ستيفاني ويليامز المختصة في قضايا العرب تمسك بالملف الليبي

ستيفاني ويليامز المختصة في قضايا العرب تمسك بالملف الليبي

طرابلس- تشدد ستيفاني ويليامز العائدة مؤخرا لقيادة الدور الأممي في ليبيا على أنها تتطلع إلى مساعدة الليبيين على تعزيز استقرار بلادهم، بينما يراهن المتابعون لمجريات الأحداث على أن عودتها بعد عشرة أشهر من انتهاء مهمتها كمبعوثة للأمم المتحدة إلى ليبيا بالوكالة تعدّ منطلقا لمرحلة جديدة من عمر الأزمة التي يواجهها البلد الثري في شمال أفريقيا منذ أكثر من عشر سنوات.

وأصبحت ويليامز، الدبلوماسية الأميركية التي تخصصت خلال ربع قرن في متابعة الأحداث العربية، تمتلك معرفة واضحة بالواقع الليبي وبالطريقة الأفضل لملاعبة الفاعلين السياسيين، حتى أنها توصف بأنها الأقدر على استعمال العصا والجزرة في تحريك المياه الراكدة أو في تهدئة العواصف المنبثقة عن حجم المواجهات بين الفرقاء.

ويرى المراقبون أن تعمد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعوة ويليامز لأداء دور مستشارته الخاصة حول الملف الليبي مع الإقامة في طرابلس يأتي لجملة من الأسباب منها أن تلك السيدة أثبتت قدرة على التعاطي مع الأزمة، لاسيما خلال الفترة التي تولت فيها تعويض المبعوث الأسبق غسان سلامة المستقيل في مارس العام الماضي، حيث استطاعت تكوين السلطات التنفيذية المؤقتة تحت غطاء ملتقى الحوار السياسي الذي كانت وراء تشكيله.

وتراوحت ردود الفعل في الداخل الليبي بين الترحيب والحذر، مع شبه إجماع على أن عودة ويليامز تمثل عنوانا لمرحلة جديدة سيكون للولايات المتحدة فيها دور أكبر في مجريات الأحداث، فيما كانت تعليقات الطبقات الشعبية تميل إلى المزاح في تداول الخبر.

ويعتقد الكثيرون أن ويليامز، مقارنة ببقية المبعوثين الأمميين، قد تكون أفضل من استطاع إلى حد الآن تفكيك ألغاز الواقع الليبي، وقراءة فنجان ليبيا كما تخصصت في قراءة فناجين العرب بمنطق العرافة الدبلوماسية المستندة إلى ذكاء في فهم الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.

ورغم أنها أخطأت في عدد من القرارات إلا أنها تبقى الأكثر جرأة في تحديد المسارات السياسية والعسكرية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أعطاها فرصة للقيام بدور رئيس في وقف إطلاق النار وصولا إلى إبرام الاتفاق العسكري في أكتوبر 2020 وما تلاه من خطوات تمهيدية لتطبيق خارطة الطريق والتمهيد للانتخابات العامة البرلمانية والرئاسية التي تم تأجيلها بعد أن كانت مقررة للرابع والعشرين من ديسمبر الجاري.

ولدت ويليامز في ولاية ماريلاند بالولايات المتحدة، وهي حاصلة على ماجستير الآداب في الدراسات العربية من جامعة جورجتاون وماجستير العلوم في دراسات الأمن القومي من كلية الحرب الوطنية بالإضافة إلى درجة البكالوريوس المزدوجة في الاقتصاد والعلاقات الحكومية من جامعة ميريلاند. وهي زميلة غير مقيمة في مركز معهد بروكينغز لسياسة الشرق الأوسط ومعهد السياسة الخارجية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.

وعملت منذ العام 1994 في وزارة الخارجية الأميركية، حيث تولت وظيفة ضابطة مسؤولة متخصصة في قسم الأردن، ونائبة مدير قسم مصر وشؤون بلاد الشام، ورئيسة مكتب المغرب، كما تولت منصب كبير المستشارين لشؤون سوريا وفي السفارات الأميركية في كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت وباكستان.

وطورت ويليامز قدراتها في اللغة العربية من خلال دورات في تونس والبحرين وحصلت على العديد من جوائز الشرف العليا خلال فترة عملها في وزارة الخارجية الأميركية، وقد نشطت في القطاع الخاص في البحرين قبل توظيفها في وزارة الخارجية كنائب لرئيس البعثة الأميركية في المنامة خلال الفترة 2010 – 2013.

وتزامن جانب من عملها هناك مع محاولات نشر الفوضى في البحرين من خلال بعض الجماعات الطائفية التي حاولت استغلال طفرة ما سمي بالربيع العربي، وقد تعرضت لاتهامات بالتحريض على الفتنة صحبة زميلها لودوفيك هود الذي قالت وسائل إعلام محلية إنه قام بـ”ابتعاث مجموعة من الشيعة إلى عدة دول في الخارج لتدريبهم على طريقة التعامل مع وسائل الإعلام وعلى فن التصوير، وهو من درب وحرض المتظاهرين للاشتباك مع الجيش بالقرب من الدوار”، فاضطر للمغادرة مرفقا بزوجته، فيما وجدت ويليامز نفسها في مواقف حرجة أمام سيل من الانتقادات الواسعة من قبل الإعلام البحريني.

ومن البحرين انتقلت ويليامز للعمل في الأردن ثم إلى العراق قبل أن يتقرر نقلها إلى ليبيا كقائم بالأعمال الأميركية. وبعد أشهر قليلة عينت في منصب نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم، والذي كان يتولاه الدبلوماسي اللبناني – الفرنسي غسّان سلامة.

ويقول المقربون منها إنها امرأة تجيد ترتيب أفكارها وصياغة مواقفها، وهي براغماتية جدا في تعاملاتها، وتعرف كيف توجه رسائلها مباشرة. وهناك من يرى أن تجربتها في ليبيا كانت ثرية ببهارات حاولت أن تتقن خلطها جيدا لإعداد الطبخة السياسية، وخاصة بعد اشتعال الحرب الأهلية الثانية بداية من أبريل 2019. فقد كان المبعوث الأممي غسان سلامة قد تأكد من صعوبة تحقيق أي تقدم في حل الأزمة الليبية، لاسيما في ظل عجز رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق آنذاك فايز السراج عن تجاوز سلطة المال والسلاح وهيمنة لوبيات الفساد على القرار في طرابلس، وتراجعه عن اتفاقياته مع قائد الجيش خليفة حفتر.

وكانت كل المؤشرات تدفع نحو التشاؤم. ربما السذّج فقط كانوا يعتقدون في إمكانية التوصل إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف. فليبيا تحولت إلى مغارة علي بابا للصوص المال العام وأباطرة الفساد، وإلى غنيمة لا مجال للتنازل عنها بالنسبة إلى قوى الإسلام السياسي وأمراء الحرب وقادة الميليشيات، كما أنها تحولت خلال السنوات العشر الماضية إلى ساحة للتطاحن والتنافس والاحتراب الإقليمي والدولي.

ورغم أنه تحدث عن ظروف صحية أجبرته على الاستقالة من منصبه، إلا أن مراقبين محليين تحدثوا عن حالة من اليأس أصابت سلامة، لاسيما بعد بدء التدويل الفعلي للأزمة من خلال التدخل التركي المباشر وجلب الآلاف من المرتزقة للمشاركة في المعارك، وضغوط جديدة واجهته في الداخل والخارج.

ويليامز تمثل عنوانا لمرحلة جديدة سيكون للولايات المتحدة فيها دور أكبر في مجريات الأحداث

وكانت التجاذبات الدولية على أشدها حول الملف الليبي، ولم يكن بوسع الدول الأعضاء في مجلس الأمن التوصل إلى اختيار مبعوث جديد، لذلك برزت ستيفاني ويليامز من منطلق موقعها باعتبارها الشخصية الثانية في بعثة الأمم المتحدة.

لقد أخذت جميع الملفات بقوة واتجهت للاستفادة من تجاربها السابقة ومن إتقانها للغة الضاد، ومن بعض ما تملكه من قدرات في التحليل النفسي للشخصيات لخوض مسار جديد مختلف عن مسارات المبعوثين السابقين الستة.

واستفادت ويليامز من مخرجات مؤتمر برلين الأول في إطلاق خطتها لإيقاف الحرب الدائرة آنذاك، وكانت أعصابها تبدو أهدأ بكثير من سابقيها الرجال، كما لم تدخر قدرتها على تجيير هويتها الأميركية في خدمة تطلعاتها. فالفرقاء الليبيون في أغلبهم يرتبكون أمام الجانب الأميركي ولديهم جسور تواصل مهمة مع واشنطن بعضها يسبق أحداث العام 2011 بعقود.

وتتميز ويليامز بمعرفتها الواسعة بالكثير من جوانب الأزمة في ليبيا، وبأنها تمتلك ملفات تدين الكثيرين، وهي لا تتردد في الكشف عن مكامن الفساد الذي زاد بقوة خلال الأشهر الماضية من قبل جماعات وشخصيات ساهمت في الدفع بويليامز إلى مواقع القرار. ويقول البعض إنها قد تكون قادرة على توقيفهم عند حدودهم إذا تجاوزت لعبة المصالح التي قد تخوضها باسم الولايات المتحدة لا الأمم المتحدة.

العرب