الإسرائيليون والإيرانيون في مواجهة صامتة بالبحر الأحمر

الإسرائيليون والإيرانيون في مواجهة صامتة بالبحر الأحمر

لندن – لم يعد خافيا التنافس الإسرائيلي – الإيراني على البحر الأحمر باعتباره منطقة استراتيجية، وهذا التنافس هو جزء من مواجهة ثنائية على جبهات متعددة وإن كان صامتا ولا تظهر منه سوى عمليات محدودة أو تصريحات يسعى من خلالها كل طرف لتأكيد حقه في استهداف الخصم، لكن وفق توافق ضمني يقتضي منع الوصول إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.

وكان من أبرز ملامح هذه المواجهة عمليات استهداف السفن سواء في بحر العرب أو البحر الأحمر، لكن لا أحد من البلدين يعترف بوقوفه وراء الهجوم بشكل علني، ويكتفي بالنفي ويترك مهمة الاستنتاج والتسريبات لوسائل إعلام محلية مثلما حدث في الهجوم على السفينة الإيرانية سافيز التي تقول تقارير إنها سفينة تجسس كان يديرها الحرس الثوري الإيراني لتجميع المعلومات.

واعترف نائب الأميرال إيلي شارفيت قائد البحرية الإسرائيلية المتقاعد بأن البحرية الإسرائيلية كثفت أنشطتها في البحر الأحمر “بشكل كبير” في مواجهة التهديدات الإيرانية المتزايدة لشحنها البحري.

إيلي شارفيت: إسرائيل عززت وجودها في البحر الأحمر بشكل ملحوظ

وامتنع عن تأكيد سلسلة من الهجمات والحوادث التي ضربت السفن الإيرانية ونُسبت إلى إسرائيل. لكنه وصف الأنشطة الإيرانية في البحار بأنها مصدر قلق إسرائيلي كبير، وقال إن البحرية الإسرائيلية قادرة على الضرب حيثما كان ذلك ضروريا لحماية مصالح البلاد الاقتصادية والأمنية.

وصرّح شارفيت، في مقابلة مع وكالة الأسوشيتد برس، بعد أيام من انتهاء ولايته التي امتدّت خمس سنوات “إن دولة إسرائيل ستحمي حرية الملاحة في جميع أنحاء العالم… وهذا لا يتعلق بالبعد عن البلد”.

وكان شارفيت يشرف على قوة صغيرة ولكنها مجهزة تجهيزا جيدا ومهمتها حماية ساحل البحر المتوسط في إسرائيل وكذلك البحر الأحمر، الذي يعدّ بوابة حيوية للواردات من آسيا، وتمر من خلاله سفن النفط.

ولم يتوقف التحرك الإسرائيلي في البحر عند تنفيذ عمليات محدودة بشكل خفي، بل أجرت مناورات مع الأميركيين ما يوحي بأن الأمر قد يخرج من حالة الحذر تجاه الوجود الإيراني إلى مواجهة علنية خاصة بعد التطورات الجارية في اليمن، ونجاح الحوثيين في السيطرة على الموانئ الحيوية على البحر الأحمر، وجعلها منصة محتملة لأنشطة إيرانية ضد الملاحة الدولية.

وأجرى الجيشان الإسرائيلي والأميركي بداية الشهر الحالي، ولأول مرة، مناورة بحرية في البحر الأحمر، بهدف “تعزيز الأمن والحفاظ على طرق التجارة البحرية”. وتم خلال المناورة “التدريب على سيناريوهات الدفاع والإنقاذ وغيرها”، بحسب بيان للجيش الإسرائيلي على تويتر.

وأضاف البيان أن “المناورة تمثل نقطة الانطلاق للعمل المشترك بين البحرية مع الأسطول الخامس (..) ويهدف التعاون بين الأساطيل إلى تعزيز الأمن، بما في ذلك الحفاظ على طرق التجارة البحرية من أجل الاستقرار الإقليمي”.

عاموس يادلين: إسرائيل وإيران تحرصان على عدم الدخول في مواجهة كاملة

وقال شارفيت “لقد عزّزنا وجودنا في البحر الأحمر بشكل ملحوظ… نحن نعمل هناك بشكل مستمر مع السفن الرئيسية، أي فرقاطات الصواريخ والغواصات. ويجري اليوم بشكل مستمر ما كان يحدث في الماضي لفترات زمنية قصيرة”.

وأشار إلى أن إسرائيل مستعدة للرد بشكل أكبر على الهجمات المباشرة على الشحن التابع لها، وقال “إذا كان هناك هجوم على ممرات الشحن الإسرائيلية أو حرية الملاحة الإسرائيلية، فسيتعين على إسرائيل الرد”.

لكن الاستنفار الإسرائيلي ضد الوجود الإيراني في البحر لا يعني أن الطرفين يمكن أن يمرا إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة، وأن الأمر لن يتجاوز الاستهداف المحسوب كل حسب قوته وقدرته على استيعاب ردة الفعل، وهي استراتيجية مطبقة في سوريا، حيث تكتفي إيران بالرد على الهجمات الإسرائيلية ببلاغات التنديد والوعيد.

ويقول الجنرال الإسرائيلي عاموس يادلين في مقال نشرته صحيفة معاريف العبرية، إن إسرائيل وإيران تحرصان على عدم الدخول في مواجهة كاملة، ولا حتى إغراق السفن أو التسبب في إصابات، رغم هذه المناوشات، لافتا إلى أن الخطة الإسرائيلية تقتضي بإلحاق الأذى بالإيرانيين وإحباط أهدافهم، من خلال التخريب وتأخير الأنشطة دون الانجراف إلى الصراع.

ورغم التصريحات التي توحي بأن الطرفين مستعدان لأي مواجهة، إلا أنهما يفضلان إلى الآن المواجهة الصامتة، فإيران تضغط من خلال أذرعها في اليمن ولبنان وغزة لاستهداف إسرائيل ولو بشكل محدود، والمهم أن يكون لذلك تأثير إعلامي يحفظ مصداقيتها في الداخل أو لدى أنصارها من جمهور “المقاومة”.

في المقابل تميل إسرائيل إلى مواجهة دبلوماسية تجمع من خلالها تأييد فاعلين إقليميين ودوليين بارزين لهجماتها المحدودة. وفي مواجهة هذا التنافس تكتفي الدول المطلة على البحر الأحمر أو التي تمتلك مصالح مباشرة فيه بمراقبة ما يجري دون أي تحرك جماعي أو تحالفات فعالة تفضي إلى تأمين مصالحها.

وكانت تقارير استخبارية أميركية وإسرائيلية قد قالت إن إيران قد استبدلت في أبريل الماضي سفينة التجسس سافيز في البحر الأحمر بعد تعرضها لهجوم ، وأحضرت سفينة مماثلة لجمع معلومات استخبارية في الممر المائي الاستراتيجي المهم.

ويقول يمنيون إن السفينة الإيرانية كانت تعد بمثابة مركز قيادة وسيطرة عائم يعمل على تقديم المعلومات للميليشيات الحوثية، كما يقوم بمراقبة السفن العابرة إلى مضيق باب المندب وتحديد إحداثياتها، الأمر الذي يسهل على الحوثيين استهدافها لاحقا.

وتعرضت السفينة سافيز لأضرار إثر هجوم باستخدام لغم بحري لاصق يُعتقد أن إسرائيل نفذته في أوائل أبريل الماضي. ومنذ عام 2016 نفذت السفينة دوريات في المياه بالقرب من مضيق باب المندب. وقالت إيران إن السفينة وفرت الأمن البحري وعملت ضد القراصنة.

ووصل الصراع البحري بين إيران وإسرائيل إلى مستويات جديدة في الثلاثين من يوليو الماضي مع هجوم طائرات دون طيار على سفينة “ميرسر ستريت” في بحر العرب، وهي ناقلة نفط ترفع العلم الليبيري ومملوكة لرجل أعمال إسرائيلي. وألقت الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وآخرون باللوم فيه على إيران. ورغم نفي إيران لأيّ تورط لها في الهجوم، دعت الولايات المتحدة إلى رد منسق ضد طهران.

وفي مارس الماضي قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية إن إسرائيل استهدفت ما لا يقل عن 12 ناقلة نفط إيرانية كانت تحمل نفطا وأسلحة متجهة إلى سوريا منذ عام 2019.

العرب