الباحثة شذا خليل*
أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط العالمية إلى ما فوق 100 دولار للبرميل ليس مجرد نتيجة اضطراب مؤقت في الإمدادات، بل يعكس صدمة أعمق تضرب بنية نظام الطاقة العالمي. فقد أدت الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط والتوترات المتزايدة حول مضيق هرمز إلى إدخال الاقتصاد العالمي في مرحلة جديدة من عدم اليقين الطاقوي.
من الناحية الاقتصادية، لم يعد السوق يسعّر فقط حجم النفط المتوافر في السوق، بل بدأ يسعّر مخاطر النقل الجيوسياسي. فعندما تتعرض ناقلات النفط لهجمات وتصبح الممرات البحرية غير آمنة، تتحول الطاقة إلى سلعة عالية المخاطر، ويقفز السعر بسرعة حتى لو لم ينخفض الإنتاج بشكل كبير.
يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس استهلاك النفط العالمي، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. لذلك فإن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس فوراً على توقعات العرض العالمي للطاقة. ولهذا السبب ارتفعت الأسعار بقوة رغم إعلان وكالة الطاقة الدولية عن إطلاق احتياطي استراتيجي قياسي يبلغ 400 مليون برميل من النفط لمحاولة تهدئة الأسواق.
لكن من منظور اقتصادي، يبقى هذا الإجراء حلاً مؤقتاً لا يعالج جوهر المشكلة. فالعالم يستهلك أكثر من 100 مليون برميل يومياً، وإذا أدت الحرب إلى تعطّل ما بين 10 و20 مليون برميل يومياً من إمدادات الخليج، فإن الاحتياطيات الاستراتيجية لن تكون سوى وسادة مؤقتة تخفف الصدمة لكنها لا تلغيها.
وهذا يفسر لماذا هدأت الأسواق قليلاً بعد إعلان الاحتياطي ثم عادت الأسعار إلى الارتفاع مجدداً.
القوى الاقتصادية الثلاث التي تدفع النفط إلى الارتفاع
يمكن فهم موجة الارتفاع الحالية في أسعار النفط من خلال ثلاث آليات اقتصادية رئيسية.
أولاً: اضطراب الإمدادات الفعلية
تأثر الإنتاج في عدة دول خليجية نتيجة التوترات العسكرية، كما أصبحت البنية التحتية للطاقة أكثر عرضة للهجمات. وحتى انخفاض محدود في الإنتاج يمكن أن يضغط بشدة على السوق العالمية عندما تكون الطاقة الاحتياطية محدودة.
ثانياً: مخاطر النقل والتأمين
بدأت شركات الشحن والتأمين تفرض تكاليف أعلى على الناقلات التي تمر عبر الخليج. كما أن بعض الشركات أصبحت تتردد في إرسال سفنها عبر المضيق. هذه المخاطر تخلق عنق زجاجة في النقل، ما يقلل من الإمدادات الفعلية التي تصل إلى الأسواق العالمية.
ثالثاً: علاوة المخاطر الجيوسياسية
وهي العامل الأكثر تأثيراً. فأسواق النفط شديدة الحساسية للتوترات السياسية لأنها تسعّر السيناريوهات المستقبلية وليس الواقع الحالي فقط. وحتى احتمال إغلاق مضيق هرمز يدفع المتداولين إلى رفع الأسعار تحسباً لندرة محتملة في الإمدادات.
في كثير من الأزمات الجيوسياسية، تكون هذه العلاوة هي المحرك الأساسي لارتفاع الأسعار الحاد.
التأثيرات الاقتصادية العالمية
لا تتوقف آثار ارتفاع النفط عند سوق الطاقة فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فارتفاع أسعار النفط يؤدي مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج. ويشمل ذلك الديزل ووقود الطائرات والبتروكيماويات والشحن البحري، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية.
وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام البنوك المركزية.
فالكثير من الاقتصادات المتقدمة كانت تتوقع خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026 بعد تراجع التضخم. لكن ارتفاع أسعار الطاقة قد يعرقل هذه الخطط، بل قد يدفع بعض البنوك المركزية إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يبطئ النمو الاقتصادي العالمي.
وتبقى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية الأكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
إلى أين تتجه أسعار النفط؟
المسار المستقبلي للأسعار يعتمد بدرجة كبيرة على تطورات الصراع في المنطقة.
السيناريو الأول: استمرار التوتر دون تصعيد كبير
قد تبقى الأسعار في نطاق يتراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل خلال الأشهر المقبلة مع استمرار التقلبات في الأسواق.
السيناريو الثاني: تعطّل كبير في صادرات الخليج
إذا تعرضت حركة الناقلات في مضيق هرمز لقيود شديدة، فقد ترتفع الأسعار إلى 120 أو حتى 140 دولاراً للبرميل نتيجة نقص الإمدادات.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي واسع
في حال توسع الصراع وتضررت البنية التحتية للطاقة أو أُغلق المضيق لفترة طويلة، فقد تقفز الأسعار مؤقتاً إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل، ما قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية.
السيناريو الرابع: تهدئة سياسية سريعة
أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في خفض التوتر وعودة الملاحة البحرية إلى طبيعتها، فقد تعود الأسعار تدريجياً إلى نطاق 75–85 دولاراً للبرميل.
عودة الجغرافيا السياسية للطاقة
على مدى العقد الماضي، اعتقد كثيرون أن تنوع مصادر الإنتاج والتطورات التكنولوجية في صناعة النفط قد جعلت سوق الطاقة أكثر استقراراً.
لكن الأزمة الحالية تكشف أن الاقتصاد العالمي ما زال يعتمد بشكل كبير على عدد محدود من الممرات الاستراتيجية.
ويظل مضيق هرمز، حتى اليوم، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ولهذا فإن أي تهديد لهذا الممر لا يرفع أسعار النفط فقط، بل يمكن أن يعيد تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي بأكمله.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
