معتقل غوانتانامو نقطة سوداء في تاريخ الولايات المتحدة

معتقل غوانتانامو نقطة سوداء في تاريخ الولايات المتحدة

واشنطن- لا يزال معتقل غوانتانامو الذي دشنته الولايات المتحدة قبل أكثر من عقدين لاحتجاز من تشتبه في كونهم إرهابيين يثير الجدل كونه واحدا من أسوأ المعتقلات، وتطالب منظمات حقوقية بتحرك فعلي لإغلاقه وفتح سجلات التعذيب التي وقعت داخل أسواره.

ويقول المحلل الأكاديمي الأميركي بول بيلار في تقرير نشرته مجلة “ناشونال أنتريست” الأميركية إن الولايات المتحدة فشلت على نحو بائس في التصرف بشكل متسق أثناء عملية البتّ في قضايا المسجونين في المعتقل الواقع في قاعدة خليج غوانتانامو البحرية في كوبا. وكان هذا واضحا في ما يتعلق بخالد شيخ محمد، العقل المدبر المزعوم لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، وأربعة آخرين متهمين بالمساعدة في ذلك الأمر.

ويرى بيلار أن التأخير -الذي يبدو أنه لا ينتهي- قد حال دون تقديم هؤلاء الرجال إلى المحاكمة أمام محكمة عسكرية. وشملت العديد من التأخيرات تناوب الموظفين المكلفين بالعمل ممثلين للادعاء أو محامي دفاع أو قضاة. ومع إطالة سجل القضايا، يستغرق كل استبدال جديد المزيد من الوقت للاطلاع والحصول على المعلومات الكاملة عن القضية. وشملت الأسباب الأخرى للتأخير عدم اليقين بشأن كيفية التعامل مع الأدلة على التعذيب الذي تعرض له السجناء، ومؤخرا العطلة الطويلة بسبب جائحة كوفيد – 19.

بول بيلار: واشنطن فشلت في فصل المعتقلين في غوانتانامو

لقد مر أكثر من عشرين عاما على الجرائم المعنية، ويبدو أن المحاكمة لا تزال تراوح مكانها. وحتى أكثر التقديرات الحالية تفاؤلا ترى أن المحاكمة سوف تبدأ في موعد لا يتجاوز منتصف عام 2024.

مثل هذا التقييد الدائم للإجراءات لا يخدم مصالح أحد، بمن في ذلك عائلات الضحايا والمواطنين الأميركيين الذين يريدون فقط رؤية العدالة تتحقق، بحسب بيلار.

وفي الأسابيع الأخيرة نشأت طريقة ممكنة للخروج من هذا المأزق. ويتحدث ممثل الادعاء -الذي بقي ملاصقا للقضية خلال ثلاثة تغييرات في الإدارة- إلى محامي الدفاع عن خالد شيخ محمد والمتهمين الآخرين حول اعتراف محتمل بالذنب. وفي مقابل الاعتراف بالذنب، سيتم إعفاء المتهمين من عقوبة الإعدام، حيث يواجه المجرمون الأكثر خطورة مثل خالد شيخ محمد بدلا من ذلك السجن مدى الحياة دون إطلاق سراح مشروط.

ويعتبر بيلار أن مثل هذه الصفقة ليست مؤكدة بأي حال من الأحوال، ولكن إذا أبرمت فإنها بلا شك ستثير اعتراضات على أنه لن يكون هناك شيء آخر غير عقوبة الإعدام شديدا بما فيه الكفاية للجريمة البشعة التي ارتكبت. ولكن بالنظر إلى سلسلة التأخيرات التي لا تنتهي، فإن البديل لصفقة الإقرار بالذنب ليس محاكمة سريعة تنتهي بأحكام بالإعدام. وبدلا من ذلك، فإن البديل الأكثر ترجيحا في المستقبل المنظور هو المزيد من التأخير. وبالتالي فإن أكبر ميزة لصفقة الإقرار بالذنب هي إنهاء التأخير وحل القضية.

وعلاوة على ذلك ليس من الواضح -في هذه الحالة- ما إذا كان ينبغي اعتبار السجن مدى الحياة عقوبة أخف من الإعدام. وفي الدوائر التي يأتي منها هؤلاء المتهمون يعني “الاستشهاد” شيئا بالنسبة إليهم.

وفي الواقع -ولهذا السبب،- من المدهش إلى حد ما أن يوافق جميع هؤلاء المدعى عليهم على السجن مدى الحياة. ويقول المحلل الأميركي إن أي “آثار استشهادية ضارة” قد تترتب على ذلك في الشرق الأوسط ستكون أكثر احتمالا بعد إعدام هذه المجموعة بدلا من استمرار السجن، ناهيك عن الكيفية التي أصبحت بها عقوبة الإعدام غير مواتية على نحو متزايد على الصعيد العالمي، مع كون الولايات المتحدة واحدة من أقلية متناقصة من الدول -إلى جانب الصين وإيران وغيرهما- التي تواصل تطبيقها.

وتشير تقارير حول صفقة محتملة للإقرار بالذنب إلى شرط مهم، وهو أن المتهمين سيصرون على البقاء في غوانتانامو، حيث يمكنهم تناول الطعام والصلاة معا، بدلا من إرسالهم إلى مكان ما مثل سجن “سوبرماكس” الاتحادي في فلورنسا بولاية كولورادو. ومن المؤسف أن هذا الأمر يتطلب ترك منشأة مفتوحة لم يكن ينبغي أبدا فتحها في المقام الأول.

واختارت إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش هذه القاعدة البحرية كموقع لمنشأة احتجاز في محاولة لجعلها بعيدة عن متناول أي سيادة قانونية، على الرغم من أن المحكمة العليا كانت لها في وقت لاحق وجهة نظر مختلفة. ولطالما كان غوانتانامو وصمة عار على جبين الولايات المتحدة كرمز لمحاولة التهرب من القانون الجنائي المعمول به وكذلك الفشل في تنفيذ القانون بسرعة. كما مثل أفكارا غامضة في الكونغرس حول شن “حرب” على الإرهاب بدلا من استخدام طرق مجربة وقادرة على مقاضاة الإرهابيين ومعاقبتهم.

ويرى بيلار أنه لو تمت محاكمة خالد شيخ محمد في محكمة اتحادية بالمنطقة الجنوبية من نيويورك -وهي منطقة الجزء الأكثر دموية من هجمات سبتمبر وولاية قضائية ذات سجل حافل ممتاز في مقاضاة الإرهابيين- لصدر عليه حكم قبل سنوات، ولو أدين لتم إعدامه أو إرساله إلى سجن “سوبرماكس”.

وحتى مع هذا التحفظ حول المكان الذي سيقضي فيه المدعى عليهم أحكامهم، فإن صفقة إقرار بالذنب مثل التي يقال إنها قيد المناقشة لا تزال تستحق النظر. وسيكون من المفيد إذا اقترن ذلك بالتفاهمات القائلة بأنه لن يتم إرسال سجناء جدد إلى غوانتانامو، وأنه سيتم بذل جهود جادة من أجل التصرف السليم إزاء الرجال الثلاثة والثلاثين الآخرين الذين مازالوا محتجزين هناك، وأن المعتقل سيظل مفتوحا فقط طالما ظل آخر شخص حكم عليه بالسجن مدى الحياة هناك على قيد الحياة.

وبعد سنوات من الآن قد يعني ذلك تكلفة الحفاظ على شيء يشبه المعتقل الحالي ولكنه لا يضم سوى عدد قليل من السجناء. وهناك سابقة لذلك وهي سجن “سبانداو” في برلين الذي كان من المفترض بعد محاكمات نورمبرغ أن يضم العديد من النازيين المدانين، لكنه بدلا من ذلك لم يستقبل سوى سبعة أشخاص. وخلال السنوات الـ21 الأخيرة التي ظل السجن فيها مفتوحا، كان به سجين واحد فقط وهو رودولف هيس، حتى انتحر في سن الثالثة والتسعين عام 1987.

وبعد وفاة هيس تم هدم سجن “سبانداو” على الفور، حيث أصبحت الأرض موقفا للسيارات ومركزا للتسوق. وتم سحق بقايا السجن ونثرها في البحر أو دفنها في قاعدة جوية بريطانية، من أجل تثبيط أي نية لأن يصبح ضريحا للنازيين الجدد. وإن شيئا من هذا القبيل يجب أن يتم في نهاية المطاف أيضا لمنشأة الاحتجاز في غوانتانامو، ليس لمنع أي أضرحة وإنما من أجل إنهاء رمزي لحلقة من تاريخ الولايات المتحدة التي تنطوي على الخروج عن سيادة القانون.

العرب