حديث عن تحرك إيراني.. أزمة تشكيل الحكومة في العراق تأخذ منعطفا آخر

حديث عن تحرك إيراني.. أزمة تشكيل الحكومة في العراق تأخذ منعطفا آخر

دخلت الأزمة السياسية في العراق مرحلة جديدة باقتحام أنصار التيار الصدري مبنى البرلمان، السبت، للمرة الثانية خلال أيام. ويرى مراقبون أن الخلاف بين القوى السياسية الشيعية لم يعد مرتبطا بمسألة رفض أو قبول مرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء.

ومنذ إجراء الانتخابات المبكرة قبل نحو 10 أشهر، تعاني البلاد من جمود سياسي بسبب إخفاق  القوى السياسية في اختيار رئيس للجمهورية ورئيس لمجلس الوزراء.

وأدى انسحاب كتلة الصدر من البرلمان منتصف الشهر الماضي، إلى حصول “الإطار التنسيقي”، وهو تحالف يضم الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران، على مزيد من المقاعد.، وشرع في العمل على ترشيح رئيس وزراء جديد، بوصفه الكتلة البرلمانية الأكبر.

ونفذ الصدر تهديدات بإثارة الاضطرابات الشعبية إذا حاول البرلمان الموافقة على حكومة تعيد إنتاج حالة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

والسبت، حاولت قوات الأمن العراقية التصدي للمتظاهرين من أتباع التيار الصدري في المنطقة الخضراء بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى إصابة 125 شخصا بينهم 25 عسكريا، وفقا لوزارة الصحة العراقية.

قوة الشارع

تجاوزت الأزمة السياسية في العراق مسألة “ترشيح الإطار التنسيقي لمحمد شياع السوداني رئيسا للوزراء، إذ إن الصدر يريد فرض إصلاحات سياسية بقوة الشارع”، وفق ما يرى الكاتب المحلل السياسي، عقيل عباس.

يقول عباس في رد على استفسارات موقع “الحرة” إن “الإطار التنسيقي يتمسك بموقفه في اختيار رئيس وزراء جديد، رغم أن هناك معلومات تشير إلى أن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني طلب سحب ترشيح السوداني، وترشيح شخصية يقبل بها الصدر”.

ويرى عباس أن ما يحدث في المشهد السياسي العراقي “يقلق إيران التي تحاول دفع الإطار التنسيقي لإبرام صفقة مع الصدر”.

ولفت الكاتب الإعلامي مازن الزيدي في حديث مع موقع “الحرة” أن “العملية السياسية، والخارطة الحالية تحظى بشرعية دستورية برلمانية، وأي تغيير فيها يحتاج إلى انتخابات مبكرة، وهو ما يرفضه الجميع”، ووصف الأنباء عن وجود مبادرة إيرانية بـ”غير الصحيحة”.

وتابع أن “الإطار التنسيقي يتمسك بحقه الدستوري بتشكيل الحكومة، كونه الكتلة البرلمانية الأكبر”، معتبرا أن ما يحدث هو “محاولة من فريق سياسي يريد حرف المسار الدستوري، وفرض إرادته على الجميع”.

وبحسب توصيف رئيس مركز التفكير السياسي،  إحسان الشمري، “الأزمة السياسية تمثل صراعا بين طرفين داخل المكون الشيعي في البلاد، أحدها يريد الاستمرار بنهج المحاصصة، والآخر يريد فرض واقع جديد من خلال صوت الأغلبية”.

ويرى الشمري في حديث لموقع “الحرة” أن “الصدر انسحب، من البرلمان وتحول للمعارضة الشعبية المعطلة لأي خطوة سياسية للإطار التنسيقي، وشل تحركاتهم السياسية”.

ويعود منصب رئيس الوزراء في العراق تقليديا إلى شخصية شيعية يجري اختيارها بالتوافق بين القوى السياسية الشيعية المهيمنة على المشهد السياسي.

وأزال محتجون السبت حواجز خرسانية ودخلوا إلى المنطقة الخضراء التي تضم مباني حكومية ومقار بعثات أجنبية، قبل اقتحام مقر البرلمان.

وتداول ناشطون وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو للمتظاهرين داخل المنطقة الخضراء وتحت قبة البرلمان، لم يتسن لموقع “الحرة” التأكد من إصالتها.

وأضاف الشمري أن تحركات الصدر في الشارع العراقي “رفعت سقف المواجهة، الأمر الذي دفع بقاآني للقدوم للعراق منذ نحو 3 أيام”، وتشير المعلومات إلى أن قاآني يريد من الإطار “التراجع وإبداء مرونة مع الصدر حتى لا تكون إيران خاسرة في ظل هذا الخلاف الشيعي – الشيعي”.

ويقلل عباس من شأن المخاوف من حدوث “صدام شيعي – شيعي”، إذ إنها “مبالغ فيها”، حسب رأيه، ويتم التلويح بها في كل أزمة سياسية. ويشير إلى أن الصدر يريد توجيه رسالة لأطراف الإطار التنسيقي بأنهم لا يمتلكون “قواعد شعبية” تؤهلهم للتفرد في المشهد السياسي.

في المقابل، يحذر الشمري من احتمال حصول “صدام حقيقي بين الطرفين، إذ إن الصدر يدفع بجمهوره إلى الشارع، والإطار التنسيقي بدأ بحشد جمهوره أيضا”.

ودعا تحالف الإطار التنسيقي أنصاره، السبت، إلى “التظاهر السلمي” للدفاع عن “الدولة ومؤسساته”، فيما كان أنصار التيار الصدري يتظاهرون في المنطقة الخضراء، لكن الإطار عاد وأجل التظاهرات “إلى إشعار آخر وإعطاء وقت للحوار والحلول الإيجابية السياسية لضمان وحدة الصف وتجنبا للفتنة وتفويت الفرصة على مدعيها”.

وأعلن الإطار  تشكيله فريقا تفاوضيا “للتباحث مع جميع القوى السياسية بخصوص تشكيل الحكومة وإكمال الاستحقاقات الدستورية”.

في غضون ذلك، أظهرت صور متداولة على حسابات التواصل العراقية، انهماك المحتجين بإغلاق مدخل البرلمان العراقي بـ”الطوب”. وكان التيار الصدري أعلن أن المتظاهرين الذين اقتحموا مبنى البرلمان باشروا “اعتصاما مفتوحا” في داخله.

رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، وجه قوة حماية البرلمان بعدم التعرض للمعتصمين وعدم المساس بهم. وقرر تعليق عقد جلسات البرلمان حتى إشعار آخر.

داخل البرلمان، جلس بعض المتظاهرين على الأرائك السوداء الفارهة، فيما اختار آخرون الجلوس على طاولات خشبية، وافترش بعضهم السجاد الأزرق والأحمر الذي غطى الأرض، وفق ما تظهر الصور.

حل الأزمة

وأكد رئيس حكومة تصريف الأعمال مصطفى الكاظمي، السبت، على الحاجة لرؤية حل وحوار وطني شامل لحل الأزمات في العراق، داعيا الكتل السياسية إلى “التحاور والتفاهم والابتعاد عن لغة التخوين والأقصاء، وحث على ضبط النفس وتحمل الصعاب والمشقات”.

ويرى الكاتب المحلل السياسي عقيل عباس أنه لا حل للأزمة السياسية من دون التوصل إلى “صفقة وتوافق مع التيار الصدري”، أو من خلال التوافق على إجراء “انتخابات مبكرة من دون الحاجة لتعديل القانون في المرحلة الحالية، والإبقاء على حكومة مصطفى الكاظمي”.

ولفت أن المعلومات تشير إلى أن “هناك أصوات متزايدة حتى داخل الإطار التنسيقي لإجراء انتخابات مبكرة، ولكنهم يريدون تغيير قانون الانتخابات قبل ذلك”.

ومنذ أعلن استقالة نوابه من البرلمان، دأب رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر على تذكير خصومه، في الإطار التنسيقي بأنه لا يزال يحظى بقاعدة شعبية واسعة ومؤثرة في المشهد السياسي العراقي.

ويستبعد رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، إمكانية حل الأزمة الراهنة من دون “تنازل الإطار التنسيقي عن مرشحه، واختيار شخصية مستقلة لرئاسة الوزراء بعيدا عن المحاصصة، والتهيئة لانتخابات جديدة، أو يمكن الأبقاء على حكومة الكاظمي لحين إجراء الانتخابات”.

ويقول الإعلامي الكاتب مازن الزيدي إن “حل الأزمة السياسية يكمن في احترام الدستور، والخارطة السياسية التي تشكلت تحت مظلة شرعية القانون”، ويعتقد أن “هناك خيارات واسعة للتوصل إلى حل بمنح الصدر حصته من الوزارات”، بعيدا عن بقاء حكومة تصريف الأعمال.

ودعت أطراف محلية ودولية إلى التهدئة وضبط النفس وعدم الانزلاق إلى العنف. وقالت بعثة الأمم المتحدة في العراق إن “أصوات العقل والحكمة ضرورية للحيلولة دون تفاقم العنف”.

وأعربت السفارة الأميركية في العراق قلقها بشأن التقارير التي تتحدث عن أعمال عنف. وتابعت في بيان، السبت، قولها: “نضم صوتنا إلى دعوة الأطراف السياسية العراقية من مختلف الأطياف إلى الالتزام بضبط النفس والابتعاد عن العنف وحل خلافاتهم السياسية من خلال عملية سلمية وفقا للدستور العراقي”.

الحرة