تمرد فاغنر يقوّي وضع إيران في سوريا

تمرد فاغنر يقوّي وضع إيران في سوريا

انشغل أغلب المراقبين بتداعيات تمرد زعيم فاغنر يفغيني بريغوجين على الداخل الروسي والرئيس فلاديمير بوتين، في حين يرى آخرون أن الوضع الأخطر والأكثر دقة يتمثل في الوضع السوري، حيث تهدد أي اضطرابات بين الكرملين وفاغنر بخسارة موسكو لعدد كبير من الجماعات المسلحة والمقاتلين الموالين لها، والذين تستغل طهران الأزمة لتجندهم لصالحها بتقديم المغريات المالية.

واشنطن – عندما انطلق تمرد يفغيني بريغوجين في مدينة روستوف، ألقت الشرطة العسكرية الروسية في سوريا القبض على أربعة على الأقل من كبار قادة مجموعة فاغنر ونقلتهم إلى قاعدة حميميم الجوية كإجراء احترازي.

ونقلت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية عن مصادر متعددة قولها، ضمن رسائل عبر تطبيق مراسلة مشفر، إن الجميع مازالوا محتجزين في منشأة مغلقة في حميميم.

وتضم قاعدة حميميم الآلاف من الجنود والمقاولين الروس، وهي مركز القيادة والسيطرة الروسية في سوريا والمقر اللوجستي لجميع عمليات فاغنر في الخارج. وتنطلق رحلات قوات فاغنر إلى ليبيا ومالي والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وحتى فنزويلا من حميميم عبر طائرات وزارة الدفاع الروسية.

ويقول جيريمي هودج، كبير الباحثين في مركز زوميا لدراسة الفضاءات غير الحكومية، إن إمبراطورية بريغوجين العالمية ستنهار إذا منع الكرملين مرتزقته من الوصول إلى هذه المنشأة.

ووردت أنباء تفيد بتلقي قادة فاغنر في حميميم إنذارا لتوقيع عقود جديدة مع وزارة الدفاع أو المغادرة. ويُذكر أن قوات فاغنر تشكل أحد أهم الأصول العاملة على حماية مصالح موسكو في البلاد، مما يمنح بريغوجين نفوذا كبيرا من المرجح أن يؤخر أي تقويض مفاجئ لقواته.

وتدير مجموعة فاغنر حاليا ما بين ألف وألفي جندي منتشرين في سوريا، وهي في مركز شبكة أكبر تضم أكثر من 10 آلاف متعاقد عسكري محلي خاص يساعدون في حراسة البنية التحتية للنفط والغاز والفوسفات في صحراء البلاد. وهي تقدّم للمقاولين العسكريين السوريين الخاصين جزءا من إيرادات المنشآت المملوكة جلّها (أو المُدارة) لشركات مرتبطة بغينادي تيمشينكو. ويعدّ تيمشينكو من أكثر المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويتوقع الخبراء أنه أشرف على تعزيز شركات فاغنر الوهمية.

وتعتبر روسيا أحد أكبر مصدري الطاقة والسلع في العالم، مما يجعلها تحسب الإيرادات المحققة من الموارد الطبيعية في سوريا متواضعة. لكن النظام السوري يعتبرها مصدرا للعملة الأجنبية التي هو في حاجة إليها. وسيطرة موسكو عليها تمنح الكرملين نفوذا يمكّنه من ضمان عدم تراجع دمشق عن التزاماتها الجيوستراتيجية تجاهه في أي سيناريو بعد الحرب.

وتشمل هذه الالتزامات الحفاظ على حق روسيا في استخدام حميميم كمنصة انطلاق لعرض القوة في أفريقيا، وإرساء السفن ذات القدرات النووية في ميناء طرطوس السوري الذي جسّد أحد أعظم إنجازات موسكو الجيوستراتيجية منذ سبعينات القرن العشرين ومكّنها من امتلاك موقع نووي على طول الجناح الجنوبي لحلف الناتو.

ويقول جيريمي هودج إن ضمان احتفاظ روسيا بنفوذها على دمشق يعني ولاء الآلاف من المتعاقدين العسكريين السوريين الخاصين الذين يقودهم بريغوجين. وستستغل إيران، منافس روسيا الرئيسي، أي خفْض أو توقف مؤقت لمحفزات هذه القوات بسبب الارتباك في موسكو، حيث يمكن أن تقدم لهؤلاء المقاتلين أسلحة وأجورا أفضل.

ومن المرجح أن تربح الشركات الروسية الكثير إذا تقرر رفع العقوبات عن سوريا. ومارس بوتين لسنوات ضغوطا على الأسد لضمان ذلك. لكن هذا القرار وما يصاحبه من منع مساعدات التنمية الغربية لم يتحقق.

وبدأت روسيا في قطع الدعم عن العديد من وكلائها بحلول 2021، حيث كانوا ناشطين في أجزاء من البلاد لم تعد تعتبرها إستراتيجية. وتحوّل الكثير منهم إلى إيران لتلقي الرواتب التي لم تعد موسكو توفرها. وتسارعت هذه العملية بعد غزو أوكرانيا.

وكان التطبيع السريع الذي شهدته الأشهر الأخيرة بين نظام الأسد وجامعة الدول العربية إستراتيجية الملاذ الأخير للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن لاحتواء إيران.

ويعتبر مرتزقة فاغنر وشبكة مقاوليهم في مواقع النفط والغاز عبر سوريا اليوم من المكونات الأساسية العديدة لما تبقى من الاحتلال الروسي. وأثبتوا حتى الآن مقاومتهم للمبادرات الإيرانية بدعم جزئي من تدفق عائدات مستقل ومستدام.

إيران ستستغل أي خفْض أو توقف مؤقت لمحفزات القوات الموالية لموسكو؛ إذ يمكن أن تقدم لهؤلاء المقاتلين أسلحة وأجورا أفضل

وقد يتغير الوضع في حالة سقوط ركيزة أخرى في نظام بوتين، مع اتباع مرتزقة فاغنر السوريين نفس المسار الذي اتبعه العديد من الوكلاء الروس السابقين. وتعدّ الأمثلة هنا كثيرة.

وفي أبريل 2021 تجاهلت روسيا طلبات المساعدة من ميليشيا مدعومة من القبائل تقاتل القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في شمال شرق سوريا. ففتح مقاتلوها أبوابهم لإيران بعد هزيمتهم وطردهم من منازلهم، ونقلت لهم كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الثقيلة وعوضتهم عن رواتبهم المفقودة.

كما كان اللواء الثامن التابع للجيش السوري من أكثر الوحدات ولاءً لروسيا داخل القوات المسلحة في جنوب سوريا. ويحارب الآن اللواء الثامن لصالح مديرية المخابرات العسكرية السورية التي تعدّ من أقوى وكلاء إيران المتورطين في تجارة المخدرات الإقليمية.

وانفصلت ميليشيات قوات الدفاع الوطني شرقي دير الزور بقيادة حسن الغضبان عن موسكو في يوليو 2022، حيث لم تتلق رواتبها لمدة ستة أشهر. وأصبحت المجموعة، بعد فترة وجيزة من الاندماج في الفرقة الرابعة، واحدة من وحدات النخبة السورية المدعومة من إيران بقيادة ماهر الأسد (شقيق الرئيس السوري بشار الأسد) والتي تتربع على عرش تجارة المخدرات في سوريا.

ويؤكد المحلل السياسي أن روسيا إذا خسرت ولاء المرتزقة السوريين الذين يحرسون البنية التحتية الطاقية في البلاد، فلن تتمكن من ضمان استمرار إجبارها الأسد على السماح للكرملين باستخدام الأراضي السورية لتهديد الناتو والتوسع في جميع أنحاء أفريقيا.

وشنت روسيا حملة شرسة لإصلاح الجيش السوري بعد هزيمة داعش في 2018، وكانت تأمل في الشراكة معه باعتباره عميلها الرئيسي في سيناريو ما بعد الحرب. وقررت ترقية الجنرالات السوريين الذين يتحدثون الروسية وإعفاء المئات من كبار الضباط، وصودرت أسلحة وبطاقات هوية عسكرية من الميليشيات المدعومة من إيران، واعتُقل عدد من مموليها.

وأثار البرنامج موجة من العنف ضد القوات الروسية ووكلائها، شنّتها الجماعات المدعومة من إيران التي رفضت نزع سلاحها وسرّعت بدلا من ذلك تغلغلها في المؤسسات السورية.

واستسلمت روسيا بحلول 2020. وكانت مقيدة بالانكماش الاقتصادي الناجم عن جائحة كورونا وفشلها في فرض النظام. وقلّصت وزارة الدفاع الروسية جهودها وتحولت إلى شبكتها الخاصة من المتعاقدين العسكريين الخاصين لبناء قوة غير نظامية لإدارة مصالحها الأضيق.

وتسارع هذا التحول بسبب الموقف العدائي الروسي تجاه تركيا، التي خاض وكلاؤها نزاعين منفصلين مع موسكو في 2020، مما خلق حاجة ملحة إلى جذب مجندين جدد.

وشكّلت هجمات داعش تهديدا مباشرا لمصالح روسيا الأساسية، واستنفدت موسكو جميع الخيارات في مواجهتها للوضع. وقررت إعادة اعتماد المتعاقدين العسكريين الخاصين الذين اعتادوا تجنيد السوريين للقتال في ليبيا، مع تدريب الأفراد الجدد في بلدة السقيلبية المسيحية الأرثوذكسية على مشارف الصحراء التي جندت روسيا فيها أكثر وحدات المرتزقة ولاءً لها.

وأصدرت وزارة الدفاع الروسية إنذارا للوحدات الموالية داخل الجيش السوري؛ فإما إرسال مقاتلين أو وقف الرواتب. فدخلت الوحدات الروسية التي تقاتل داخل الصحراء في شراكة مع وكلاء إيران، بمن في ذلك الميليشيات الشيعية الأفغانية، لأول مرة منذ 2017.

ويعد الآن الحفاظ على هذه الشبكة من المرتزقة التي أمكن تكوينها في 2020 أمرا أساسيا لضمان التشغيل السلس لاحتياطيات الطاقة والفوسفات في سوريا، التي أصبحت منذ ذلك الحين أولوية روسيا الرئيسية. وانتهزت إيران خلال ذلك الفرصة لتقويض الواجهة الروسية المتعثرة واستقطاب الوكلاء السابقين الذين لم يعد بإمكان الكرملين تحمل رعايتهم.

ويشعر البعض، مثل المسيحيين الأرثوذكس في السقيلبية والمدن المجاورة، إما ببعض التقارب مع روسيا أو ينظرون إليها على أنها حصن ضد تعدّي الشيعة الموالين لإيران. ومع ذلك، سيضطر جميع وكلاء فاغنر إلى اتخاذ قرارات عملية إذا سحبت موسكو البساط بالكامل من تحت أقدام قيادة بريغوجين.

وكان من بين قادة فاغنر الأربعة في سوريا الذين اعتقلوا أواخر الشهر الماضي، اثنان في حميميم وواحد في دمشق وواحد في محافظة دير الزور الغنية بالنفط وآخر في السقيلبية. وفي حالة استمرار اعتقالهم، قد يتلقى مسيحيو السقيلبية وجماعات أخرى عروضا إيرانية مغرية.

لكن الموقف الروسي الضعيف الحالي قد يؤخر أي خطوة لكبح جماح بريغوجين في سوريا. وليس الاحتلال الروسي مدفوعا بالسعي لتحقيق الربح. ويعدّ السماح لزعيم فاغنر بمواصلة جني ثروة متواضعة ثمنا ضئيلا يجب دفعه لضمان بقاء وجود موسكو على البحر المتوسط. وإذا حدث العكس، فسيخاطر الكرملين بخلق فجوة سيتدخل وكلاء إيران قريبا لاستغلالها.

العرب