إيران تستعجل الاقتصاد وتؤجل العسكر

إيران تستعجل الاقتصاد وتؤجل العسكر

من الصعب تبسيط الأسباب التي دفعت النظام الإيراني للتخلي عن أحد أهم الخطوط الحمر التي وضعها على طاولة المفاوضات المباشرة مع دول مجموعة 4+1، وغير المباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية، والمطالبة بإخراج مؤسسة حرس الثورة العسكرية عن لائحة المنظمات الداعمة للإرهاب “FTO”، مقابل موافقة واشنطن على إلغاء العقوبات عن جزء كبير من المؤسسات الاقتصادية التابعة للحرس، بما ينسجم وما جاء في اتفاق عام 2015 الذي يتم التفاوض لإعادة إحيائه.

فالإصرار الإيراني على وصف المفاوضات بأنها “لإلغاء العقوبات الاقتصادية”، واستبعاد الفريق المفاوض من أدبياته وصف “إحياء اتفاق 2015″، يكشف حجم الأزمة الاقتصادية التي يعانيها النظام، وإدراكه أن الأمور في الداخل قد وصلت إلى نقطة الانفجار أو الانهيار، لم تعد تنفع معها الحلول الترقيعية والمعالجات المرحلية والترقيدية. وأن الجهود يجب أن تنصب على ضرورة البحث عن حلول ومعالجات جذرية، تسمح للنظام بفترة سماح متوسطة المدى، قد تؤسس من خلال التسويات التي قد يتم التوصل لها، إلى حلول طويلة واستراتيجية، تعيد وضع إيران على خريطة المجتمع الدولي، وما يتطلبه ذلك من إعادة صياغة سلوكها وتعاملها مع الداخل والمحيط القريب والبعيد.

الثمن المطلوب

ويبدو أن النظام الإيراني بكل أركانه، سواء تلك المعنية برسم السياسات الاستراتيجية كالمرشد والمجلس الأعلى للأمن القومي، أو تلك المكلفة مهمة نقل هذه السياسات وترجمتها على طاولة التفاوض، كوزارة الخارجية وكبير مفاوضيها، قد أدركت أن الثمن المطلوب منها مقابل المحافظة على “خط الحرس الأحمر”، سيكون كبيراً جداً، يصعب تحمله في هذه المرحلة. لأن الوصول إلى تحقيق هذا المطلب، يمر بكل تأكيد من بوابة قبول النظام بوضع جميع ملفات وأنشطة هذه القوات على الطاولة، وما يعنيه ذلك من إلزامية التنازل وصولاً إلى التسوية المطلوبة التي تسمح للإدارة الأميركية باتخاذ خطوة إعفاء هذه المؤسسة العسكرية من العقوبات.

فالعقوبات على “حرس الثورة” لم تكن وليست من منطلق أنها مؤسسة عسكرية تابعة للنظام، وتشكل ذراعه الأساسية في الدفاع عن نفسه أمام أي تهديد داخلي أو خارجي، بل من منطلق ما يقوم به من أنشطة ترتبط بالملف الأساس الذي يشكل الهاجس الأبرز والقلق الأكبر للمجتمع الدولي، أي البرنامج النووي وما في كواليسه من جهود لإيصاله على الأقل إلى عتبة التصنيع العسكري، فضلاً عن سيطرته وامتلاكه للبرنامج الصاروخي الباليستي، وما يشكله من مصادر تهديد للدول الحليفة لواشنطن وفي مقدمتها إسرائيل، بخاصة أن هذه الصواريخ لم تبق في إطار الجهود الدفاعية الطبيعية لأي دولة تعتبر نفسها في معرض التهديد، بل قامت هذه المؤسسة، وبناء على سياسة استراتيجية للنظام، بتزويد حلفائها وأذرعها بهذه الصناعات وهذه الصواريخ، ما جعلها تتحول إلى تهديد لأمن واستقرار دول المنطقة والمعادلات الإقليمية. وهذه الهواجس تفتح الباب أمام ضرورة البحث في دور ونفوذ إيران خارج حدودها، خصوصاً ما يتعلق بالأذرع الإقليمية التي تمتلكها، وتسعى من ورائها للتأثير على المعادلات الإقليمية وفرض شروطها.

تنازل أكثر إيلاماً

وفي ظل عدم استعداد النظام الإيراني للدخول في مسار البحث حول هذه الملفات، يعني أنه لم يصل إلى مرحلة يكون فيها على استعداد لمقاربة أي موضوع خارج العقوبات الاقتصادية، بالتالي فإن قيادة النظام لا ترى نفسها في مأزق وجودي يفرض عليها إعادة تعريف حدود دورها ونفوذها الإقليمي وعلاقتها مع قوى متحالفة معها أو أذرعها الفاعلة في العديد من الساحات في عدد من العواصم، إضافة إلى ما ينتج عن ذلك من تهديد لاستقرار وسيادة دول أخرى. وهذا الموقف يمكن استشفافه بكل وضوح من الإشارة التي صدرت عن وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان، الذي تحدث عن اقتصار المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن على الجانب المتعلق بإعادة تفعيل البنود المرتبطة بإلغاء العقوبات في اتفاق 2015، وتأجيل البحث في الملفات الأخرى إلى مرحلة لاحقة.

هروب النظام الإيراني والتخلي عن “خط الحرس الأحمر” كشرط ومدخل لإعادة إحياء الاتفاق، كان نتيجة إدراكه لحجم وأهداف الإدارة الأميركية مقابل أي تنازل في هذا الموضوع، بالتالي فإن التنازل الإيراني سيكون أكثر إيلاماً وأبعد أثراً على استراتيجية النظام الإقليمي ودوره ونفوذه في العديد من الملفات. وهو لم يصل إلى مرحلة تجبره على القبول بذلك، في وقت لم يحقق أي تقدم على المسارات الاقتصادية وعقوباتها، وما يمكن أن تشكله من خشبة خلاص تساعد في البدء بمعالجات عملية لأزماته الداخلية.

ولعل تمسك المفاوض الإيراني بالحصول على ضمانات “اقتصادية ومالية”، على الأقل في السنتين المقبلتين التي تشكل المدة الزمنية المتبقية لولاية الرئيس الأميركي جو بايدن، يأتي من باب التعويض عما لم يستطع تحقيقه من خلال الشروط التي وضعها، لا سيما إلزامية الاتفاق لأي رئيس أميركي جديد، بالتالي يمكن القول، إن تواطؤاً غير معلن قد حصل بين الإدارة الأميركية والعواصم الأوروبية من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، على تمرير هذه المرحلة بأقل الخسائر السياسية الممكنة، تسمح بمعالجات سريعة لأزمة تراجع إمدادات الطاقة نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا بعد حربها على أوكرانيا، الأمر الذي يجعل من هذا الاتفاق في حال الإعلان عن التوصل له، اتفاقاً مؤقتاً ومرحلياً، تبقى استمراريته مرهونة بالتطورات المستقبلية.

اندبندت عربي