النداء الأخير لقوات اليونيفيل؟ إسرائيل وحزب الله في مشهد يعيد إلى الأذهان أحداث العام 2006

النداء الأخير لقوات اليونيفيل؟ إسرائيل وحزب الله في مشهد يعيد إلى الأذهان أحداث العام 2006

تُعدّ التهديدات المتبادلة بين المسؤولين الإسرائيليين ومسؤولي حزب الله محطة في سلسلة تطورات تشير إلى ارتفاع خطر سوء الحسابات واندلاع صراع إقليمي واسع النطاق.

شهدت أواخر شهر أيار/مايو تبادل تهديدات عالي المستوى بين كبار المسؤولين من الإسرائيلين وحزب الله، من ضمنها إنذار الطرفين بشنّ حرب. هل التصعيد وشيك، وإذا كان كذلك، ما مدى احتمالية اندلاع حرب إقليمية؟

ماذا قالوا؟

قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، اللواء أهارون حليفا، في 22 أيار/مايو خلال مؤتمر “هرتسليا” السنوي إن زعيم حزب الله، حسن نصر الله، يسعى مرة أخرى إلى “توسيع المعادلات” مع إسرائيل، موضحًا أنه “على وشك ارتكاب خطأ قد يجرّ المنطقة إلى حرب كبيرة… بالإضافة إلى تزايد ثقة [الرئيس السوري] بشار الأسد لدرجة تسمح بإطلاق طائرة إيرانية بدون طيار نحو إسرائيل. وهذا من شأنه أن يرفع احتمال التصعيد في المنطقة وعلينا الاستعداد له… لا يخطئنّ أحد، فنحن مستعدون لاستخدام القوة، وبالتالي قد يؤدي استخدام سوريا ولبنان للقوة ضدنا إلى تصادم واسع النطاق بين إسرائيل وحزب الله ولبنان”.

وفي اليوم التالي، توجه رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال هرتسي هليفي، إلى المؤتمر بالقول إن الحشد العسكري لحزب الله يمثل تحديًا كبيرًا وإن على إسرائيل “إيجاد الوقت المناسب للقيام بمبادرة مفيدة”، وتابع أن “حزب الله يرتدع عن شن حرب شاملة ضد إسرائيل، ولكنه يعتقد أنه يفهم طريقة تفكيرنا وهذا ما يجعله يتجرأ على تحدينا لظنه أن هذا لن يؤدي إلى حرب. إلا أنني أرى ذلك مسارًا مناسبًا لتقديم مفاجآت عند الضرورة… فالجيش الإسرائيلي على أتمّ استعداد للقتال في الشمال ويزداد استعدادًا، ولكن مثل هذه الحملة ستكون قاسية على الجبهة الداخلية الإسرائيلية وأقسى بأضعاف على لبنان وأقسى بعد على حزب الله”. كما أشار هليفي إلى أن “تطورات سلبية محتملة في برنامج إيران النووي تلوح في الأفق وقد تؤدي إلى اتخاذ إجراءات”.

وفي مساء اليوم عينه، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي للصحافيين إن تصريحات هليفي لا تشير إلى حرب وشيكة في لبنان أو هجوم على إيران. ولكن تناقلت التقارير أنه تم إطلاع مجلس الأمن الإسرائيلي على الوضع مع حزب الله وتدريبات الأركان العامة الجارية من 29 أيار/مايو إلى 8 حزيران/يونيو والتي تحاكي حربًا مع إيران وفي شمال المنطقة.

وفي الوقت عينه، ألقى نصر الله خطابًا في 25 أيار/مايو بمناسبة “عيد المقاومة والتحرير” الذي يحيي ذكرى انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في العام 2000. وفي معرض الردّ على “تهديدات العدو”، نبّه إسرائيل إلى الحذر من الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى حرب كبرى، كما أشار إلى الانقسامات الإسرائيلية الداخلية وفشلها في ردع المعارضين خلال عمليتها الأخيرة ضد حركة الجهاد الإسلامي في غزة (انظر أدناه).

ما السبب وراء التحذيرات؟

يبدو أن تحذيرات جنرالات الجيش الإسرائيلي لا ترتكز على أي تنبيهات محددة بشأن هجوم وشيك، بل على تزايد رغبة حزب الله الواضحة في المجازفة، إذ يسعى الأخير إلى تحدي إسرائيل حتى عتبة الحرب، ولكن من دون تجاوزها، علمًا أن هذه النزعة إلى التصعيد لم تبدأ الأسبوع الفائت، فثمة أربعة حوادث وقعت مؤخرًا تبرز ديناميات التصعيد:

  • في 13 آذار/مارس، قام إرهابي أرسله حزب الله بتفجير عبوة ناسفة قرب موقع مجيدو بعد اختراقه الحدود اللبنانية والتسلل إلى عمق سبعين كيلومترًا داخل إسرائيل، حيث أصيب مواطن إسرائيلي بجروح بالغة بينما قُتل الجاني وهو في طريق عودته إلى لبنان.
  • في 31 آذار/مارس، أودت غارة إسرائيلية في دمشق بحياة خمسة ضباط من صفوف الراعي العسكري لحزب الله، أي الحرس الثوري الإيراني.
  • في 6 نيسان/أبريل، أطلق نشطاء حماس في لبنان 34 صاروخًا على إسرائيل بالتزامن مع صواريخ أخرى من غزة وسوريا. وفي معرض الرد، أعلن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عن شن غارات إسرائيلية ضد أهداف لحزب الله ومواقع أخرى في لبنان وسوريا وغزة، ما دحضه نصر الله مدعيًا أن إسرائيل قصفت “مزارع الموز” لا أكثر. ومن المثير للاهتمام أن مراسلًا إسرائيليًا أصرّ على أن عملية خاصة نُفذت ضد هدف لحزب الله معروف من نصر الله، إلا أنه لم يقدم المزيد من التفاصيل. وعلى الرغم من أن الجيش الإسرائيلي كان حريصًا على نسب هذا الهجوم إلى حركة حماس وحدها إلا أن الكثير من المراقبين تساءلوا عن مدى تمكن الحركة الفلسطينية من القيام بعملية تضم عشرات القاذفات في مواقع متعددة في جنوب لبنان من دون موافقة حزب الله.
  • في 4 أيار/مايو، أطلقت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية 104 صواريخ من غزة نحو إسرائيل، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى شن عملية “الدرع والسهم” (من 9 إلى 15 أيار/مايو) ضد الحركة. والجدير بالذكر أن حركة حماس لم تشارك ولم تتعرض للاستهدافعلى الرغم من القصف الصاروخي انطلاقًا من أراضيها.

لعلّ حزب الله استخلص من هذه التبادلات أن إسرائيل تفضل عمومًا استهداف الأعداء في ساحات أقل اضطرابًا وينخفض فيها احتمال مواجهة نتائج سلبية عند الرّد على الهجمات. ولذلك، يمكن أن يستنتج حزب الله أن الجيش الإسرائيلي يرتدع عن قصف الأراضي اللبنانية وأهداف حزب الله بما يمكّن الحزب من مهاجمة إسرائيل من دون الخوف من ردّ قوي من جانبها.

ظهرت علامات هذه الثقة المفرطة واضحة في 21 أيار/مايو عندما قدّم حزب الله عرضًا عسكريًا لعدد كبير من المراقبين والمراسلين في موقع تدريبه في عرمتا، على مسافة 19 كيلومترًا فقط من الحدود. استُعرضت في هذا الحدث صواريخ وقطع مدفعية وطائرات بدون طيار ومركبات صالحة لجميع التضاريس ودراجات نارية، وحضره 200 جندي من بينهم أفراد من وحدة النخبة المعروفة باسم “وحدة الرضوان”. وعمد المشاركون على نحو مقلق إلى محاكاة اختراق للحدود الإسرائيلية وهجوم على مواقع للجيش الإسرائيلي داخل إسرائيل واختطاف جندي إسرائيلي في عملية من النوع الذي أشعل عن غير قصد فتيل حرب لبنان في العام 2006 في وقت لم يكن أي من الطرفين يسعى إلى صراع واسع النطاق. كما حضر العرض المسؤول البارز في حزب الله هاشم صفي الدين الذي هدد إسرائيل بـ “سيل من الصواريخ الدقيقة”.

وردًا على هذا العرض، أدان رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي و31 نائبًا التعدي على سيادة بيروت، إلا أن نصر الله أشاد بالحدث في خطاب 25 أيار/مايو، زاعمًا أنه ساهم في إثارة الذعر داخل إسرائيل.

كما وثقت تقارير الأمم المتحدة من جهتها عوامل مختلفة تشير إلى تصعيد حزب الله وثقته المفرطة خلال العام الفائت، من تهديدات الطائرات بدون طيار لمنصة الغاز البحرية الإسرائيلية إلى وضع أبراج المراقبة العسكرية على طول الحدود (مموّهة كمراكز بيئية تُستخدم تحت ستار منظمة “أخضر بلا حدود” الواجهة)، ومن هذه العوامل الأكثر إثارة للقلق:

ميادين الرماية والتدريب التكتيكي. أشارت الأمم المتحدة في تقاريرها لأشهر تموز/يوليو وتشرين الثاني/نوفمبر 2022 وآذار/مارس 2023 إلى أن الدوريات المروحية التي قامت بها قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (“اليونيفيل”) رصدت مرارًا وتكرارًا ميادين رماية نشطة في خمسة مواقع على الأقل في أنحاء جنوب لبنان، وبعضها مجهز بمنشآت دائمة. إن إجراء التدريب التكتيكي والرماية بالذخيرة الحية في ميادين ثابتة في وضح النهار هو تعبير واضح عن الوقاحة المتزايدة للحزب. وبالإضافة إلى ذلك، أطلق عناصر حزب الله الألعاب النارية باتجاه مروحية تابعة لليونيفيل بالقرب من ميدان الرماية في منطقة دير عامص في تشرين الأول/أكتوبر، كما قام مسلحون بعد شهرين بتصويب أسلحتهم على مروحية أخرى بالقرب من ميدان زبقين. ومع أن الجيش اللبناني وافق في آذار/مارس 2022 على تيسير الزيارات المشتركة مع قوات “اليونيفيل” إلى هذه الميادين، إلا أن ذلك لم يحدث.

الهجمات على قوات “اليونيفيل”. في العام 2022، بلغ معدّل عدد الاعتداءات والمضايقات والقيود المفروضة على حركة عناصر اليونيفيل التي أفادت بها الأمم المتحدة الذروة القصوى بنحو خمسة حوادث في الشهر، متجاوزًا معدلات السنوات السابقة بنسبة كبيرة. شكّل مقتل الجندي الأيرلندي في “اليونيفيل”، شون روني، في 14 كانون الأول/ديسمبر مثالًا واضحًا على هذه النزعة، وسواء أقُتل بأمر مباشر من كبار مسؤولي حزب الله أم لا، فمن المؤكد أن العناصر على الأرض تصرفوا بما يتماشى مع نوايا قادتهم ومَنْطِقهم. وفي هذا الإطار، ورد أن قاضيًا عسكريًا اتهمخمسة عناصر من حزب الله بارتكاب جريمة القتل، إلا أن واحدًا منهم فقط رهن الاحتجاز.

التحليق الإسرائيلي فوق لبنان. تعهد نصر الله في العام 2019 بالحد من تحليق الجيش الإسرائيلي فوق لبنان. ويبدو من ذلك الحين أن حزب الله تمكن من إحراز تقدم نحو هذا الهدف من خلال تحسين دفاعاته الجوية. وبعد أن أفادت الأمم المتحدة في تقاريرها بأن ساعات التحليق الإسرائيلي انخفضت بنسبة 95 في المئة بين صيف العام 2020 وصيف العام 2021، شهد العام التالي انخفاضًا إضافيًا بنسبة 35 في المئة (للاطلاع على الرسوم البيانية لتوضيح هذا الانخفاض، انظر المرصد السياسي 3626). ومع أن هذا قد يشير إلى نجاح إسرائيل في تطوير قدرات استطلاع بديلة، إلا أن جزءًا من التراجع يعود على وجه الافتراض إلى تزايد تهديدات حزب الله بإطلاق صواريخ أرض جو وفي الوقت عينه إلى زيادة ثقته ورغبته في المخاطرة.

التوصيات

في نهاية حرب العام 2006، حدد مجلس الأمن في قراره رقم 1701 على نحو صحيح ظرفين من الظروف التصعيدية الرئيسية التي أدت إلى الصراع، وهما بقاء سلاح حزب الله خارج سيطرة الحكومة اللبنانية ووجود حزب الله العسكري في جنوب لبنان وعلى طول الحدود مع اسرائيل. ودعا القرار الحكومة اللبنانية إلى إنشاء، بمساعدة “اليونيفيل”، منطقة “بين الخط الأزرق ونهر الليطاني… خالية من أي عناصر مسلحة وأعتدة وأسلحة غير تلك التابعة للحكومة اللبنانية و”اليونيفيل””. إلا أنها فشلت في هذه المهمة الحاسمة ولذلك تسود حاليًا ظروف مماثلة وقد تفاقمت في الواقع. من الجدير بالذكر أن قُرب قوات حزب الله النخبة، “وحدة الرضوان”، من الخط الأزرق يشكل تهديدًا مباشرًا للمجتمعات الشمالية في إسرائيل، وقد أدى احتمال شن هجوم في وقت قصير إلى تقليص هامش التهدئة. وكما ذكرنا سابقًا، يُجري الحزب أيضًا تدريبات خطف عبر الحدود من النوع الذي أشعل فتيل حرب العام 2006.

تتفاقم هذه الاضطرابات بسبب أنشطة حزب الله في سوريا وهجمات حركة حماس من الأراضي اللبنانية وإطلاق الصواريخ من الساحة الفلسطينية، وذلك كله بتشجيع من الراعي الإيراني الذي يتنامى شعوره بالقوة. ومن المؤكد أن الحديث السائد عن “وحدة مسارح الحرب” ضد إسرائيل لا يزال في إطار الدعاية والجهود اللوجستية لأعضاء “محور المقاومة” الإيراني، إذ لم يقوموا بعد بعمليات متزامنة من جبهات متعددة كما أنهم لم يشكلوا قيادة موحدة. ومع ذلك، من المرجح أن يحدث التصعيد في لبنان هذا العام نتيجة مجموعة العوامل المذكورة أعلاه. فثقة نصر الله المفرطة في قدرته على التنبؤ بردود إسرائيل أفضت إلى مغامرته في العام 2006 مع العلم أنه اعترف بعد الحرب بأنه أساء تقدير العواقب معربًا عن أسفه. ومع ذلك، لا يقل خطابه الحالي غطرسةً، بينما يحذر جنرالات الجيش الإسرائيلي من أن مثل هذه العقلية قد تؤدي إلى دورة أخرى من سوء الحسابات وإلى تصعيد أكثر تدميرًا من العام 2006.

وعلاوة على ذلك، أفاد تقرير إخباري لبناني في الأول من حزيران/يونيو بأن التوترات تتصاعد بسبب إقامة خيمة في منطقة مزارع شبعا على طول الحدود بين إسرائيل وسوريا، ربما على الجانب الإسرائيلي من الخط الأزرق، كما أفادت قناة المنار التلفزيونية التابعة لحزب الله عن توزيع مناشير هناك تحذر القوات الإسرائيلية من أن هذه المنطقة لبنانية. لقد استخدم حزب الله تاريخيًا المنطقة نفسها لشن هجمات على إسرائيل باسم السيادة اللبنانية، ولذلك قد تنذر هذه التطورات بشن هجوم جديد من قبل الحزب.

سيحظى المجتمع الدولي هذا الصيف بفرصة أخرى، ربما الأخيرة، لدرء خطر الحرب خلال جلسة التصويت السنوية المقبلة لتجديد مهمة قوات “اليونيفيل”. وهذا سيتطلب كسر حلقة “النسخ واللصق” المهلكة التي لا تخضع في إطارها مهمة “اليونيفيل” وهيكليتها إلا لتغييرات بسيطة وتواجه قوات حفظ السلام هجمات متزايدة من قبل حزب الله وتفسح اليونيفيل المجال للوجود العسكري للحزب في الجنوب، الأمر الذي يزيد من حدة التوترات على طول الحدود مع إسرائيل.

أولًا وأخيرًا، لاستدعاء الإرادة السياسية اللازمة لكسر هذه الحلقة يجب على المسؤولين الاعتراف بتزايد احتمالات وقوع حرب. ولذلك يجب على أعضاء مجلس الأمن وضع استراتيجية لبذل المزيد من الجهود لمنع صراع كبير مع حزب الله بدلًا من التركيز كليًا على الأزمة الاقتصادية في لبنان، لأننا أمام وضع إنساني كارثي سيجعل الأزمة الاقتصادية الحالية تبدو باهتة مقارنة به. وبالتالي، يمكنهم الانطلاق من تسليط الضوء على انتهاكات حزب الله للقرار 1701 وخطابه الذي يقرع طبول للحرب. وينبغي أيضًا النظر بجدية في مقترحات تحسين تقارير “اليونيفيل” وهيكل قوتها ومهمتها (على سبيل المثال، تغيير فترة التجديد إلى ستة أشهر بدلاً من اثني عشر شهرًا) بعدما رفضها في السنوات الفائتة. ومن الأفضل للدول التي تساهم في قوات في “اليونيفيل” أن تعيد تقييم المخاطر على عناصرها في حال التصعيد، بما أن قوات حفظ السلام تنتشر في قلب منطقة يُحتمل أن يندلع الصراع فيها. ربما تبلغ احتمالات وقوع الحرب أعلى مستوياتها منذ العام 2006، والآن ليس الوقت المناسب لتعمل الأمم المتحدة كما جرت العادة.

معهد واشنطن