بعد الانسحاب الأميركي ..كرة النار الأفغانية في الملعب الإقليمي

بعد الانسحاب الأميركي ..كرة النار الأفغانية في الملعب الإقليمي

خلّف انسحاب قوات التحالف الدولي من أفغانستان، بعد عقدين من الحملة على طالبان، فراغاً كبيراً تجلّى بشكل واضح في الانهيارات السريعة المتتالية. فحتى مطلع شهر يوليو/حزيران، تحدثت تقارير غربية عن سقوط أكثر من 40% من أفغانستان في أيدي مقاتلي طالبان. وبينما قدّرت أوساط إعلامية غربية عدد المديريات الأفغانية التي سقطت في أيدي الحركة بـ 100 مديرية (1) من أصل 421، خمّنت أوساط باكستانية أن يكون العدد قد بلغ 142 مديرية، هذا فضلاً عن صراع وقتال يجريان في أكثر من 170 مديرية أخرى. (2)

تلخّص هذه الورقة تداعيات انسحاب قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان بعد عشرين عاماً من الحرب، وحجم الفراغ الذي سيخلّفه هذا الرحيل على المستويين الأفغاني والإقليمي. كما تناقش أيضا المكاسب السريعة التي حققتها حركة طالبان على إثر انسحاب قوات التحالف الدولي، مع تسارع الانهيارات، التي تبدو أشبه ما تكون بلعبة الدومينو، أمام زحف قوات حركة طالبان الأفغانية. وتتطرّق الورقة إلى مواقف الدول المتضررة والمستفيدة من الحالة الجديدة التي خلقها انسحاب قوات التحالف الدولي، سواء أكان ذلك على صعيد دول مثل باكستان والهند أم على الصين وروسيا وإيران، بل وحتى على تركيا، اللاعب الجديد الذي برز على الساحة الأفغانية.

الغياب الأميركي
ساعد غياب الدّعم الجويّ الأميركي للحكومة الأفغانية على انهيار المديريات والمناطق التي سيطرت عليها قوات الحركة لاسيما بعد تخلي واشنطن عن قاعدة باغرام، أهم قاعدة عسكرية أفغانية كان من المفترض أن توفّر غطاءً جوياً للقوات الحكومية، وهو ما شكّل ضربة معنوية قوية للمقاتلين الحكوميين فما كان منهم إلا أن سلّموا أسلحتهم وأنفسهم لخصومهم طالبان.

يجدر التذكير في هذا السياق إلى أنه سبق لأمريكا أن تخلّت عن حلفائها مثلما حصل إبان انسحابها من الحرب الفيتنامية عام 1975 ومن الحرب في الصومال عام 1993، وانسحابها من العراق في العام 2006. وقد جاء الانسحاب الأمريكي مختلفا عن الانسحاب السوفياتي من أفغانستان بين أغسطس/آب عام 1988 – فبراير/شباط عام 1989، الذي كان انسحابا منظماً وتدريجياً وهادئاً.

ومع هذا الانسحاب بدأت استراتيجية طالبان تركّز تحركاتها، بوضوح، على مناطق الشمال الأفغاني لقطع أي تواصل محتمل بين البلدان التي تمثل “حديقة روسيا الخلفية” مع حكومة كابل، ومن ثم سيطرت طالبان على ممر شيرخان بندر، المعبر الرئيس لأفغانستان مع طاجيكستان، وألحقته بسيطرتها على عدة مديريات شمالي البلاد حيث معقل التحالف الشمالي الذي يشكل الحكومة الأفغانية الحالية، والذي سبق له أن قاتل طالبان في التسعينيات أيضاً.

نجحت طالبان، بضربة خاطفة، في السيطرة على معاقل الجنرال الأوزبكي عبد الرشيد دُوستم وقتلت عدداً من قادته المعروفين، فاضطُرّ الجنرال، المتهم دولياً بجرائم حرب، إلى الفرار إلى تركيا مثلما حدث معه عام 1997 عندما اجتاحت طالبان مناطقه.

وقد تمكنت طالبان من السيطرة على معظم ولايتي تخار وبدخشان اللتين كانتا تمثلان معقلين مهمين، وربما ملاذين أخيرين، لقوات التحالف الشمالي عندما سقطت معظم أفغانستان في أيدي طالبان في أواخر التسعينيات. واللافت أن سقوط القوات الأفغانية اليوم قد حصل دون قتال ووسط هروب أكثر من 300 من مقاتلي الحكومة باتجاه طاجيكستان.

وفي محاولتها تحويل مناطق سيطرة القوات الحكومية الأفغانية إلى جزر متناثرة، لجأت طالبان إلى التركيز على السيطرة على الطرق الرئيسية الواصلة بين المدن الكبرى، فسيطرت على طريق الشمال الأفغاني الواقع على الطريق نحو كابل، كما قطعت الطريق الرابط بين كابل -غزني ـ قندهار، وهو ما يجعل مسألة الدعم اللوجستي للقوات الأفغانية في الجنوب الأفغاني صعبة في ظلّ عدم توفّر غطاء جوي أميركي داعم.

دفع هذا الواقع الجديد حكومة أفغانستان، ومعها دول في الإقليم بالإضافة إلى دول أخرى عبر العالم، إلى رفع مستويات التحذير من الانهيار السريع للحكومة الأفغانية، فجاء تصريح قائد بعثة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أفغانستان، الجنرال أوستن سكوت ميلر، محذراً من “اندلاع حرب أهلية مع ما يمكن أن يخلّفه رحيل القوات الأميركية والغربية من وضع فوضوي، لذا فعلى العالم أن يكون قلقاً” (3) وفي لقاء آخر له قال ميلر: “سنترك البلاد على حافة الانهيار بعد أن أنفقنا تريليونات الدولارات وفقدنا 3200 جندي أميركي، وكل هذا لم يأت بالأمن” (4)

أما تقرير الاستخبارات الأمريكية، فقد بدا أكثر تشاؤماً إذ توقع “سقوط الحكومة الأفغانية خلال ستة أشهر من انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان (5) في حين وصفت صحيفة التايمز البريطانية، في افتتاحية لها، الانسحاب بأنه “هزيمة مشينة”، وذكّرت الصحيفة بما حذر منه قائد القوات البريطانية في أفغانستان عام 2008، الجنرال كارتر سميث، حيث قال: “لا يمكن كسب الحرب عسكرياً”، فوصفه وزير الدفاع الأميركي الأسبق، روبرت غيتس، بالانهزامي”. (6)

تستدعي هذه التطورات إلى الذاكرة أوراق “واشنطن بوست” التي تضمنت وثائق أميركية-بلغت ما يربو عن 2000 صفحة هي عبارة عن خلاصات وملاحظات استُخلصت من مقابلات أُجريت مع المسؤولين عن صناعة القرار حول أفغانستان في الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وقد نشرت الإندبندنت عام 2019 تلك الأوراق التي حصلت عليها بعد خوضها معركة قضائية طويلة استمرت ثلاث سنوات. وخلُصت الأوراق المنشورة إلى أنه: “رغم جزْم صناع القرار في الإدارات الأميركية المتعاقبة حول المسألة الأفغانية بأنه لا يمكن كسب الحرب في أفغانستان عسكريا، إلا أنّ تلك الإدارات الأميركية كانت تصر على الغوص أعمق في الحفرة الأفغانية”. وقد نقلت ما وصفتها صحيفة الإندبندنت بـ “الأوراق الأفغانية” عن دوغلاس لوت، الجنرال في الجيش الأمريكي الذي كان مستشار البيت الأبيض بشأن الحرب الأفغانية في عهد الرئيسين بوش الإبن وباراك أوباما، قوله: “لم يكن لدينا أي فهم أساسي لأفغانستان. لم نكن نعلم ما الذي نفعله” (7).

بدوره دخل الرئيس الأفغاني السابق حامد كارزاي، الذي جاء إلى السلطة بفضل الحملة الدولية على طالبان عام 2001، على خط الاتهام والتنديد بالانسحاب حين صرّح لصحيفة التايمز البريطانية قائلا: “إنه فشل عسكري. لم يكن فشلا في القضاء على التطرف والإرهاب فقط، بل مكّنهما أيضا من الازدهار خلال هذه الفترة” (8). إنَّ انسحاب القوات الدولية بهذا الشكل السريع، الذي أتى بعد مفاوضات أميركية ـ طالبانية في الدوحة واستُبعدت منه الحكومة الأفغانية، ترك بالتأكيد فراغاً داخلياً تسعى طالبان إلى ملئه، بينما تجهد الحكومة الأفغانية في التشبث بمكتسباتها التي حقّقتها على مرّ عقدين.

فراغ في الساحة الداخلية الأفغانية ومخاوف من حرب أهلية:
حذرت معظم الأوساط الإقليمية والدولية من انزلاق أفغانستان نحو حرب أهلية على غرار ما حصل بعد انسحاب القوات السوفياتية منها في فبراير/شباط من عام 1989. فقد أعقب الانسحاب السوفييتي اقتتال بين فصائل المجاهدين الأفغانيين على السلطة في كابل، لكن هذه المرة سيكون الاقتتال عرقيّا، بحسب تلك التقديرات، بين أغلبية بشتونية تمثلها حركة طالبان وإثنيات منضوية تحت ما يعرف تاريخياً بالتحالف الشمالي الأفغاني، الذي يقود الحكومة الأفغانية حالياً.

لقد جاءت مكاسب طالبان المتسارعة لتعطي الحركة دفعة معنوية قوية شجعت المئات من القوات الحكومية على الاستسلام ومعها أكثر من 700 من العربات العسكرية أميركية الصنع، بعضها عربات “همفي” المصفحة المتطورة، من أصل 25 ألف عربة عسكرية بحوزة القوات الأفغانية كانت أمريكا قد زودتهم بها (9).

كان الرئيس الأفغاني أشرف غني، هو والدكتور عبد الله عبد الله- الشخصية الثانية في حكومته والممثل للتحالف الشمالي- أكثر المدركين لتداعيات الانسحاب على الحكومة الأفغانية. فقد هرعا للقاء الرئيس الأميركي جو بايدن والقوى النافذة في واشنطن لعلهما يستطيعان كسب دعم أميركي عسكري، وتحديداً الجوي منه، خاصة بعد رفض باكستان منح واشنطن قواعد عسكرية على أراضيها.

اتضح أن الرد الأميركي كان مخيباً لآمالهما حين أبلغهما بايدن أنه: “على الأفغانيين تقرير مصيرهم بأنفسهم” (10). من جانبها، تعتقد الحكومة الأفغانية أن ما جرّأ طالبان على هذه الاندفاعة العسكرية هو استبعاد أمريكا لها منذ البداية من مفاوضات الدوحة، حيث لم تتحمس طالبان لاحقاً لبدء أي مفاوضات مع الحكومة الأفغانية إلى أن تُوج ذلك التوجّه برفض طالبان عقد لقاء مع مندوبي الحكومة الأفغانية كان مقترحا أن يُعقد في تركيا.

عاد الرئس الأفغاني وعبد الله عبد الله من دون تحقيق نتيجة تُذكر من أمريكا على الرغم من استخدامهما كل الأوراق التي بحوزتهما، بدءًا من التحذير من تصاعد الإرهاب، وصولا إلى اتهام باكستان بتقديم الدعم لحركة طالبان. وبعد عودته، أشار عبد الله عبد الله، خلال كلمة ألقاها في القصر الرئاسي الأفغاني أمام رموز أفغانية إلى مدى إحباطه من الزيارة حين قال: “مع انسحاب القوات الأجنبية من البلاد تصاعدت الحرب، وللأسف استغلت طالبان الفراغ الذي خلّفه الانسحاب في بعض المناطق”(11).

وتأتي التسريبات الأمريكية في هذه الظروف لتجعل وضع الحكومة الأفغانية أكثر صعوبة وتشكيكاً بمستقبلها؛ فقد كشفت مذكرة داخلية للخارجية الأميركية عن أن: “الرأي العام الأفغاني يزداد شكوكاً في قدرة الحكومة الأفغانية على الحكم، وذلك فيما يتعلق بمعالجة قضايا الرِّشا وتعيين مسؤولين رفيعي المستوى على أساس العلاقات الشخصية وليس على أساس الكفاءة، بالإضافة إلى عامل الثقة المفقود في قدرتها على الحكم مع عجزها عن توفير الخدمات الأساسية للناس.” (12)

من جانبها، أدركت الحكومة الأفغانية بدورها أن كرة النار التي ألقاها في ملعبها رحيل القوات الأجنبية الداعمة لها ستكبر، وأنه لم يعد بمقدورها السيطرة عليها بعد أن عجز الضامن الأميركي نفسه عن ذلك طَوال سنوات، فبدأت بتشجيع المليشيات المحلية للدفاع عن مناطقها. وقد عنى ذلك أن جيشاً من 300 ألف جندي، مع ما أُنفقته عليه أمريكا من أموال ضخمة طوال عقدين من الزمن، يجد نفسه اليوم عاجزا عن الصمود أمام بضع عشرات الآلاف، أو أقلّ، من مقاتلي طالبان.

أرسلت سياسة الحكومة في تجنيد المليشيات المحلية الأفغانية برسائل سلبية إلى القوات النظامية في عدة مناطق، فبدأت بالانضمام إلى مقاتلي حركة طالبان قبل الانهيار الكبير. وبرز على الفور دور ثلاث مناطق أفغانية ممّن قاتلت طالبان في التسعينيات، وهي مليشيات في مزار الشريف شمالي أفغانستان، ومليشيات في باميان الشيعية وسط أفغانستان، ومليشيات في هيرات غربي أفغانستان على الحدود مع إيران. في مزار الشريف برزت سيّدة أربعينية تنتمي إلى الهزارة الشيعة، كانت حاكمة لمديرية “تشاركنت” وتتزعّم اليوم مليشيات شيعية قوامها 350 عنصراً. وقد قالت في مقابلة لها: “لا نثق في الحكومة الأفغانية، ونحن نقاتل حركة بشتونية تسعى إلى طرد أكثر من 32 ألفا من الهزارة من هذه المنطقة”(13).

وفي هيرات لجأ تاجر أفغاني يدعى غلام فاروق سيواشني، كان يتاجر بالنفط، إلى تشكيل مليشيات خاصة به، وقال غلام للصحافيين: “لقد خذلنا الأميركيون، ونعمل اليوم على حماية مديرية غوزارة من تهديد طالبان”(14).

لم يقتصر الأمر على هذا التجييش، فقد عادت بعض الشخصيات الجهادية الأفغانية التي قاتلت السوفييت في الثمانينيات لقتال طالبان كما قاتلتها يوم خلعها عن السلطة، فهي الآن تنافسهم على المجد الذي حازوه وإن كانت هذه الشخصيات قد غدت الآن طاعنة في السن. وكان من بين هؤلاء القائد عبد الباري، 58 عاماً، المنحدر من تشاريكار في شمال كابل، وكان ممن قاتلوا تحت قيادة أحمد شاه مسعود. يقول عبد الباري: “لقد قبلت الحكومة شروطي بمنحي جبهات أختارها بنفسي وأسلحة وذخائر كافية لعملي وإعادة رتبتي العسكرية السابقة. لقد قبلت الحكومة كل مطالبي وسلمتني رسالة تفيد بذلك، وسأبدأ عملي الأسبوع المقبل”(15).

وفي ظل سياسة الحكومة القاضية بتشكيل مليشيات محلية، حذّر البعض من مغبة تمزق البلاد أكثر فأكثر، لاسيما مع الافتقار إلى القيادة المركزية الحكومية القادرة على ضبط مليشيات متناثرة ومتناقضة الأهداف والإيديولوجيات والتوجهات، مما قد يحولها إلى “وحش فرانكشتاين” يقابله قيادة وسلطة مركزية طالبانية واحدة.

إنَّ استنساخ تكتيكات ما بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، من خلال الاعتماد على مليشيات محلية وطائفية أحياناً لن يكون قابلاً للتطبيق في الوضع الحالي، خاصة وأن التطبيق قد فشل حينها في تحقيق أهدافه. فقد أفرزت الساحة الأفغانية اليوم منتصراً واحداً هو طالبان بخلاف عام 1989 حيث كان يتنازع النصر ثمانية أحزاب أفغانية رئيسة، الأمر الذي أغرق البلاد في حرب أهلية حينذاك.

تسود قناعة لدى البعض حاليا بأن طالبان اليوم ليست طالبان الأمس، والدليل مفاوضاتها الماراثونية مع الأميركيين في الدوحة، وتعيينها مسؤولين، في مواقع هاّمة، من إثنية الهزارة الشيعة وغيرها من الأقليات بهدف كسب ولائهم؛ هذا بالإضافة إلى تسويق نفسها على أنها ممثلة لكل الشعب الأفغاني وليس لعرقية أو إثنية واحدة. وقد تجلّى ذلك على الأرض بديبلوماسية قادتها وجنودها الميدانيين في التعاطي مع الخصم حيث استقطبوا المئات من المنشقين عن الحكومة الأفغانية.

فراغ إقليمي
يُجمع المتابعون على وجود فراغ إقليميّ برز مع رحيل قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا من أفغانستان. ويتفق اللاعبون الإقليميون على عدم تمكين طالبان من الوصول إلى السلطة الكاملة الشاملة، كل بحسب دوافعه. فالكل يعتقد أن حسم طالبان الوضع عسكرياً يعني إطالة أمده ممّا سيُلقي بتداعياته الأمنية والاقتصادية وتأثيراته السلبية على حلفاء بعض اللاعبين الإقليميين في الحكومة الأفغانية. فللصين وباكستان، وحتى إيران، خشيتها من تلك التأثيرات كلٌّ حسب دوافعه.

لا شكّ في أن استمرار الصراع سيُعيق مشروع الصين “حزام واحد.. طريق واحد”، وهو ما سيؤثر على مشروع الصين الاقتصادي العالمي. أما روسيا فتخشى أن يلقي انسحاب قوات التحالف الدولي بتداعياته على حديقتها الأمنية الخلفية في مناطق آسيا الوسطى. وتأتي الخشية الهندية من عودة أجواء مخاوفها بعد الانسحاب السوفياتي عندما انتعش نشاط الحركات الإسلامية الكشميرية المسلحة في مناطقها، وهي التي تحظى بعلاقات تاريخية وطيدة وقوية مع طالبان.

الهند وباكستان
بقدْر ما خلّف الانسحاب الأميركي فراغاً داخلياً تعجز الحكومة الأفغانية عن ملئه، فإنه خلف أيضا فراغاً إقليمياً يتوجب على القوى الإقليمية تعبئته. فقد رمت الإدارة الأميركية بكرة النار الأفغانية في الشباك الإقليمي، وما على الدول المجاورة إلاّ أن تتعاطى مع التأثيرات التي خلفها انسحابها من أفغانستان، لكن الزلزال الطالباني لا يزال يُرسل باهتزازاته الارتدادية وفي كل الاتجاهات، أفغانية وإقليمية.

توجهت الأنظار بعد الانسحاب على الفور إلى باكستان، التي بدت كمن يفرك يديه فرحاً بالنتيجة التي طالما حلمت بها، حيث عاد لها ما كانت تصفه بـ “عمقها الاستراتيجي” مجدداً، وهو ما سيعني تقليص نفوذ خصمها الهندي، الذي كسب الكثير على حسابها بسبب وجود القوات الغربية في أفغانستان خلال العقدين الماضيين.

لم يُخف وزير الداخلية الباكستاني الأسبق رحمن ملك ذلك حين قال: “قدّم الجنرال نصير الله بابر، عندما كنت أعمل تحت إمْرته، دعما لحركة طالبان الأفغانية لمواجهة قائد التحالف الشمالي أحمد شاه مسعود، الذي كان يعمل تحت قيادة هندية وإيرانية، قبل أن تدعمه أمريكا لاحقاً”. (16) ومعروف أن التحالف الشمالي ما يزال يمثّل النواة الصّلبة في الحكومة الأفغانية الحالية منذ تشكيلها بعد سقوط طالبان، وتعتبره باكستان مهدّدا مباشرا لها.

إن أكثر ما تُعوّل عليه باكستان هو قهر الجغرافيا، فأفغانستان من الدول الحبيسة التي لا تمتلك منفذا بحريا ما يجعلها أسيرة للدول التي توفر لها منفذا على البحر، وهي باكستان في هذه الحالة. ولهذا، فإن باكستان تدرك حاجة أفغانستان إليها، فضلاً عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني على أراضيها منذ أربعة عقود، ولهؤلاء أقارب وعلاقات مع المسؤولين في أفغانستان وهو ما يجعل مسألة رعايتهم في باكستان على سلم أولويات المسؤولين الأفغانيين.

لقد كان رفض رئيس الوزراء عمران خان الطلب الأميركي بمنح الولايات المتحدة قواعد عسكرية لقتال طالبان مستقبلاً مفاجئاً للمحللين، حيث لم يسبق لباكستان، طيلة تاريخها، أن رفضت عرضا أو طلباً أمريكياً؛ لكن رئيس وزرائها عمل في هذه المرة، على ما يبدو، بالمثل البنجابي القائل: “قل مرة واحدة لا وسترتاح مائة مرة”. ولقد تكرر هذا الرفض الباكستاني، في غضون أيام قليلة أكثر من مرة وعلى أكثر من صعيد، حيث صرّح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان لصحيفة نيويورك تايمز: “نحن نرفض السماح لأميركا بإقامة قواعد عسكرية على أراضينا لأن باكستان ستغدو هدفاً لانتقام الإرهابيين مرة ثانية، ونحن ببساطة لا نستطيع تحمل ذلك وقد دفعنا الثمن باهظاً. فإذا كانت الولايات المتحدة، مع امتلاكها أقوى وأضخم آلة عسكرية عبر التاريخ، قد فشلت في كسب الحرب من داخل أفغانستان طوال عشرين عاماً فكيف لها أن تقودها من قواعد في أراضينا؟”. (17) من جهته، كرر وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، نفس الموقف خلال حديثه أمام مجلس شيوخ بلاده، حيث قال: “ليشهد هذا المجلس ولتشهد باكستان أنه لن تكون في ظل حكومة عمران خان قواعد عسكرية أمريكية على أرضنا”. (18)

تدرك باكستان أن المنطقة تختلف تماماً عمّا كانت عليه عام 2001 عندما دُفعت دفعاً للقبول بالإملاءات الأمريكية. (19) واليوم تخرج الإدارة الأميركية فاشلة من حرب خاضتها لعقدين كاملين، وخرجت معها طالبان منتصرة لا يشاركها أحد في نصرها، وهو ما يعني تراجع الهند كخصم لباكستان في الساحة الأفغانية، وربما في المنطقة، في مقابل تعزيز موقف الحليف الصيني. من جهته، استبق عمران خان احتمال سعي واشنطن لممارسة ضغوط عليه من أجل التأثير على طالبان فأعلن: “بعد تحديد الولايات المتحدة الأميركية موعداً لانسحابها من أفغانستان أعلنت طالبان نصرها، فهم يعتقدون أنهم ربحوا الحرب، وبالتالي فقدرتنا على التأثير عليهم تضاءلت بنفس القدر الذي يشعرون معه بالانتصار”(20).

في المقابل، ترى الهند أن أفغانستان، التي طالما وُصفت بـ (الباب الدوّار)، قد أغلقت أمامها الباب بعد أن جاء دور خصمها الباكستاني للدخول منه، ولذلك فقد استبقت التطورات القادمة بترتيب لقاء بين مسؤوليها ومسؤولي حركة طالبان في الدوحة، ويعدّ هذا أول اتصال بين الجانبين منذ عقدين على الأقل تم الكشف عنه على لسان المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري لمكافحة الإرهاب وفض المنازعات، السفير مطلق بن ماجد القحطاني، الحائز من الأمم المتحدة على جائزة أفضل مفاوض خلال عام 2020.

مثّل الجانب الهندي في الدوحة مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال. واللافت أن المحادثات تزامنت مع زيارتين أدّاهما وزير الخارجية الهندي جاي شانكار للدوحة، ولا يعلم ما إذا كان قد التقى خلالهما مع ممثلي الحركة أم لا. وكانت التايمز البريطانية قد كشفت عن بعض تلك التفاصيل نقلاً عن مسؤول طالباني كبير جاء فيها: “جرت المحادثات مع الجانب الهندي بناءً على طلب الهند، فلدى الهنود مخاوف وقد طالبونا بعدم دعم العناصر المتشددة المناوئة للهند. نحن لدينا سياستنا المستقلة تجاه جميع الدول فنحن نحترم أصدقاءنا، ولكن هذا لا يعني أننا لن نتحدث إلى البلدان التي لديها علاقات إشكالية معنا، وقد أبلغنا الوفد أن باكستان بلد مهم للغاية للأفغانيين”(21).

إنَّ صراع باكستان والهند على أفغانستان قديم جديد، حيث بدأ منذ استقلال باكستان عام 1947. وتحرص نيودلهي على تضييق مساحة العمق الأفغاني لخصمها الباكستاني، كما أن الهند معنية أيضا بمحاصرته من جبهته الغربية الأفغانية كما هو حال حصارها له في جبهته الشرقية، حيث تنتشر قواتها على حدوده. وقد كانت أفغانستان تشكل مصدر قلق للهند بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عام 1989، حين انتعشت الجماعات المسلحة الكشميرية بسبب قوة الدفع التي حصلت عليها بانتصار المجاهدين على السوفييت، وهو ما تخشاه نيودلهي اليوم بعد الانسحاب الأميركي وشعور طالبان، وحلفائها من الجماعات الإسلامية في المنطقة، بالنصر ونجاعة العمل العسكري.

ونشير في هذا السياق إلى أن هناك ثلاثة مخاوف باكستانية جدية من التطورات في أفغانستان إذا ما انزلقت نحو حرب أهلية؛ ويكمن التخوّف الأول في خشية باكستان من أن يدفع الصراع بين طالبان والحكومة الأفغانية، في حال استمراره، إلى تدفق مزيد من اللاجئين الأفغان إلى أراضيها وهي التي تستضيف ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني نتيجة إفرازات الحرب السوفياتية. أما التخوف الباكستاني الثاني فيتمثّل في خشية إسلام آباد من أن يتسبّب منحها قواعد عسكرية لأمريكا في غضب صيني-إيراني فتدفع ثمناً باهظاً لذلك، خاصة وأنّ ذلك قد يُعيق استمرار مشروع طريق الحرير الصيني. وقد ردّت باكستان على هذا التخوف الصيني برفضها التام للطلب الأمريكي. أما التخوف الثالث فهو الخشية من أن تتمكن حكومة أفغانستان الحالية من البقاء في السلطة، وهي التي لا تخفي عداءها لباكستان، وهو ما يعني أن عدواً آخر، غير الهندي، سيتربّص بها على حدودها الرخوة. ولعل هذا ما دفع باكستان، ضمن أسباب أخرى، إلى رفض السماح لأمريكا بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها لما قد يكون لها من دور في إطالة حياة الحكومة الأفغانية.

الصين.. عين اقتصادية وأخرى أمنية:
إنَّ الهاجسين الأمني والاقتصادي هما ما يقلق الصين، فهي تدرك أن نقطة ضعفها الأمنية تتمثل في أقلية الإيغور التي تسبب لها صُداعاً داخلياً ودولياً. ونشطاء هذه الأقلية موجودون في أفغانستان منذ أيام الجهاد الأفغاني، وقد تصاعد نفوذهم وازداد وجودهم في ظل حكم إمارة طالبان ما بين 1997-2001، وهم ما يزالون مقيمين في أفغانستان بسبب الانقسام الإيديولوجي والقرب الجغرافي من الصين. ولهذا فإن الصين معنية جداً بمعارضة سيطرة طالبان الكاملة على السلطة، غير أنّ ما يخفف القلق الصيني هو نفوذ حليفتها باكستان على طالبان، بالإضافة إلى أن السياسة الصينية على مدى تاريخ الحرب الأفغانية كانت أقرب ما تكون للسياسة الباكستانية.

وما دام الأمن مرتبطاً بالاقتصاد والعكس صحيح، فإن الصين تخشى أن يؤدي أي توتر في المنطقة إلى إعاقة مشروعها (حزام واحد.. طريق واحد) الذي كلفها مئات المليارات من الدولارات، وهو المشروع الذي تطمح أن يكون مشروع مارشال عالمياً وليس أوروبياً، على غرار مشروع مارشال في أوربا عقب الحرب العالمية الثانية. وقد وقّعت الصين، كما هو معروف، اتفاقاً يقضي بتقديم قروض لإيران تصل إلى 400 مليار دولار على امتداد 25 عاماً من أجل تنفيذها بنى تحتية لخدمة المشروع، وبالتالي فإن بيجين تخشى من أن يدفع أي توتر في المنطقة إلى تأجيل المشروع أو تعطيله.

إن العدو المشترك للصين وإيران وطالبان اليوم يوّحد الجميع، ألا وهو الولايات المتحدة الأميركية، وذلك على الرغم من وجود تناقضات واختلافات بين تلك البدان الثلاثة. تدرك الصين جيّدا أن انسحاب واشنطن من أفغانستان قد رمى بكرة النار الأفغانية إلى الشباك الإقليمية وتحديداً الصينية، ولذلك تنظر بيجين إلى دوافع الطلب الأميركي حول منحها قواعد عسكرية في باكستان على أنها هي المستهدفة والمعنية من ورائه.

وفي ظل الهوس الأميركي بحصار الصين وملاحقتها واحتوائها، مع تحوّل استراتيجية أمريكا مع انسحابها من أفغانستان إلى بحر جنوب الصين، ترى الأوساط الأميركية أن “واشنطن تطمح من وراء انسحابها من أفغانستان إلى التحلل من التزاماتها هناك ونقل مواردها وقوتها وتركيزها نحو الصين.

خلال فترة الرؤساء الأميركيين الثلاثة، من بوش إلى أوباما وصولا إلى بايدن، كان التركيز منصباً على الصين، وقد أتت أحداث 11/9 لتحرف المواجهة مع الصين، وكان أوباما حين إعلانه انسحابه من العراق قد تحدث عن مواجهة محور آسيا، واليوم يتحدث بايدن عن مواجهة الصين.” (22)

وعلى العكس من ذلك، تعتقد أوساط عسكرية وسياسية أميركية أن الانسحاب من أفغانستان يناقض مبدأ واستراتيجية احتواء الصين وإيران. فالتخلي عن قاعدة باغرام الاستراتيجية في أفغانستان، التي أُنفِقَ عليها مالٌ ودمٌ أمريكيّين طوال عشرين عاماً، يُعدُّ خسارة استراتيجية كبيرة في أي مواجهة مقبلة.

لقد ألمح الانسحاب إلى خسارة أولية لباكستان في الاستراتيجية الأميركية وانحياز إسلام آباد بشكل شبه واضح إلى الصين. وقد كان حديث عمران خان أشد وضوحاً حين صرّح لقناة تلفزيونية صينية، بمناسبة مرور قرن على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، بأنّ “أمريكا شكلت مؤخرا تحالفاً مع الهند ودول أخرى لمواجهة الصين، ونحن نرى أنه ليس من العدل أن تطلب منا دول كأمريكا والغرب الانحياز إلى طرف ضد آخر.” (23)

إيران وروسيا.. هاجس الماضي
على الرغم من أن مبدأ التّعاون هو الذي طبع العلاقات بين طهران ومقاتلي طالبان المحاذين لأراضيها، وما تردد عن تلقيهم مساعدات من إيران خلال حربهم ضد القوات الأميركية، وعلى الرغم من تعدّد الزيارات التي قام بها الزعيم السابق لحركة طالبان، أختر منصور، الذي قتل في هجوم أميركي في مايو/أيار 2016 أثناء عودته من إيران، فإن الهواجس الإيرانية تجاه طالبان تظلّ حاضرة بقوة نظراً لثقل التاريخ البعيد والقريب. فإيران تدرك تماماً أن تمدد طالبان الحالي والمستقبلي يعني القضاء على حكومة موالية لها في جوهرها بحكم أنّ التحالف الشمالي حليفٌ إيراني تاريخي. وليس أشبه بالحكومة الأفغانية الحالية، من حيث الولاء لطهران، من الحكومة العراقية وإن كان بدرجات قد تكون متفاوتة؛ ولكن في المحصلة فإن أي تقدم طالباني يعني أن كلّ ما بنته إيران على مدى عقدين في أفغانستان بتمكينها لحلفائها في التحالف الشمالي، سيذهب أدراج الرياح وتعود أفغانستان إلى عهدها عندما كانت تخضع لسيطرة طالبان عليها، وبالتالي فإنها ستدفع بالتحالف الشمالي خارج اللّعبة.

قد يكون وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، أدرك ذلك مبكراً عندما عرض في مقابلة له مع قناة طلوع الأفغانية إدماج لواء “فاطميون” في الجيش الأفغاني مضيفا: “هذه أفضل قوات يمكن للحكومة الأفغانية استخدامها إن أرادت.” (24)

نشير في هذا الإطار إلى أنّ الجيش الأفغاني لم يشكل عقيدته العسكرية والفكرية حتى الآن، ومن ثم فهو مهدد من قبل حركة طالبان المتماسكة عسكرياً وفكرياً، والتي نجحت في العقدين الماضيين في هزيمة تحالف دولي مكون من 38 دولة، فكيف ستعجز عن هزيمة جيش أفغاني هذه حاله؟ وقد سبق لي أن أعددت ورقة لمركز الجزيرة للدراسات عام 2018 توقعت فيها أن تُعدّ إيران لواء “فاطميون” لمهمة في أفغانستان بمجرّد الانسحاب الأميركي منها، وهو ما يعني حدوث مواجهة بين طالبان ولواء “فاطميون”، ومن خلفه إيران (25) وهي مواجهة، إن وقعت، فقد تُشغل طهران بالكامل نظراً لأهمية أفغانستان بالنسبة لها، والتي تفوق بكثير أهمية الدول العربية عندها، بحكم التواصل الجغرافي والتقارب الإثني بينهما في بعض الأحيان. (26)

ويُخشى في حال أصر الطرفان الأفغانيان، أي طالبان والحكومة، على موقفيهما العسكريين أن تعود الحرب الباردة بين باكستان وإيران في أفغانستان مجدداً كما كانت عليه في التسعينيات، فتدعم كل دولة فريقها ممّا يسبب توترات بينهما، لكن يبقى أنّ ما يجمعهما مع الصين هو الرغبة المشتركة في تحقيق استقرار للجميع يضمن النجاح للمشروع الصيني الطموح “طريق واحد.. حزام واحد”، ومع هذا فإن الأمر يظلّ مرهوناً باللاعبين الأفغانيين ومتعلقاً باستجابتهم لرغبات حلفائهم الإقليميين من عدمها.

قد يكون ما تشترك فيه إيران مع الحكومة في أفغانستان هو نفس ما تشترك فيه مع نظام الأسد في سوريا من حيث الولاء للنظام والعداء لمعارضيه. أمّا روسيا، وبحكم تاريخها المرير في أفغانستان، فترى في أفغانستان تهديداً حقيقياً لحديقتها الخلفية في وسط آسيا، خصوصاً أن أفغانستان محسوبة جغرافياً على منطقة وسط آسيا، لذا فإن أي تغيير فيها سيُلقي بتداعياته على أمنها، بحسب تقييمها. وبناءّ على هذا نجحت روسيا، خلال سنوات الغزو الغربي لأفغانستان، في تعزيز وجودها عبر حلفائها الأفغان في الحكومة، مثل مستشار الأمن القومي للحكومة محمد حنيف إتمار، الذي كان أحد المترشحين للرئاسة خلال الانتخابات الأخيرة. وتسعى روسيا إلى تعزيز وجودها في الولايات الأفغانية الشمالية المحاذية لجمهوريات وسط آسيا (27) ولعل هذا ما يفسر اندفاع طالبان باتجاه تلك الولايات مع بدء الانسحاب الأميركي لقطع أي تواصل روسي مع الشمال الأفغاني. وعليه فإن موسكو وطهران قد تكونان من أكثر الدول المهتمة بقطع الطريق على وصول حركة طالبان إلى السلطة والإبقاء على حكومة أفغانية موالية لهما، وهو الأمر الذي تتشارك فيه معهما الهند. أما الصين فتتسق مصلحتها، على ما يبدو، مع المصلحة الباكستانية وهي ألاّ استقرار في أفغانستان ما لم يتم إشراك حركة طالبان، نظرا لأنها تمثّل الأغلبية البشتونية وهو ما سيضمن استمرارية مشروعها الاقتصادي المارشالي العالمي.

تركيا.. لاعب جديد
برزت تركيا أخيراً لاعباً جديداً في الساحة الأفغانية، وربما أتى ذلك جزءاً من الاستراتيجية التركية الساعية لحجز مكان لها في المناطق الملتهبة في العالم، سواء في ليبيا أم أذربيجان، ومن قبلهما سوريا واليوم في أفغانستان. ولعل ما يُعيق الطرف التركي هو صدّ طالبان لها، فتركيا تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع واشنطن من خلال تأمين مطار كابل والبعثات الديبلوماسية تفادياً لتكرار ما حدث في سايغون الفيتنامية حيث تعذر حينها إجلاء البعثات الديبلوماسية، أو تكرار حادثة بنغازي الليبية عندما قتل السفير الأميركي وسط غياب ما يكفي من القوات لحماية السفارة.

لقد عبر المسؤولون الأتراك في أعلى المستويات عن رغبتهم في تأمين مطار كابل بالتنسيق مع دول أخرى، وكشفت أوساط إعلامية عن اتفاق تم التوصل إليه بين تركيا وأمريكا لمنح أنقرة مسؤولية تأمين مطار كابل. (28) لكن تصريحات المسؤولين الأتراك، بمن فيهم وزير الدفاع خلوصي أكار، كانت قبل هذا الاتفاق فقوبلت برفضٍ واضح من قبل طالبان وتهديدٍ بالتعامل مع القوات التركية بنفس طريقة التعامل مع القوات الأميركية وغيرها من القوات الأجنبية إن هي بقيت في مطار كابل. وقد قال الناطق الرسمي باسم طالبان سهيل شاهين: “تركيا كانت جزءاً من قوات حلف شمال الأطلسي في الأعوام العشرين الماضية، ولذلك فإنه يجب علبها الانسحاب من أفغانستان على أساس الاتفاق الذي وقعناه مع الولايات المتحدة.” (29)

يبدو أن تركيا تسعى إلى ملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الدولية في أفغانستان، والذي لم لم تشأ باكستان أن تملأه، ولهذا لم تتجاوب إسلام آباد مع العرض التركي بتأمين المطار وهي التي رفضت، كما أسلفنا، تمكين واشنطن من إقامة قواعد عسكرية على أراضيها. وقد جعل هذا الوضع تركيا في موقف صعب بسبب امتناع طالبان وباكستان عن التعاون معها خاصة بعد أن استقبلت الجنرال الأوزبكي عبد الرشيد دوستم، المتهم بارتكاب مجازر في أفغانستان. ويأتي عدم التجاوب الباكستاني ليزيد من صعوبة الإبحار التركي في المياه الأفغانية المضطربة.

الخلاصة
من الواضح أن اللعبة الأفغانية، أو ما وصفها الشاعر الإنجليزي روديارد كبلينغ بـ “أرض اللعبة العظمى”، قد عادت للواجهة الإقليمية وبشكل أشد شراسة، وسيتداخل فيها على ما يبدو وكما كانت على الدوام، البعد الأمني مع الاقتصادي مشفوعاً باصطفافات دولية قد تكون حادة، كحال الاستدارة الباكستانية الواضحة والمتمثلة في موقف عمران خان برفض منح قواعد عسكرية لواشنطن وتفضيله الصين عليها. وتشير القراءات المتعددة إلى أن طالبان عائدة إلى المسرح العسكري بقوة كما عادت من قبل على المسرح التفاوضي مع واشنطن مستبعدة الحكومة الأفغانية. ويبقى التساؤل حول ما إذا كانت طالبان ستستأثر بالكعكة الأفغانية وحدها أم أنها ستُرغم، إن هي أخفقت في تحقيق نصر عسكري ناجز وكامل، على التفاوض واقتسام السلطة مع كابل؟ غير أنّ عقلية الحركة وتاريخها القريب لا يوحيان باستعدادها للمساومات والقبول بأنصاف الحلول.

أما على صعيد العلاقات الباكستانية-الهندية، فمن الواضح أن الباب الأفغاني الدوّار قد وصل إلى الضيف الباكستاني بعد أن أخرج منه الهندي. وقد نشهد توتراً في العلاقة بين البلدين، ربما ينعكس في شكل تصعيد عسكري تقوده جماعات إسلامية مسلحة كشميرية داخل الهند على غرار ما حصل بعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان وانطلاق الانتفاضة الكشميرية المعروفة، وهو ما لخّصه جنرال بريطاني بعد رحيل قواته الغازية في الحرب البريطانية الأولى 1839-1842 بـ: “كل شيء يعود إلى حالته الأصلية كما كان عليه الوضع قبل دخولنا البلاد”. فالعادات القديمة لا تموت أصلاً، وأفغانستان أرض غدّارة كما وصفتها رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر، التي كانت شريكة ريغن في دعم المجاهدين ضد السوفييت.

أما دول الجوار فقد تكون تعلمت من الدرس الأفغاني، خلال العقود الماضية، واستعدت لحشد كل قواها السياسية والدبلوماسية والأمنية لحماية أراضيها من امتدادات الصراع الأفغاني الداخلي إلى أراضيها قبل أن يدهمها فجأة دون رحمة.

مركز الجزيرة للدراسات