هل تشكل الاحتجاجات في الصين تهديدا لسلاسل التوريد العالمية؟

هل تشكل الاحتجاجات في الصين تهديدا لسلاسل التوريد العالمية؟

تحاول السلطات الصينية كبح غضبها تجاه الاحتجاجات التي شكلت مفاجأة كبيرة على الصعيدين الرسمي والشعبي، إذ نادرا ما يعبّر مواطنون صينيون عن رفضهم العلني لأي قضية كانت، سياسة أو اجتماعية.

ونقلت صحف محلية عن طلبة من جامعة تسينغهوا، في بكين، أن قوه يونغ -نائب سكرتير الحزب الشيوعي الصيني في الجامعة- قدم وعودا بعدم تحميل المسؤولية لأي طالب شارك في احتجاج عطلة نهاية الأسبوع ضد القيود المتعلقة بسياسة “صفر كوفيد” التي تتمسك بها الصين.

لكن الاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن وأبرزها شانغهاي -وإن بدت محدودة- تعكس حقيقة أن المواطنين غاضبون ويظهرون تحديا عاما، في ظل اقتصاد يعاني نتيجة الإغلاقات واستمرار تفشي حالات كورونا.

غياب خطة واضحة

شدد أكاديميون على أهمية توضيح الحكومة المركزية لأولوية العمل في مواجهة التحديات التي تعرقل نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأبرزها القيود المتعلقة بكوفيد-19.

وحسب مدير المركز الصيني للبحوث الاقتصادية في جامعة بكين، ياو يانغ، فإن اقتصاد الصين خسر بالفعل أكثر من 3 تريليونات يوان من قيمته البالغة 114 تريليون يوان (16 تريليون دولار) هذا العام، من خلال إعطاء الأولوية لسياسة “صفر كوفيد” على حساب التنمية الاقتصادية.

وخلال ندوة بجامعة بكين بشأن التوقعات الاقتصادية للصين، دعا ياو بكين إلى تخفيف سياستها المتعلقة بـ”صفر كوفيد” لتقليل تأثيرها الاقتصادي، كما حث الحكومات المحلية على مراعاة مشاعر الناس العاديين بشكل أكبر، لتجنب مزيد من الاحتقان الشعبي.

وتوقعت وكالة التصنيف الائتماني “موديز إنفستورز سيرفس” (Moody’s Investors Service) أن تتلاشى الاحتجاجات المتعلقة بإجراءات الاحتواء بشكل سريع نسبيا، لكن استمرارها سيؤثر سلبا على الائتمان، في ظل استجابة أكثر قوة من قبل السلطات.

وتكافح الحكومات المحلية لتحقيق توازن بين السيطرة على الفيروس واتباع خطة مجلس الدولة الصيني المكونة من 20 نقطة، التي تنص على نهج أكثر استهدافًا يتجنب عمليات الإغلاق واسعة النطاق.

ويرى مراقبون أن العديد من القيود ستظل سارية بسبب المستويات المحدودة من المناعة المكتسبة بشكل طبيعي في الصين، وتلقي اللقاح المنخفض نسبيا بين الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.

استمرار عدم اليقين

يسعى المسؤولون الصينيون إلى مسك العصا من المنتصف، بضمان عدم نمو الاضطرابات السياسية والتمسك بالسياسات الخاصة بالمرض. في حين أن الشركات التي تمارس أنشطة تجارية في الصين تراقب عن كثب أي أدلة حول ما قد يحمله المستقبل.

وتأثرت سلاسل التوريد بشكل أقل مما كانت عليه خلال تفشي أبريل/نيسان الماضي، إذ لم تمتد الموجة إلى الموانئ الرئيسية أو مراكز التصنيع في الصين.

لكن دور الصادرات كمحرك اقتصادي للصين على مدى العامين الماضيين قد يتضاءل عام 2023، وسط تضاؤل الطلب الخارجي والتوترات الجيوسياسية وتعافي قطاعات التصنيع في البلدان الأخرى، وفق بنك “غولدمان ساكس” (Goldman Sachs).

وقال وانغ يونغ، مدير مركز الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة بكين، عبر حسابه في موقع “ويبو” (Weibo) الصيني الشبيه بتويتر، إن تكرار الاشتباكات بين العمال وقوات الأمن في مراكز التصنيع بسبب الإجراءات الصارمة قد يدفع المزيد من رجال الأعمال الأجانب، وحتى الشركات الصينية، إلى نقل الإنتاج للخارج.

ونما الاقتصاد الصيني بنسبة 3.9% في الربع الثالث، على أساس سنوي، بعد أن نما بنسبة 0.4% فقط في الربع الثاني، لكن الاقتصاديين يرون أن الاقتصاد الصيني قد ينمو بنسبة 3% هذا العام، في ظل وجود مخاطر سلبية على الاقتصاد في الربع الرابع.

سيناريوهات مستقبلية

ينظر للأيام القادمة على أنها حاسمة بشأن استمرار الاحتجاجات أو تزايد رقعتها، وكيف ستستجيب السلطات، إذ دعت لجنة الشؤون السياسية والقانونية المركزية التابعة للحزب الشيوعي إلى اتخاذ إجراءات قمعية وفق القانون، ضد ما وصفتها بأنشطة التسلل والتخريب التي تقوم بها قوات معادية، حسب بيان نشرته وكالة “شينخوا” الرسمية.

وطالبت منظمة هيومن رايتس ووتش -في بيان لها- الحكومة الصينية باحترام الحقوق الأساسية للناس في جميع أنحاء الصين للاحتجاج السلمي على قيود الحكومة الصارمة لتطبيق سياسة “صفر كوفيد”، وبالحرية وحقوق الإنسان.

ورغم التزام وسائل الإعلام الحكومية الصمت حيال الاحتجاجات، فإنها نشرت دعوات شديدة اللهجة لـ”الالتزام الثابت” بسياسة “صفر-كوفيد”.

وكانت هناك استجابة متباينة للسلطات المحلية على الاحتجاجات، حيث خففت إجراءات مكافحة فيروس كورونا في بعض مناطق البلاد، في ظل تشديد إجراءاتها الأمنية لمنع عودة الاحتجاجات.

ويرى مراقبون أن اقتصار الاحتجاجات على مناطق محددة لن يؤثر على سلسلة التوريد في الوقت الحالي، لكن استمرار القيود ورفضها سيفاقم الأوضاع الاقتصادية في موسم ذروة عيد الميلاد أو رأس السنة الصينية خلال الأسابيع القادمة.

الجزيرة