مغامرة بوتين في سوريا فرصة لواشنطن وأنقرة

مغامرة بوتين في سوريا فرصة لواشنطن وأنقرة

obama-erdogan-turkey-summit-198x132

في الوقت الذي تكون فيه كل العيون شاخصة على تدخل موسكو على نحو مفاجئ ومثير في الصراع السوري، يجب على صانعي القرار والمخططين العسكريين ألا ينسوا طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في “الخارج القريب” من روسيا، بما في ذلك جمهوريات أرمينيا وجورجيا وأذربيجان جنوب القوقاز. ومن خلال الاستفادة من الهياكل والتوافقية القائمة، بإمكان الولايات المتحدة وتركيا إحباط جهود روسيا الرامية إلى توسيع نفوذها في المنطقة، وإلزام موسكو على كبح جماح مخططاتها في الخارج الأبعد وتخصيص المزيد من الموارد للمجال الأقرب إلى أراضيها.

ولكن الأمر لن يكون سهلاً. فطوال العقد الماضي، مرت العلاقات بين أنقرة وواشنطن بمراحل مد وجذر. فتولي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان و «حزب العدالة والتنمية» الحكم قد أبعد تركيا تدريجياً عن الغرب، كما أن الحكومتين واجهتا صعوبة في إقامة مصالح مشتركة بشأن القضايا الناشئة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. أما موسكو فسعت إلى ملء هذا الفراغ عن طريق زيادة نفوذها على قرارات السياسة الخارجية التركية.

بيد أن الأحداث الأخيرة في سوريا قد تشجع أنقرة على تغيير هذه المعادلة وتفضيل عقد تحالف استراتيجي دائم مع الولايات المتحدة. يُذكر أن إنشاء مدرج روسي للطائرات في الجزء الجنوبي من تركيا، والتقارير الواردة عن اختراق الطائرات الروسية المتمركزة في سوريا للمجال الجوي التركي، وتزايد القلق بشأن نوايا القوات الكردية السورية، جميعها عوامل منحت لأردوغان سبباً لإعادة تقييم تعاونه مع بوتين. فقد لا يرغب أردوغان في التطلع غرباً، لكنه يشارك واشنطن مصلحتها في احتواء روسيا قبل أن تتمكن من توسيع وجودها على طول الحدود التركية.

حسابات الكرملين في جنوب القوقاز

من وجهة نظر موسكو، يجب أن يكون جنوب القوقاز تحت السيطرة الروسية. فقد وصف بوتين علناً أن تفكك الاتحاد السوفييتي كان بمثابة كارثة ولم يخفِ عداءه للتدخل الغربي في جيران روسيا السابقين في الاتحاد السوفيتي. وفي الوقت نفسه، وسّع بشكل منهجي من نفوذ موسكو السياسي والاقتصادي والعسكري على أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، وذلك في ظل رد فعل دولي ضئيل إن لم يكن معدوماً.

في عام 2008، تدخلت روسيا عسكرياً ضد تبليسي، عاصمة جورجيا، لدعم فصل المنطقتين الجورجيتين، أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وهي تحاول منذ ذلك الحين بشكل مطرد ضم تلك الأراضي وفي الوقت نفسه تقديم حدودهما بهدوء نحو الأراضي الجورجية. وخلال زيارة أجرتها إلى واشنطن في آب/ أغسطس، تحدثت وزيرة الدفاع الجورجية تيناتين [تينا] خيداشيلي بصراحة عن هذا الموقف العدواني، وسلطت الضوء على الحادث الذي جرى في تموز/ يوليو حين تخطى حرس الحدود الروسي الحدود الإدارية لأوسيتيا الجنوبية جنوباً ليطوّق جزءاً من خط أنابيب باكو- سوبسا.

بالإضافة إلى ذلك، زادت روسيا بثبات من قواتها الجوية والبرية في قواعدها العسكرية في غيومري ويريفان وأرمينيا، حيث أصبح لديها الآن حقوقاً لامتلاك القواعد العسكرية حتى عام 2044. وفي هذا السياق، تستمر التكهنات حول نية موسكو وضع قوات “حفظ السلام” في ناغورنو كاراباخ تحت ذريعة منع المزيد من الصراع بين أرمينيا وأذربيجان. في الوقت نفسه عززت روسيا من علاقاتها مع أذربيجان عبر المبيعات العسكرية مما زاد من الاعتقاد بأنها ستستغل طرفي النزاع لزيادة نفوذها العسكري والسياسي.

ومن خلال اعتماد القوة الخشنة والتدابير الأقل صلابة، سعت موسكو أيضاً إلى توسيع العضوية في “الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي” الذي تهيمن عليه روسيا، مع انضمام أرمينيا في كانون الثاني/ يناير الماضي. إن دمج جورجيا وأذربيجان سيزيد من نفوذ روسيا على الأسواق الاقتصادية ومن استغلال الموارد الطبيعية الهائلة ونقلها.

تركيا بحاجة إلى جيران مستقلين

تعتمد أنقرة اعتماداً كبيراً على روسيا لتوزيع الغاز الطبيعي وتجارته، ولطالما كانت مترددة في تحدي موسكو في القضايا الجيوسياسية الكبيرة. ففي الآونة الأخيرة، تعاملت بعناية كبيرة مع غزو روسيا لجورجيا في عام 2008، ثم رفضت تأييد العقوبات الغربية على روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014. كما أن زيارة أردوغان إلى موسكو في أيلول/ سبتمبر عززت من هذه الديناميكية، فبعد اجتماعه ببوتين، عدّل الرئيس التركي من سياسته التي تقول “يجب على الأسد أن يرحل” وذلك على ما يبدو لتهدئة مضيفه الروسي.

بيد أن تركيا بحاجة ماسة إلى التخفيف من التدخل الروسي على حدودها وليس العكس، وخصوصاً في جنوب القوقاز. فهناك علاقات تاريخية قوية تربط أنقرة بجورجيا وأذربيجان، ومثلها مثل واشنطن، هي تنظر إلى المنطقة على أنها فرصة جيوستراتيجية للعمل مع دول ديمقراطية ومستقلة تشاركها الآراء في العديد من القضايا، مثل زيادة التبادل التجاري وتنويع مصادر الطاقة وتعزيز التحالفات الأمنية لمكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية والانتشار النووي والإرهاب. فاستخدام جنوب القوقاز كنقطة عبور للصادرات التركية الرئيسية إلى آسيا الوسطى (مثل الآلات ومنتجات الحديد والصلب والملابس) يمكن أن يصبح ذو أهمية خاصة لأنقرة على مدى العقد المقبل، في الوقت  الذي تصبح فيه التجارة مع دول الشرق الأوسط المجاورة أقل موثوقية وسط الصراعات في العراق وسوريا والخلافات المفتوحة مع إيران حول مستقبل المنطقة.

والأهم من ذلك أن جنوب القوقاز يتمتع بأهمية كبرى بالنسبة إلى تنويع تركيا لموارد الطاقة. وفي هذا الإطار تشير بيانات من “إدارة معلومات الطاقة الأمريكية” إلى أن الإمدادات الروسية تمثل نحو 60 في المائة من استهلاك الغاز الطبيعي في تركيا، وأن الطلب آخذ في التزايد. وتوفر أذربيجان حالياً 10 في المائة من احتياجات تركيا من الغاز، إلا أن “خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول” (“تاناب”) سيرفع هذا الرقم في النهاية ما دام الطريق خالٍ من التدخل الخارجي (وقد بدأت عملية بناء الخط هذا العام، ومن المتوقع أن تنتهي في عام 2018). وإذا ما توسع نفوذ موسكو في القوقاز، قد تضطر أنقرة إلى الاعتماد حتى بصورة أكثر على موارد الغاز والنفط التي تسيطر عليها روسيا، الأمر الذي سيقوّي نفوذ بوتين.

دور الولايات المتحدة

يبدو أن واشنطن تتبع أسلوب رد الفعل بعد مغامرات بوتين المفاجئة، ولكن اتباع نهج أكثر استباقية يشمل اتخاذ خطوات أمريكية متواضعة نسبياً بإمكانه أن ينجز الكثير. ومن بين هذه الخطوات، بلورة سياسة أمريكية موجزة وواضحة في جنوب القوقاز – التي بإمكانها أن تجهد القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية وتزيد في الوقت نفسه من نفوذ واشنطن. ومثل هذه السياسة يجب أن تبدأ مع بيان واضح يدين التدخلات الروسية في السيادة والديمقراطية الإقليمية، وتلفت الانتباه إلى ما فعلته روسيا من أجل ضم الأراضي الجورجية السابقة. وحالياً، يبدو أن القادة المحليين غير واثقين من موقف واشنطن طويل الأمد، فزيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تبليسي في عام 2009 والرحلات التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في 2010 و 2012 كانت ذات مغزى ولقيت صدى جيداً، ولكن قلة الالتزامات الأمريكية المحددة قد بدت وكأنها تهدئة لروسيا أكثر من كونها تعزيزاً لمشاركة أكثر قوة من قبل الولايات المتحدة. إن إجراءات موسكو اللاحقة في أوكرانيا وسوريا ينبغي أن تشكل حافزاً لمزيد من الاهتمام المباشر.

وعلى وجه الخصوص، إن تقديم خارطة طريق واضحة لإدراج جورجيا في “حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”) من شأنه أن يعزز من الالتزام الثنائي ويتحدى روسيا على عتبة أراضيها. إن أعضاء “حلف شمال الأطلسي” في أوروبا وخارجها هم على الأرجح أكثر استعداداً لتسريع جدول جورجيا الزمني بينما يتزايد القلق إزاء تصرفات موسكو التي لا يمكن التنبؤ بها، ولكن على واشنطن أن تأخذ زمام المبادرة.

وفي الوقت نفسه، يمكن لزيادة المشاركة أن تخلق ظروفاً تمهد للمزيد من الاستثمارات والخدمات الخاصة من قبل الولايات المتحدة في المنطقة، لا سيما لدعم التوسع في التنقيب عن الوقود الأحفوري في أذربيجان وبحر قزوين. ويمكن لمثل هذا التواصل أن يطمئن أيضاً أذربيجان وجورجيا بأن القيمة الاستراتيجية لجهودهما في أفغانستان والعراق والحملة العالمية لمكافحة الإرهاب لم يتم نسيانها.

إن الجهد المبذول في هذا الاتجاه الدبلوماسي ينبغي أن يقترن بعرض واضح للقوة. فالتدريبات البحرية الأخيرة التي تقودها الولايات المتحدة في البحر الأسود (والتي يُطلق عليها اسم “نسيم البحر”) والتمارين العسكرية البرية المشتركة في جورجيا (“نوبل بارتنر” و”آجيل سبيرت” [باللغة الإنكليزية]) وضعت أساساً متيناً، مثلها مثل تمارين تركيا في “النسر القوقازي” مع جورجيا وأذربيجان في حزيران/ يونيو. كما وينبغي التخطيط لتدريبات واسعة النطاق مع البلدين، برعاية الولايات المتحدة وتركيا تحت راية حلف “الناتو”.

يجب على أنقرة وواشنطن أيضاً استغلال ميزاتهما الخاصة، أي القرب الجغرافي والجيل الخامس من الطائرات، من خلال عرض مفاجئ للقوة. فالقرار الذي اتخذته تركيا مؤخراً بالسماح للطائرات الأمريكية باستخدام “قاعدة إنجرليك الجوية” لاستهداف المتطرفين الإسلاميين في سوريا كان عبارة عن اتفاق محدود، ولكنه قد يسهل جهوداً مشتركة أوسع لإعطاء روسيا [ما يُسمى بـ ] توقف استراتيجي. إلى جانب ذلك، اقترح السفير الأمريكي السابق جيمس جيفري مؤخراً أنه بإمكان طائرات “إف-22 رابتور” أن تتخذ من إسرائيل مقراً لها لإبقاء أهداف موسكو داخل سوريا تحت الرقابة، علماً بأن نظام الدفاع الجوي الروسي “إس-300” قابل للهزيمة أيضاً من قبل طائرات الشبح الأمريكية. وبالمثل، فإن نشر طائرات “إف-22″، ومقاتلات الهجوم المشترك “إف-35” عندما تكون جاهزة للعمليات الحربية، في “قاعدة إنجرليك الجوية” لدعم العمليات السورية وإجراء تدريبات مع القوات الجوية التركية والجورجية والآذرية من شأنه أن يعزز التزام واشنطن وأنقرة في المنطقة.

إن جهود أردوغان لإبعاد بلاده عن الغرب تميل إلى التراجع عندما تكون المصالح الأمنية الأساسية لتركيا على المحك. فالعمليات العسكرية الصارخة التي قامت بها موسكو قد جعلته مضطرباً وسط جهود روسيا لفرض نفسها كقوة إقليمية وعالمية. ومن المرجح أن أنقرة تدرك أنها لن تستطيع إعاقة هذه الجهود إلا إذا عقدت شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة كما في السابق.

وفي الوقت الذي يبدو فيه أن موسكو تفرط في مشاركتها، يجب على أنقرة وواشنطن استغلال ميزاتهما المحتملة. وعلى الرغم من الأولويات العالمية الأخرى، تتمتع واشنطن بفرصة لكبح جماح طموحات بوتين من خلال استثمار متواضع فقط للموارد المتاحة، كما ويجب على أنقرة أن تكون جزءاً من هذه المعادلة في جنوب القوقاز.

 جون بارنيت

معهد واشنطن