإعلام الحوثية إلى قيادي غامض على علاقة مباشرة بالحرس الثوري، يدعى ناصر أخضر.
وعلى الرغم من تقلد المتحدث الرسمي للحوثيين، محمد عبد السلام، منصب رئيس مجلس قناة “المسيرة”، إلا أن ناصر أخضر كان المشرف الأول على الفضائية الحوثية الأولى التي تتخذ من الضاحية الجنوبية في بيروت مقراً لها، إلى جانب عدد من القنوات، ومنها “الساحات”.
وفقاً لصحافيين يمنيين عملوا من بيروت في قنوات مدعومة إيرانياً قبل أن يقدموا استقالتهم منها، فإن جميع القنوات الموالية للحوثيين في لبنان لا تجرؤ على اتخاذ أي قرارات قبل عرضها على “أبو مصطفى”، وهو الاسم الحركي الذي كان ناصر أخضر يتعامل به مع اليمنيين قبل انكشاف اسمه الحقيقي.
يتولى أخضر، وهو مسؤول سابق في تلفزيون “المنار” التابع لحزب الله، مهمة الإشراف على الخطاب الدعائي التضليلي في حرب اليمن، في مقابل تمجيد الدور الإيراني أو ما يسمى بـ”محور المقاومة”.

صحافيو اليمن abdulnasser alseddik/anadolu
إعلام وحريات
المجلس الانتقالي الجنوبي على خطى الحوثيين إعلامياً
الحقائق البديلة
أمعن الإعلام الإيراني، طيلة السنوات الست الفائتة من النزاع، في ضرب النسيج اليمني، علاوة على تسويق ممنهج لمواد تستهدف الأطفال والمراهقين من خلال تكريس ثقافة الكراهية والعنف والأفكار الطائفية. هكذا مضت تلك الوسائل، وعلى رأسها وكالة “مهر” للأنباء، في مشروع تحويل الخرافات والأنباء المضللة إلى حقائق بديلة.
وتتصدر وكالة “مهر” شبه الرسمية والمقربة من النظام الإيراني معركة التضليل المساندة للحوثيين في اليمن. وفسّرت مطلع يوليو/ تموز الحالي الهجمات الجوية التي تشنها المليشيات على مواقع داخل المحافظات اليمنية على أنها تجسيد للآية القرآنية “ترميهم بحجارة من سجيل”، عندما وصفت الطائرات الحوثية المسيّرة بأنها “طيران أبابيل”.
ذكرت الوكالة أن الهجوم الحوثي الذي استهدف معسكراً للمجندين اليمنيين في منطقة الوديعة في محافظة حضرموت قد جعل جنود ما سمتهم بـ”الاحتلال ومرتزقته” كـ”عصف مأكول”، ولم تكتف بذلك، بل قالت إن هناك من فر من ساحة المعركة مذهولاً بما أصابهم من “حجارة السجيل”.
ويروّج الإعلام الإيراني أن المليشيات الحوثية تشنّ معاركها في كل المدن اليمنية، بأوامر إلهية، وبناء على هذه الخرافات التي يعملون على تكريسها يوماً بعد آخر من أجل استقطاب الشباب والأطفال إلى جبهات القتال، لا تتورع وسائل إعلام كبرى عن تحريف الآيات القرآنية من أجل إكمال دائرة البروباغندا.

تتفوّق وسائل الإعلام الإيرانية على الإعلام الحوثي في تسويق التضليل

ودأبت جماعة الحوثي على توظيف الدين من أجل التغلغل في كل المجتمعات اليمنية القبلية المحافظة، إذ تزعم أن مليشياتها تحقق “انتصارات ميدانية إلهية”، وكلما تعود مجاميعها خائبة من أي معركة، تعدها بالنصر الإلهي الذي لا موعد زمنياً لتحقيقه.
واعتبر الكاتب الصحافي اليمني، مأرب الورد، أن توظيف الإعلام الإيراني لآيات القرآن يهدف إلى منح إيران ووكلائها في المنطقة مشروعية لخطابهم وحروبهم التي يخوضونها تحت لافتة “جبهة المقاومة”، ضد من يصفونهم بـ”أعداء الله والإسلام”.
وأشار الورد لـ”العربي الجديد” إلى أنه من هذا المنطلق “يضع الخطاب الإيراني والحوثي خصومه من اليمنيين في خانة الكفار والمنافقين، بينما يربط نفسهم بالله”.
وفي ظل انتقادات للجهات الرسمية في التصدي للتضليل الإيراني الحوثي، يشدد الصحافي الورد على ضرورة تفعيل الإعلام الرسمي وفق استراتيجية تواجه الكذب بالحقائق والمعلومات واستخدام كل منصات التواصل للوصول للجماهير، باعتبارها الوسائل الأحدث والأسرع التي يتم من خلالها ضخ الأكاذيب.

وتتفوّق وسائل الإعلام الإيرانية على الإعلام الحوثي في تسويق التضليل، ففي حين يظهر المتحدث العسكري للحوثيين لإعلان ما يصفها بـ”ضربات موفقة”، وصفت وكالة “مهر” إرسال 10 طائرات مسيرة على منطقة الوديعة اليمنية بأنه “تسديد إلهي أظهر قدرة رجال الله على ترجمة آياته على أرض الواقع”.
تضليل ممنهج
استطاعت الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية السيطرة على أدمغة قطاع واسع من الشباب والأطفال في المناطق الحوثية، وخصوصاً من يتم إخضاعهم إجبارياً لما يسمى بـ “الدورات الثقافية” التي يحاضر فيها خبراء إيرانيون أو حوثيون تلقّوا تدريبات لدى الحرس الثوري أو حزب الله.
وحسب مصادر إعلامية، خصصت إيران شبكة متكاملة لبث المواد الدعائية السينمائية بهدف التأثير على المتلقين من الأطفال، وجعلهم يدفعون بأنفسهم إلى الخطوط الأمامية لجبهات القتال، من أجل تقليد مشاهد مفبركة تعرض عليهم وتقدّم لهم كمشاهد بطولية حقيقية.
التسميات
تحدد الاستراتيجية الإيرانية كلّ تفاصيل الحرب الإعلامية النفسية في اليمن وصولاً إلى طريقة تسمية الخصوم في وسائل الإعلام المملوكة لاتحاد الإذاعات الإسلامية.
تتفاوت مسميات القوات الحكومية اليمنية التي تقاتل جماعة الحوثيين من وسيلة إيرانية إلى أخرى، ففي حين تصفها بعضها بـ”مرتزقة الجيش السعودي” و”عناصر داعش والقاعدة”، لا تزال بعض الوسائل محتفظة بوصف سابق هو “المنافقين”، في حين يحضر تعبير “مليشيات الرئيس هادي المنتهية ولايته” كمصطلح ناعم تعتمده وسائل حزب الله اللبناني.
وفي مقابل حشد كل هذه الأوصاف للقوات الحكومية، تقدم وسائل الإعلام الإيرانية عناصر المليشيات الحوثيين بأنهم الجيش اليمني أو “القوات المسلحة اليمنية”.
وتنزلق وسائل إعلام إيرانية إلى استخدام عبارات وألفاظ أقرب ما تكون إلى الخطاب المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تصف مقتل أحد قيادات القوات الحكومية بـ”نفوق”، في مصطلح يهدف إلى الحطّ من الذات البشرية وتصوير خصوم الحوثيين كما لو أنهم حيوانات.

زكريا الجمالي

العربي الجديد